تعرف على قصة الأسماء العربية ( 2 من 3 ) ...دعا العرب أولادهم حربا وكلبا وعاصية وسماهم النبي سِلما وجميلة وليلى

السبت, December 14, 2019
كاتب المقالة: 

الأثر الإسلامي..وإذا كان الإسلام قد قلب واقع العرب رأسًا على عقب، فإنّ أثره في الأسماء كان أوضح من غيره، وقد كانت للنبيّ صلى الله عليه وسلّم فلسفةٌ خاصّة في تسمية الأعلام، لم تكن مقتصرةً على المواليد بل تعدّتها إلى الكبار، خاصّة إذا دخلوا في الإسلام.

وتبديلُ الاسم عند الدخول في الإسلام تصرّفٌ نبويٌّ غاية في الرمزيّة، فالإنسان إذا أسلم، كأنما وُلد من جديد فاستحقّ اسمًا جديدًا، ويكون الاسم النبويُّ عادةً مخالفًا لما دأب عليه العربُ من التسمية بالأسماء القاسية الخشنة، أو تلك التي لها دلالة وثنية، أو تحمل فألا سيئا أو معنى غير محبَّب. وقد عقد البخاريّ (ت 256هـ) –في صحيحه- أبوابًا عدّة للتسمية مثل: "باب أحبّ الأسماء إلى الله"، وباب "تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه".

وروى بإسناده إلى سعيد بن المسيّب (ت 93هـ) أن جدَّه ‘حَزْنًا‘ قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فسأله: «ما اسمك؟» قال: اسمي حَزْنٌ [ومعناه: الصعب]، قال: «بل أنت سهل»، قال: ما أنا بمغيِّر اسما سمّانيه أبي. وجاء في بعض رواياته أنّ حَزْنًا هذا قال: "إنّما السهولة للحمار"! فكره تغيير اسمه.

وكأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أراد أن يهيّئ العرب لحياة جديدة غير حياة الاقتتال والتنازع والقساوة، ويؤيّد ذلك ما ذكره أبو داود السجستاني (ت 275هـ) -في سننه- من أن النبيّ صلى الله عليه وسلّم "سمّى حربًا سِلمًا".

وقد ذكر أبو داود مع هذا معانيَ أخرى تُجْمل الفلسفة النبويّة في اختيار الأسماء، وذلك في: "باب في تغيير الاسم القبيح"؛ قال فيه: "وغيَّرَ النبي صلى الله عليه وسلم اسمَ العاصِ وعزيزٍ وعَتَلَةَ وشَيطانٍ والحَكَمِ وغُرابٍ وحُبابٍ، وشهابٍ فسماه هشاماً، وسمّى المضطجع المنبعث".

ولم يقتصر هذا التغيير على الرجال فقط بل تعداهم إلى النساء؛ فقد ذكر أبو نعيم الأصبهاني (ت 430هـ) -في كتابه ‘معرفة الصحابة‘- أن جميلة بنت ثابت أم عاصم بن عمر بن الخطاب "كانت تُسمَّى ‘عاصية‘ فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‘جميلة‘"، وعلق الأصفهاني -ملاحظا الفلسفة النبوية هنا- فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يتفاءل بالاسم"! وقال ابن سعد -في ‘الطبقات الكبرى‘- إن الصحابية مطيعة بنت النعمان الأنصارية "كان اسمها ‘عاصية‘ فسماها رسول الله ‘مطيعة‘".

بل إن النبي كان يغير الأسماء التي توحي بتزكية النفس ومدحها، ومن أدلة ذلك ونماذجه ما رواه مسلم -في صحيحه- عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي ‘برة‘، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزكوا أنفسكم، إن الله أعلم بأهل البر منكم»، فقالوا: بم نسميها؟ قال: «سموها زينب».

وإذا كان التغيير هنا حصل في اسم مولودة صغيرة، فإنه شمل غيرها من البالغات من باب أولى؛ حتى ولو كانت من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أمثلة أيضا ما أورده ابن عبد البر الأندلسي (ت 463هـ) -في ‘الاستيعاب في معرفة الأصحاب‘- من أن أم المؤمنين جويرية بنت الحارث الخزاعية (ت 57هـ) "لم يختلفوا أن اسمها كان ‘بَرَّة‘ فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‘جويرية‘".

تغييرات طريفة
ومن طرائف أمثلة تغييره صلى الله عليه وسلم للأسماء تفاؤلا أنه كان يغير ما يوحي منها بالكسل إلى ما يدل على النشاط، كما ذكرناه سابقا عند أبي داود -في السنن- من أنه "سمّى المُضطجع المُنبعث"؛ أو تغييره الاسم الذي يفيد بالقلة إلى ما يعني الكثرة، فقد نقل الخطيب البغدادي –في كتابه ‘تالي تلخيص المتشابه‘- بسنده إلى صبيح ابن سعيد النجاشي المدني أن أمه "كانت اسمها عِنَبَة فسمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عُنقودة"!

ومن لطيف ذلك أيضا تغيير اسم نسائي وحشي اللفظ إلى آخر سلِس مأنوس؛ فقد أورد جمال الدين المزي (ت 742هـ) -في ‘تهذيب الكمال في أسماء الرجال‘- أن إحدى الصحابيات "كان اسمها ‘الجَهْدَمَة‘ فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم ‘ليلى‘".

وقد أتْبع أبو داود ما ذكره من تغيير النبي صلى الله عليه وسلم للأسماء بما هو أطرف؛ إذ وضّح أن التغيير النبويّ للأسماء القبيحة لم يقتصر على الأفراد والبشر، بل شمل القبائل والأرضين والآبار؛ فذكر أن "أرضاً تُسمَّى عَفِرةَ سماها خَضِرَة، وشِعْبَ الضَّلالة سَمَّاه شِعبَ الهُدى، وبنو الزَّنْيَة سمّاهم بني الرَّشدَة، وسمَّى بني مُغوِيَة بني رِشْدة"! مع أن الزَّنية هنا معناها الولد الأخير في العائلة وليست بمعنى الزنا، ولكنه غيّر اسمهم العائلي درْءاً لتوهم العار بهم.

ومن هذا الباب ما ذكره ابن منظور -في ‘لسان العرب‘- من أن مدينة النبي صلى اللّه عليه وسلم كان اسمها يَثْرِبُ "فغَيَّرها وسماها طَيْبةَ وطابةَ كَراهِيةَ التَّثْرِيبِ، وهو اللَّوْمُ والتَعْيير". ونقل المقريزي (ت 845هـ) –في ‘إمتاع الأسماع‘- عن الواقدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان "يشرب من بئر لبني أمية من الأنصار... تُسمّى العسيرة فسماها اليسيرة"!

وإنما كان عليه الصلاة والسلام يفعلُ ذلك لأثر الاسم في النفس، وكما قيل فـ"لكلّ [أحد] من اسمه نصيب". بل إنّ سعيد بن المسيّب كان يرى ذلك الأثر ممتدًّا وراثيًّا عبر الأجيال في عائلته؛ فقال: "فما زالت فينا الحُزُونة بعدُ"، أي أن الصعوبة بقيت ممتدّة في ذرية جدّه ‘حَزْنٍ‘ جيلًا فجيلًا!

ولعلّ المقاصد النبويّة كانت تَظهرُ أكثر في الألقاب التي كان يخلعُها على أصحابه المخلصين، كتلقيبه أبا بكر بـ‘الصدّيق‘، وعمر بـ‘الفاروق‘، ومثل تلقيبه حمزة بـ‘أسد الله‘ و‘سيد الشهداء‘، وخالدًا بـ‘سيف الله‘، وغير ذلك من الألقاب ذات الأثر الطيّب، المُلقية على حاملها شرفًا عظيمًا ومسؤولية أكبر في استحقاق ذلك اللقب.

وكما استعمل النبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك في تكريم أصحابه وتعزيزهم، فقد اتخذه سلاحًا يكيدُ به عدوّه، لاسيّما زمن الكفاح السلميّ بمكّة؛ فكنّى عمرو بن هشام -الشهير بأبي الحكم- ‘أبا جهل‘! ثمّ لما أسلم ولده عكرمة نهى عن تكنيته بذلك إكرامًا للولد المسلم وصيانةً لمشاعره. كما لقّب أسماء بنت أبي بكر (ت 73هـ) "ذات النطاقين" مكافأة لجهود إسنادها له ولوالدها في الهجرة من مكة إلى المدينة.

بقي ملحظٌ مهمٌّ في الفلسفة النبويّة في اختيار الأسماء، إذ جعل النبيُّ عليه الصلاة والسلام أمر الاسم من شأن الإنسان، فلم يتعسّف –وحاشاه أن يفعل- في فرض اسمٍ على أحد، بل ترك "حَزْنًا" وما اختاره من تسمية أبيه له؛ فالاسم من خصوصيات الرجل، وهو حقُّه وحقُّ أبيه كما شرح حَزْنٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يجعله عاصيًا ولا منافقًا بفعله ذلك، بل احترم رغبته وإرادته، وهو يعلمُ أن الامتثال لمقترح النبيّ صلى الله عليه وسلم خيرٌ له.

غرابة ظاهرية
ثمة أسماء عربية غريبة في ظاهرها لكنها جميلة في باطنها؛ ومن أشهرها: كلب وكُليب وكلاب، وقد سبق أن الجاحظ ذكر تسميتهم بالكلب لمعانٍ جميلة فيه، ووافقه في ذلك أبو البقاء الدميري (ت 808هـ) -في كتابه ‘حياة الحيوان الكبرى‘- حين قال: "والكلب حيوان شديد الرياضة كثير الوفاء، وهو لا سبع ولا بهيمة، حتى كأنه من الخَلْق المركَّب؛ لأنه لو تم له طباع السبعية ما ألف الناس، ولو تم له طباع البهيمية ما أكل لحم الحيوان".

لكنني رأيتُ لاسم كلب تفسيرًا آخر؛ إذ ذكر ابن سِيدَهْ الأندلسي (ت 458هـ) -في كتابه ‘المحكم والمحيط الأعظم‘- أن الكلب: "كلُّ سَبُعٍ عَقُور" (العَقُور: المفترس)، ثم قال: "وقد غَلَبَ [هذا الاسم] على الكلبِ النّابحِ". ولعلّ أوّل من سَمّى كلبًا من العرب قصد السّبُع، ثم تداوله الناسُ وتواطؤوا عليه، قال الجاحظ في ‘الحيوان‘: "فإذا صار حمارٌ أو ثورٌ أو كلبٌ اسمَ رجلٍ معظَّم، تتابعت عليه العربُ... ثم يكثر ذلك في ولده خاصّة بعدَه".

أما كلاب فهو جمعُ كلب، وكانت العربُ تسمي بأسماء الوحوش فردًا وجمعًا، سموه بذلك طلبًا للكثرة كما سمَّوا بلفظ سباع وأنمار؛ كما نقل عنهم الدميري. غير أنّه ذكر احتمالًا آخر في تفسيره، وهو أن يكون "منقولًا من المصدر الذي هو في معنى المكالبة (= تهارش الكلاب)، نحو كالبتُ العدوَّ مكالبةً وكِلابًا"، فيكون اسم كلاب بمعنى اسم حرب، لا أنه جمعُ كلب.

ومثله اسمُ جَحْش، فإنّ العرب كانت تُطلق "الجحش" على المُهر وعلى ولد الظبية؛ كما في ‘لسان العرب‘ لابن منظور. وكانت تُسمي القتال جَحْشًا وجِحاشًا، وهو كما قال الأزهري في ‘تهذيب اللغة‘: "مُدَافَعَة الإنسانِ الشيءَ عن نفسه وعن غيره". ولذلك قالوا: الجحشُ: الجفاء والغلظ، والجحشُ: الجهاد للعدو، وهذا موافقٌ لمذهب العرب في التسمية بالأسماء القاسية المرهِبة للأعداء.

كُنى العرب
الكُنية تكادُ تكون خصيصةً للعرب لا يعرفُها غيرهم، ولهم فيها مذاهبُ تستحقُّ التأمل. وقد كانوا يتيمّنون بها -كما يفعلون بالأسماء- ويتناقلونها ويتوارثونها؛ قال الجاحظ: "وعلى ذلك سمّت الرعية بنيها وبناتها بأسماء رجال الملوك ونسائهم، وعلى ذلك صار كلّ ‘عليّ‘ يكنى بأبي الحسن، وكل ‘عمر‘ يكنى بأبي حفص، وأشباه ذلك". ونقل الذهبي –في ‘تاريخ الإسلام‘- أن "أهل الشام يسمّون أولادهم بأسماء خلفاء الله"، ويقصدون بذلك الخلفاء الأمويين.

والعرب وإن كان اشتهر عنهم التكنّي بأكبر الأبناء الذكور، فإنهم نُقلت عنهم مذاهبُ أخرى في ذلك لا تخلو من الطرافة. فقد عرفوا الكُنية بالبنت مع وجود الأبناء الذكور وغيابهم، وممن عُرف بذلك الصحابيُّ الجليل تميم بن أوسٍ الداريّ (ت 40هـ)، قال ابن الأثير (ت 630هـ) في كتابه ‘أسد الغابة في معرفة الصحابة‘: "يكنى أبا رقية بابنته رقية، لم يولد له غيرها".

وقبله في الجاهلية كان ملك الحيرة عمرو بن هند اللخمي، نسبوه إلى أمّه ‘هند‘ وكنَّوْه بها: فقال فيه عمرو بن كلثوم في معلّقته: أبا هندٍ فلا تعجل علينا *** وأنظرنا نخبّرك اليقينا!
ولعلّ منه كُنية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فهو ‘أبو حفص‘ وحفص ترخيمٌ (تدليل) لحفصة، وقد تكنى بها وعنده ابنه عبد الله وهو من هو في العلم والقدْر والإمامة.

وقد يتكنى الإنسان بابن أخيه أو أخته، كما قيل في أم المؤمنين عائشة أنها تكنت ‘أم عبد الله‘ بابن أختها عبد الله بن الزبير (ت 73هـ). أو قد يتكنى بما يفعله من أعمال الخير وخدمة المجتمع، كما في لقب "أم المساكين" الذي أطلِق على أم المؤمنين زينب بنت خزيمة الهلالية (ت 4هـ) "لكثرة إطعامها المساكين"؛ كما يقول الحافظ جمال الدين المزي في ‘تهذيب الكمال في أسماء الرجال‘. بل إن ابن سعد يخبرنا -في كتابه ‘الطبقات‘- بأنها نالت ذلك اللقب قبل الإسلام؛ فقال إنها "كانت تُسمى بذلك في الجاهلية"!

وقد يتكنّى أحدهم بحيوانه الأليف كما كنى النبيّ صلى الله عليه وسلّم صاحبه ‘أبا هريرة‘ بهِرّته التي كان يضعها في كُمّه. بل ويتكنَّون بالجماد مزاحًا وملاطفةً ومداعبةً كما كنى النبيّ صلى الله عليه وسلم عليًّا ‘أبا تُراب‘.

المصدر: 
الجزيرة نت
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.