توأم الإيمان الموؤود

الخميس, March 10, 2011
كاتب المقالة: 

الإيمان والعمل الصالح هما الحالة المثالية للإنسان، هما معاً يمثلان النموذج المثالي الذي وضعه الله جل جلاله كمثال لمن هم خير البريّة - خير البشر على الإطلاق 

من الصعب اجتياز الآية التي تقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً* خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً*)) سورة الكهف، آية 107-108، صفحة304  دون الوقوف عندها والتمعّن فيها. فهي تشير بكل وضوح إلى طريق للفردوس.. تشير وتدل إلى الفردوس بشكل واضح لا التباس فيه وبدون أيّة غموض.. فالأمر بسيط جداً وواضح جداً، ولا يحتاج إلى تأويل.. فالطريق إلى جنّة الفردوس - التي نطلبها في كل دعاء، وفي كل ليلة وفي كل رمضان - أمامنا وبين أيدينا.. لا نحتاج إلا للقراءة وللاستبصار..

وعندما نتذكر أنّ الفردوس لا تعني فقط أعلى درجة بالجنّة، بقدر ما تعني قمّة نعيم الله عزّ وجل لأنها أقرب منطقة إليه سبحانه وتعالى، فقربها منه تعالى هي نعمة فريدة بحد ذاتها. هذا النعيم - الذي نطمح أن نصله بدعائنا المستمر وإلحاحنا فيه - لا يأتي بسحبٍ لليانصيب، باختيار عشوائي لفئة من الذين واظبوا على الإلحاح في دعائهم طلباً للفردوس، عندما نقتنع أنّ أداء المعنى الحرفي لحديث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: (( إذا سألتم الله الجنّة، فسألوه الفردوس.. البخاري 2790 )) يمكن أن يثمر هكذا ببساطة!.

فهناك شرطان للوصول إلى الفردوس كما نرى من خلال الآية، هما: الإيمان، والقيام بالأعمال الصالحة..

أي ببساطة وبمعنى أوضح، وصولنا إلى الفردوس مرتبط بمقدار تطبيقنا للإيمان وللعمل الصالح.. وتطبيقنا لهما مرتبط بشكل حاسم بكيفية فهمنا وتعريفنا لكلّ منهما، فأيّ التباس وتشويش في معنى أي منهما سيؤدي إلى طريق آخر، طريق يبعد شيئاً فشيئاً عن طريق الفردوس، كلما زاد التشويش ونقص الفهم والوضوح..


للآسف الشديد، فهمنا الحالي لكل منهما لم يثمر أو يساعد بتغيير حقيقي للواقع نحو الأفضل، بصناعة فردوس دنيوي لاستحقاق الفردوس الأخروي.. لقد ثَبُتَ عجز المفاهيم.. أخذت حصتها من الوقت وأكثر، ولا فائدة الآن من الصبر عليها والانتظار أكثر..

فإيماننا وعملنا الصالح اليوم – كمفهوم وكتطبيق - لو كانا صحيحين كما فرضهما القرآن لكان يجب أن يكون الواقع مختلفاً كثيراً، مختلفاً بقدر اختلاف واقعنا عن الواقع الذي صنعه الرسول وأصحابه.. فلا يمكن أن يكون المفهوم واحداً في كلا الجيلين ويختلف الواقع كل هذا الاختلاف.. فنحن لا نتكلم هنا عن اختلاف بسيط وطفيف ترافق مع اختلاف في التطبيق.. بل نتكلم عن اختلاف يقترب لأن يكون التضاد، عن اختلاف لا ينشئ قط من اختلاف في التطبيق تحت هيمنة المعاني نفسها في كلا الجيلين.. فالأمر أعمق من هذا.


الأمر ببساطة ابتدأ من اجتهادٍ خاطئ.. من اجتهادٍ لم يصحّح أو يدقّق.. فأخذ منّا الوقت، كل الوقت، وأكثر..


فالعبادات في كونها الركن الأساسي للدين أين يجب أن تُصنّف؟ هل تحت الإيمان أم تحت العمل الصالح؟


المشكلة بالضبط حدثت عندما تمّ الالتفاف في الإجابة عن هذا السؤال، فقول الأغلبية الساحقة هو أنّ الإيمان ما أمنه القلب وصدّقه الجوارح (أي أداء العمل، العبادات)، وعندما يتحدثون عن العمل الصالح فإن العبادات تكون المحور الأساسي لها أيضاً.. هذه الضبابية في التعريف أفسح المجال لتشويش في المعاني وهذا التشويش في المعاني أدّى لتشويش في الأداء، مما أدى إلى الابتعاد عن الطريق الذي فرضه القرآن لنا لكي نصل إلى الفردوس..


هناك احتمالين - لا ثالث لهما - لتصنيف العبادات: إمّا أن تكون تحت العمل الصالح. ومع هذا التفسير تظهر لدينا مشكلة، في أنّ هناك - نتيجة هذا التقسيم - إيمان نظري فقط، ولو كمرحلة أولى.. إيمان لا يرتبط أو يسقط على أرض الواقع إطلاقاً.. كيف!؟  لأنّ لدينا الإيمان والعمل الصالح كطريق للفردوس (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ))، وإذا اعتبرنا أنّ العبادات (الفرائض) من ضمن العمل الصالح، فإنّ الإيمان سيكون عندها هو إيمان نظري، قلبي فقط. لا شيء إطلاقاً ممكن أن يُـثبت هذا الإيمان سوا نطق الشهادة.. فبالتالي عندما يخاطبنا الله تعالى في القرآن من خلال كلمة "الذين آمنوا"، فهو جل جلاله من خلال هذا المفهوم سيخاطب جميع من يملك ذلك الإيمان النظري بغض النظر تماماً على الجانب العملي أو العقائدي للدين.. فمثلاً، بسم الله الرحمن الرحيم: (( إنّا لنَنصُرُ رُسُلَنَا والّذينَ أَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهّادُ )) غافر، آية51، صفحة473  أي، هذا التفسير سيقودنا إلى المعنى أنّ الله تعالى سينصر كل من يؤمن إيمان نظري فقط، حتى ولو لم يركع أو يسجد سجدة واحدة، لأنّ هذه الركعة أو السجدة هي من ضمن العمل الصالح وليس من ضمن الإيمان، والله تعالى كان قادر أن يقول مثلاً (إنا لننصر رسلنا والذين أمنوا وعملوا الصالحات..) لو أراد أن يشمل العبادة.. فالآية تعني أنّ الله تعالى سينصر
أيضاً هيفا ومثيلاتها.. لا إشكال إطلاقاً ما دام الإيمان النظري موجود!، ما دام القلب مطمئن وراكن إلى الله ومؤمن بوجوده!..

إذن، هناك إشكال في هذا التفسير والتصنيف..


يبقى التصنيف الثاني في أن تكون العبادات تحت الإيمان، أي أنّها لا تتعلق أبداً بالعمل الصالح.. وهذا حقيقةً ما يقرّه القرآن:

بسم الله الرحمن الرحيم: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرَاً أَن يَكُوْنَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً )) الأحزاب، آية36، صفحة423   الإيمان حسب المفهوم القرآني هو الإيمان الذي يترافق مع تطبيق واقعي وملموس، إيمان يُترجم على أرض الواقع، إيمان لا يتشكل إلا بوجود أثره كعمل، إيمان لا يخضع للهوى البشري في حرية اختيار ما يشاء ويستطيع من الأوامر الإلهية.. إيمان في حال لم يُترجم بأفعال حقيقية، بالتزام حقيقي ودائم، فإنه سيتحول إلى ضلال مبين..
والفرائض والنواهي أولاً وأخيراً هي أوامر الله تعالى، وما دامت الآية صرّحت على تنفيذ أمراً صادراً من الرسول فهذا يعني أن الفرائض هنا أمراً مفروغاً منه، أمراً غير قابلاً للنقاش..

إذن، الإيمان لا يصبح ولا يسمى إيماناً إلا إذا طبق على أرض الواقع، إلا إذا تُرجم على شكل عبادات، على شكل أداء الفرائض والامتناع عن النواهي، على شكل تنفيذ الأوامر الإلهية والرّسوليّة..


دلائل إضافية، بسم الله الرحمن الرحيم: (( فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَأَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )) التوبة، آية5، صفحة187   الآية تؤكد أنّه لا يوجد إطلاقاً إيمان نظري، إيمان قلبي، إيمان لا إحداثيات له.. فلا اعتراف بإيمان لا تطبيق فيه..

(( لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمُ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذُنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيِوْمِ الأَخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ )) التوبة، آية44-45، صفحة194   إن كان الكلام في هذه الآية عن عدم تردد الإنسان المؤمن في أمر الجهاد بالمال أو النفس - التي تعتمد كلياً على الظروف: الظروف المالية المتوفرة للمؤمن وظروف الحرب والسلم للدولة المعنية - فإنّ الفرائض التي تسبق هذه المرحلة الافتراضية المتقدّمة (كـ: الصلاة، الزكاة، عدم الزنا، عدم شرب الخمر، الصيام،..) هي من باب أولى قد تمّ الالتزام بها.. هي ليست تحت النقاش ولا على طاولة الحوار مادمت قد ادّعيت أنّك مؤمن.. مادمت قد انتقلت من دائرة "أنا مسلم" إلى دائرة "أنا مؤمن"..

فالفرق بين أن تكون مسلم وبين أن تكون مؤمن سيحدده درجة التزامك بأداء الفرائض. لا شيء غيره!.. بسم الله الرحمن الرحيم: (( قَالَتِ الأَعْرَابُ أَمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئَاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ أَمَنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )) الحجرات، آية14-15، صفحة517  
عندما نطلب من أحد الذي ادّعى الإيمان بأن يكف عن هذا الادعاء ويطيع (وإن تطيعوا) فهذا يعني أنّه لا يطيع بالشكل الملتزم، بالشكل الصحيح.. وإذا أردنا أن نضرب مثالاً توضيحياً نموذجياً لهذا الذي ادّعى الإيمان ونقول له أنّ القدوة والنموذج الحقيقي والصادق هو الذي أمن بالله ورسوله (إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا)، فهذا يعني أنّ هذا النموذج القدوة مؤدٍ للأوامر والنواهي بشكل ملتزم ومطيع وإلا لما كنّا ذكرناه كمثال نموذجي للذي لا يطيع.. وعندما نقول بعد كل ذلك أن هذا الشخص النموذجي مطيع حتى في أمر الخروج إلى الجهاد (احتمالية إنهاء حياته) فإنّ الأمور التي تسبق هذه المرحلة المتقدّمة قد تمّ الانتهاء منها، قد تمّ الالتزام بها..
لذلك، الإنسان المسلم هو الإنسان الذي ولد مسلماً (أو الذي اعتنق الإسلام) وممارس للأوامر والنواهي الإلهية بشكل متقطع، بشكل متذبذب، بشكل ما زال يتقلب حسب الهوى والميول.. ويصبح مؤمناً عندما يلتزم بأداء الأوامر وينتهِ عن النواهي بشكل كامل أو شبه كامل، عندما يصل إلى المرحلة التي لا يخاف بها من أن تنتهي حياته من عظم وكبر الطمأنينة التي زرعها التزامه الدائم بالأوامر والنواهي!..

ولأنّ أمر الإيمان ليس بهذه السهولة والبساطة الذي أصبح عليه اليوم، فإنّ المولى سبحانه وتعالى قد أوصى المؤمنون أنفسهم بأن يسعوا أن لا يموتوا إلا وهم مسلمون!  بسم الله الرحمن الرحيم: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُواْ اِتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ )) آل عمران، آية102، صفحة63    كيف يوصي الله تعالى المؤمن به بأن لا يموت إلا وهو مسلم به!؟
سورة "آل عمران" بالتحديد تصف وتقدّم لنا الجواب.. فالسورة من بدايتها إلى هذه الآية تعرض لنا كيف أنّ قومي موسى وعيسى عليهما السلام خرجا بعد فترة عن التعاليم التي أُنزلت على نبيّهما، قد خرجا بالكامل عن الدين عبر سيرهما في المخارج التي تخرجهما عن الدين، بسم الله الرحمن الرحيم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيبَاً مِّنَ الكِتَابِ يَدعُونَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحكُمَ بَيْنَهُم ثُمّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ * ذَلِكَ بِأَنّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيّامَاً مَعْدُودَاتٍ وَغَرّهُمْ فِي دِينِهِمْ مّا كَانُوا يَفتَرُونَ)آل عمران، آية23/24 (هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُم لا تَعْلَمُونَ)آية66 (يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)آية70/71 (إِنَّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِم ثَمَنَاً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)آية77 (كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمَاً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمْ البَيِّانَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ)آية86 (كُّلُ الطّعَامِ كَانَ حِلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزّلَ التّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)آية93  
بعد هذه الآيات تأتي آية وتخاطبنا، وتقولها صراحةً أنّ هناك احتمال بأن تتشابه نهايتنا مع نهاية قومي موسى وعيسى عليهما السلام: (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هَدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الّذِينَ أَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)آية102/103..   
لذلك قد وصّى الله تعالى المؤمن به من قوم محمد عليه الصلاة والسلام أن يحذر من الدخول والسيّر في مخارج التي تخرجه عن الدين. أن يتعلّم الدرس، وأن يسعى - على الأقل – أن لا يموت إلا وهو مسلم إن لم يستطع أن يكون مؤمن.. لأنّه يبقى – كخيار - أفضل بكثير الكثير من الخروج من الدنيا خالي الوفاض وصفر اليدين.. فالسير – المتعمّد أو اللامتعمّد - في مخارج الدين يعني قطعاً الخروج عن الملّة تماماً مهما كان مستوى وقوّة الإيمان لدى الشخص..
فمثلاً، من إحدى المخارج التي تخرج المرء عن الدين هي: (( لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيءٍ إِلا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلىَ اللهِ المَصِيرُ )) آل عمران، آية28، صفحة53  (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُواْ لا تَتَّخِذُواْ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ )) المائدة، آية51، صفحة117   الآية لم تتكلم وتخاطب الناس عموماً، ولم تخاطب أيضاً المسلمين، بل خاطبت بالتحديد المؤمنين - وهم الأخص.. لذلك، أي مؤمن، مهما كانت قوّة إيمانه ومستوى التزامه، عندما يسير في المخرج فإنّه سيخرج.. نقطة انتهى.
لذلك، الآية أن نسعى جاهدين أن لا نموت إلا ونحن على الأقل ضمن زمرة المسلمين لم تكن آية ثانوية لا دخل لنا بها، بل ربما تخاطبنا – نحن - أكثر من أي جيل مضى.. فزمرة المسلمين - التي هي بالنهاية لم تنزلق في مطبّات وفخخ المخارج على الرغم من التزامها المتذبذب للأوامر والنواهي - عكست وعرّفت من هو الإنسان المسلم.. فلم يعد ذلك الشخص الغير ملتزم فقط بل هو الشخص الذي مع التزامه المتذبذب نجح في عدم الانزلاق والسير في إحدى مخارج الدين، نجح في إبقاء سلوكه ضمن حدود المنظومة الإسلامية.. (هناك مخارج إضافية مذكورة في القرآن)

 

لكن، لنعد الآن إلى الفكرة الأساسية، إلى الخطأ الذي حدث..

الخطأ الذي حصل، والذي أقرّ بأنّ العبادات هي أيضاً من ضمن العمل الصالح، أفسح المجال لخطأ كبير ومفصلي جداً: أثّر هذا كله على المعنى القرآني للعمل الصالح. فعندما نعتقد بأنّ الفرائض هي من ضمن العمل الصالح، ويقول لنا القرآن أنّ الإيمان لا يتشكل ولا يسمى إيماناً بدون ممارسة ملتزمة للفرائض والامتناع عن بالنواهي، فإن العمل الصالح الذي سيطلبه القرآن لاحقاً سيملك معنى مختلف عن أداء الفرائض، معنى قد وُئِدَ  للآسف..

فعندما صنّفنا أداء الفرائض - الذي هو الركن الأساسي للدين - تحت العمل الصالح، أدى إلى أن يكون أداء الفرائض هو الركن الأساسي والجوهري للعمل الصالح.. وبهذا نكون قد اقتربنا جداً من الفردوس ما دمنا مؤمنين قلبياً ونسعى للمواظبة في أداء العمل الصالح (أداء الفرائض)، وبالتالي لا نجد أدنى مشكلة عندما نسأل الله جل جلاله بأن يعطينا الفردوس.. بدون الإحساس بأنّ ثمّة هناك خطأ ومشكلة: بأن نشارك – نحن، بواقعنا الحالي – الرسول وأصحابه، بواقعهم الذي صنعوه..
الفردوس ليست حديقة سبيل، أو مكان يجتمع فيه العوام.. بل الفردوس مكان مخصّص لطبقة النخبة، لطبقة الصفوة من المجتمع، لفئة من أمثال الرسول وأصحابه.. فالفردوس مخصّص لخير البريّة، لخير من طلع عليه الشمس، بالطبع ليس المقصود الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وحده.. بسم الله الرحمن الرحيم: (( إنّ الّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيّةِ )) البينة، آية7، صفحة598   كل من يؤمن ويعمل الصالحات سيكون من خير البرية، بمن فيهم أنت! إن أردت!

الإيمان والعمل الصالح هما الحالة المثالية للإنسان، هما معاً يمثلان النموذج المثالي الذي وضعه الله جل جلاله كمثال لمن هم خير البريّة - خير البشر على الإطلاق.. لذلك في حال نجاحك في الوصول إلى "أنا مؤمن" وفق الرؤية القرآنية، وفق الشروط القرآنية، ستكون عندها قد اجتزت وقطعت نصف المسافة إلى الفردوس، نصف المسافة لتكون من خير البريّة، ويبقى لأدائك العمل الصالح النصف الآخر..


معنى العمل الصالح الذي قصده القرآن والذي بالفعل يضيف الكثير إلى من هو مؤمن (ملتزم بالأوامر والنواهي الإلهية والرّسوليّة) هو ما ينقصه بالفعل هذا الشخص ليكتمل ويصبح خليفة الله تعالى في الأرض..
العمل الصالح باختصار هو ذلك العمل الذي يجب أن يساهم في نقل المكان - الذي حدث فيه - إلى شكله الأمثل، سيجعله أقرب للصورة الافتراضية المثالية الذي خُلقنا نحن من أجل إحداثها: فما دام الله جلّ جلاله متقن ومثالي في خلقه ووضعنا خلفاء له في جزء وحيّز من ملكوته فهذا يعني أننا مطالبون ببذل كل ما نستطيع لتسيير هذا الجزء بشكل مثالي ومتقن، خاصةً أنّه سبحانه وتعالى أمدّنا بأدوات مناسبة للوصول إلى ذلك.. بسم الله الرحمن الرحيم: (( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنّيِ جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ )) البقرة، آية30، صفحة6     من أجل أن تحقق ما علمه الله واختزنه فيك، من أجل أن تبرهن أنّ هناك صنف آخر، صنفٌ يحمل كل المقوّمات ليكون خليفة - ليتحمّل المسؤولية، صنفٌ سيكون عليه المجابهة دوماً ضد صنف المفسدين في الأرض.. ولهذا نجد في المعجم اللغوي أن كلمة المصلح هو التضاد الكامل - بكل ما تحمل كلمة التضاد من معنى - مع كلمة المفسد، والصالح ضد الفاسد، وهكذا.. العمل الصالح بالتعريف هو النقيض لكل عمل فاسد، لكل عمل يفسد الأرض، يخربها، يجعلها أسوأ..

وبالتالي أن تعمل الصالحات، أن تعمل ما يجعل الأرض أفضل، أن تساهم بصناعة فردوس دنيوي لتستحق الفردوس الأخروي.. أن تعطي الجهد والاهتمام في الإصلاح على الأقل مثلما يعطي المفسد في إفساده للأرض، أن تستمر في إصلاحك كي تتغلب وتنتصر عليه..
أن تجعل كل من في الأرض (بما فيها الأرض) تحمد الله على هذا الخليفة، على ذلك العلم الذي تحدّث به جلّ جلاله أمام ملائكته..
أن تكون واحداً منهم، من خير البريّة، من "الذين آمنوا وعملوا الصالحات".
 أن تسعى لبناء الفردوس هنا لكي تستحق الفردوس هناك..



مع سيرك أكثر وأكثر في العمل الصالح، في مرحلة البناء والإصلاح المتواصل، بناء الفردوس (الدنيوي).. ستصبح أقرب وأقرب من إكمال النصف الثاني.. من إكمال طريقك إلى الفردوس.

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.