وسام العالم الجزائري في عامه العاشر: قُبلةٌ على جبين الجزائر (الكلمة التي أعدت ولم تلق)

الاثنين, December 25, 2017
كاتب المقالة: 

الحمد لله المنعم الستار،الحمد لله القائل:"لئن شكرتم لأزيدنكم"...

ربِّ أنعمت فزد...ربِّ أنعمت فزد...رب أنعمتَ فزد...

سادتي الأحبة، سيداتي الفضليات؛ سلام الله عليكم ورحمته تعالى وبركاته..

من وحي الذكريات، عن معلمي الأستاذ عبد الله كنطابلي رحمه الله، الفيلسوفِ المفكر؛ أخط هذه الكلمات، هدية للحضور الكريم، وللمحتفى بهم من علماء وعالمات، ومعلمين ومعلمات:

بصوته الأجش الرخيم، كان معلمي يتغنى؛ وعيناه الوضاءتان، من وراء نظارته الزجاجية الخشينة، تُـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــطلان،

-       رأسُه يرقُص لقصيده.... رقصةَ العابد العاشق الولهان،

-       يُنشد، وهو ضاحك مبتسم، كمثل ابتسامة نبي الله سليمان،

-       يُنشد، وهو يقول لنا، نحن التلاميذُ على قلة عددنا، وضعف مداركنا:

هذا أجمل شعر وأحلاه، وهو للقاضي الجرجاني الفحل، فاحفظوه يحفظكم، وتمثلوه يسمُ بكم؛

-       يومها حفظتُ بعضًا من أبياته، ونسيت أغلبه،

فهلا عذرتني معلمي؟

كان معملي الأديب يُنشد مترنما:

يَقُولُونَ لِي فِيكَ انْقِبَاضٌ وَإِنَّمَـــــــــــا رَأَوْا رَجُلاً عَنْ مَوْقِفِ الذُّلِّ أَحْجَما

أَرَى النَّاسَ مَنْ دَانَاهُمُ هَانَ عِنْدَهُـــــــــمْ وَمَنْ أَكْرَمَتْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ أُكْــــــــِمَا

وَلَمْ أَقْضِ حَقَّ الْعِلْمِ إِنْ كَانَ كُلَّمـا بَدَا طَمَــــــعٌ صَيَّرتُه لي سُلَّمــــا

وما زلتُ مُنحازاً بعرضيَ جـــــانباً من الـــــــــــــــــــــــــــــــذلِّ أعتدُّ الصيانةَ مَغنما

إِذَا قِيلَ هَذَا مَنْهَلٌ قُلْتُ قَـــــــــــــــدــْ أَرَى وَلَــــــــــــــــــــــــــكِنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تَحتَمِلُ الظَّمَا

أُنَزِّهُهَا عَنْ بَعْضِ مَا لَا يَشِينُهَـــــــــا مَخَـــــــــــــــــافَةَ أَقْوَالِ الْعِدَا فِيمَ أَوْ لِــــــــمَ

وَأُكْـــــــرِمُ نَفْسِي أَنْ أُضَاحِكَ عَابِسًـــا وَأَنْ أَتَلَــــــــقَّى بِالْمَــــــــدِيحِ مُذَمَّـــــــــمــَا

وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ الْعِلْمِ مُهْجَتِي لِأَخْــــــــــدُمَ مَنْ لَاقَيْتُ، لَكِنْ لِأُخْدَمَـــا

أَأَشْقَى بِهِ غَرْسًا وَأَجْنِيهِ ذِلَّــــــــــةً إِذَنْ فَاتِّبَاعُ الْجَهْلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَـــــــــا

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُــــــــمْ وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَــــــــــا

وَلَكِنْ أَهَانُوهُ فَهَانُوا وَدَنَّسُــــــــــــــــــــــــوا مُحَيَّاهُ بِالْأَطْمَاعِ حَــــــــــــتَّى تَجَهَّمَــا

 

ولكن، ما لي وللشعر وما أنا بشاعر؛ ما لي وأمامي رجلٌ شهم، وعالم صان العلم عمرًا فصانه العلم دهرًا...

أمامي، وأمامكم – أعزتي – من يعدل ألفا من الرجال؛ هو أمةٌ وحدُه، وهو نسيج وحدِه؛

حاز مقام الجمع فجمع، ونال قصب السبق فسبق؛

أمامكم سادتي، من أعاد مالك بن نبي إلى بلده بعد أن غادرها مُكرها، على مشارف الحرب العالمية الثانية...

استمعوا إلى مفكر الجزائر  وهو يقول:

هكذا دخل العالم في الحرب العالمية الثانية، وشعَرتُ أنه لم يبق لي بتبسة ناقةٌ ولا جملٌ، فقررت العودة إلى فرنسا مع زوجي، وفي يوم 22 سبتمبر 1939، تسلقت سلَّم الباخرة بميناء عنابة مع زوجي، والهرة لويزة، وسلحفاةٍ أهدتها لنا أم أحمد عند الوداع...

وعندما بدأت الأرضُ الجزائرية تغيب في الأفق، وجدت نفسي أقول، وأنا متكئ على حافة الباخرة:

"يا أرضا عقوقا! .. تُطعمين الأجنبيَّ وتتركين أبناءك للجوع، إنني لن أعود إليك إن لم تصبحي حرّة!.."

نعم سادتي، تكتحل عيونكم اليوم، وفي هذا المحفل البهيج بجزائر حرَّة أبيةٍ، وتهفو قلوبكم لرؤية رجل، رافق مالك بن نبي في عودته الثانية إلى الجزائر؛ وهو الذي قال يوما لزوجته وبناته قبيل وفاته عام 1973:

إني مغادر، سأعود بعد ثلاثين سنة...

مات الرجل، وجاء الأديب الأريب من أرض البركات دمشق الفيحاء، جاء من بلد الطيبات سورية العصماء... جاء الرجل على قدَر، حاملا معه بُشرى طباعةِ جميع ما ألَّف مالك بن نبي، وهو يدقُّ الأبواب بابًا بابًا... ويقول لا خفر الله له ذمة:

"إنَّ غربة مالك بن نبي قد آذنت بالأفول، فأفكاره التي استعصت على الفهم لدى أجيال النكبة والانتكاس الحضاريِّ قد أخذت طريقها الآن إلى جيل الشباب الذي استهدفه...

إلى هذا الجيل الذي بدأ يتشكل، تهدي دار الفكر الأعمال الكاملة لمالك بن نبي..."

ومن خلالها نهدي للعالمين فكرَ رجلٍ عرف الحق فلزمه، وعرف الباطل فهجره؛ ثم قال الحق وعزف مع القائل: "يا قوم، لا أسالكم عليه مالا، ان اجري إلا على الله".

أستاذي محمد عدنان سالم،

إن الجزائر قد أحبتك، وإنَّ ترابها قد حن إليك،

وإنَّ قلوب أهلها قد هبت للقياك...

وهي اليوم تخصك بالتكريم، وترسم قبلة حبٍّ لك على الجبين؛ والحال أنك انت الذي كرمتها...

فهلا - أستاذي - تقبلت منا الهدية عربون وفاء، وعنوان احتفاء...؟

 

***********

إليك معلمي... إليكِ معلمتي...

 

إليك معلمي، إليكِ معلمتي أسوق الحديث... وكلي خجل وحياء أن أقف بين أيديكم، لأقول:

أنتم الذين صنعتم مجد هذا البلد، البارحة واليوم وغدًا...

فلا أحد منَّا عرف القاع والباع، ولا أحد هجر سقط المتاع؛ ولا هجَّى الحروف والكلمات، ولا سبك الجُمل والعبارات، ولا صنع المدارس والمؤسَّسات، ولا أقام صرح البلاد وأعلى الرايات...

إلاَّ على يديكَ سيدي، وبين يديكِ سيدتي،  

أحبكَ معلمي، أحبكِ معلمتي...

أحبكم وقد خف وزن الحب في بورصة الناس، وصار الحب أبخس بضاعة، والدولار واليورو أغلى من كل بضاعة؛ فانقلبت الموازين في منطقنا، وأدار الناس للحق ظهر المجن في حينا؛

وها اليوم بفضلكم أعيد للمبنى مبناه،

وللمعنى معناه...

وأعلنها صريحة: أحبكَ سيدي، أحبكِ سيدتي...

******

هل تذكرين معلمتي يوم حزتُ أعلى المراتب، ثم بعدها أخفقتُ في الامتحان؛ فعلمتِني أنَّ الأيام دول، يوم لك ويوم عليك... ؟

وهل تذكر معلمي حين ضربتُ صديقًا، فعاقبتني برفقٍ، وعلمتني أن في الظلم خرابا للبلاد وهلاكا للعباد...؟

هلا ذكرتِ معلمتي تلك الزهرة التي رسمتُها يومًا، ثم أهديتك لك، فترقرق الدمع من وجنتيك؛ وعلمتني أنَّ الحبَّ يقتحم أسوار القلوب بلا تأشيرة...؟

وهلا ذكرتَ معلمي يوم حملتَ إلي كتابَ "عظة الناشئين"، فقلتَ: طالعه تكن فحلا؛ وعلمتني يومها أنَّ الصبر على العلم شامة على الجبين....

على لسانك سدي ومعلِّمي،

وبلسانك سيدتي ومعلمتي... أنشد – تماما مثل أستاذي قبل ثلاثين عامًا – جذلان نشوان:

 

وَلَمْ أَبْتَذِلْ فِي خِدْمَةِ الْعِلْمِ مُهْجَتِي لِأَخْــــــــــــــــــــــــــدُمَ مَنْ لَاقَيْتُ، لَكِنْ لِأُخْدَمَـــــا

أَأَشْقَى بِهِ غَرْسًا وَأَجْنِيهِ ذِلَّــــــةً إِذَنْ فَاتِّبَاعُ الْجَهْلِ قَدْ كَانَ أَحْزَمَـــــا

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوهُ صَانَهُــــــــمْ وَلَوْ عَظَّمُوهُ فِي النُّفُوسِ لَعُظِّمَـــــــا

 
المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.