هل يفرض كوفيد-19 منظومة تربوية عالمية؟ ( الجزء الثاني )

الخميس, September 24, 2020
كاتب المقالة: 

يمكن القول باختصار، إن المحاولات الأولى لتجاوز القصور الحاصل في أطروحة إعادة الإنتاج، انطلقت من خلال ابتكار طرق وأساليب تحقق قدرا من تكافؤ الفرص والحظوظ، أهمها لجوء العديد من المؤسسات التربوية الوازنة ذات الاستقطاب العالمي إلى توفير المادة البيداغوجية بكل مكوناتها عبر وسائل الاتصال (الدراسة بالمراسلة)، إلا أن الإقبال عليها في البداية كان ضعيفا، ثم ما لبث أن بدأ يعرف اهتماما متزايدا بفعل الانتشار الواسع للشبكة العنكبوتية، وظهور وسائل التواصل الاجتماعية، وبرامج المحادثات والبريد الإلكتروني، إلا أنه ومع تفشي جائحة كوفيد -19، وما استتبع ذلك من حجر صحي لمنع تفشي المرض وانتقال العدوى، تم اللجوء إلى التعليم عن بُعد كبديل استثنائي للدروس الحضورية. هذا النمط الجديد انتفى معه الحديث عن مسألة الانتماء الاجتماعي للتلميذ، وعن مسألة تكافؤ الفرص والحظوظ بين أبناء طبقات المجتمع، وعن مسألة الانتقاء والقدرة اللسانية للطلبة، كمحددات رئيسة في مسألة التفاضل في النجاح المدرسي؛ بمعنى أن التعليم عن بعد تجاوز آليا جميع الانتقادات التي رفعتها أطروحة بيير بورديو وجان كلود باسرون للمدرسة، وبالتالي فـ "إعادة الإنتاج" لم تعد صامدة أمام مسألة التعليم عن بُعد، وبالتالي يمكن القول إن هذا النمط من التعليم يضرب الأسس التي قامت عليها هذه الأطروحة.

2- كوفيد-19 يبعث الأمل في "مجتمع بلا مدارس"
من بين النقود التي وجهت للمدرسة إلى جانب أطروحة إعادة الإنتاج، نجد أطروحة أخرى دعا من خلالها أصحابها إلى موت المدرسة، وأن تصبح مجتمعاتنا بلا مدارس، وقد برز بوضوح في هذا الاتجاه، المفكر إيفان إليش[10] وأتباعه من المدرسة اللاسلطوية الأناركية.
باستقراء التاريخ القريب، نجد أن الإرهاصات الأولى التي مهدت لولادة أطروحة مجتمع بلا مدارس، ترجع إلى ما كتبه ويليم جودوين في رسالته التي نشرها سنة 1795، حيث تحدث صراحة عن مسألة اللاسلطوية في ميدان التعليم، ثم "التعليم الإلزامي الفاشل" الذي نشره بول غودمان سنة 1964، فـ "موت المدرسة" الذي ألفه إيفريت رايمر ونشره سنة 1965، ليأتي إيفان إليتش بـ "مجتمع بلا مدارس" سنة 1970.

تؤسس كل هذه الاجتهادات لفلسفة تربوية واجتماعية وسياسية، انطلاقا من مدرسة لا سلطوية؛ بمعنى الرفض المطلق لأية سلطة خارجية على المتعلم، بل ورفض مؤسسة المدرسة في كليتها، والدعوة إلى موتها، انطلاقا من رفض المرتكزات والأسس والتوجهات الإيديولوجية التي تقوم عليها المدرسة الحديثة. ومن بين أهم هذه المرتكزات، هناك التعليم الإلزامي الذي يرى فيه منظرو تيار اللاسلطوية التعليمية -وخصوصا إليتش- اعتداء على حرية الأفراد، من خلال جبر المتعلم على البقاء في مكانه مدة طويلة، وتسلط المعلم عليه، بغض النظر عن وعي أو عدم وعي المتمدرس بمعنى وشكل الحرية، فلكي يشعر هذا الأخير بالابتهاج والفرح والسعادة يجب أن يحس بأن له أهمية داخل النسق الاجتماعي، وأن مسألة إلزامية التعليم تشعره بأنه نكرة ولا رأي له، كما أنه يصبح خاضعا وخائفا من تقلبات أمزجة ونفسية المعلم، وأن التعليم الذي يتم داخل أسوار المدرسة حسب ما ذهب إليه إليتش يبرمج عقول المتعلمين على قبول "إشكالية التمدرس"؛ بمعنى يوقعهم في الخلط بين المدرسة والتعلم، بين الخدمة والقيمة؛ أي استساغة الخدمة المدرسية وتجاهل قيمتها، فينتفي حسب إليتش الهدف الأسمى من المدرسة، ومن أجل تجاوز ذلك، يقترح تحصيل المعرفة والعلم خارج أسوار المدرسة.
فكيف يتم التعليم خارج مؤسسة المدرسة حسب هذه الأطروحة؟ وما هي البدائل والحلول التي تقترحها؟
يستدل منظرو هذا الاتجاه بمجموعة من الشواهد، منها:
أولا: عندما ظهرت الحاجة إلى تعليم اللغة الإسبانية في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية لعدد من المدرسين والعمال، قام المفكر موريس جيري سنة 1956 بتكوين وتأهيل فرق عديدة ممن يتقنون هذه اللغة، حيث تكون لغتهم الأم، وفي أقل من ستة أشهر نجحت مهمة تعليم عمال المشروعات ومدرسي اللغة الإسبانية.
ثانيا: تجربة باولو فريري[11] الذي كان ينجح في تعليم الفلاحين وأهالي القرى القراءة خلال ثلاثين ساعة فقط، وسره في ذلك أنه كان يجمع الكلمات والموضوعات أثناء النقاشات التي تدور بين القرويين، فكان يوظفها في مناهج تعليم الناس القراءة، مبتعدا في ذلك عن موضوعات ومفاهيم معدة مسبقا، وأساليب جاهزة لا تمت إلى واقعهم الاجتماعي بصلة، ولا تشغل بالهم واهتمامهم. بمعنى آخر، أنه كان يرفض التعليم البنكي الذي يقوم على نقل المعلومات ومقررات الكتب المدرسية إلى أدمغة المتعلمين، ويرفض التلقي السلبي واسترجاع المعلومات المودعة لدى المتعلم.
وهناك حجة دامغة أخرى يمكن أن ترفع من منسوب الدعوة إلى التخلص من المؤسسة التعليمية، هي أن أغلب خريجي المدارس وأصحاب الشواهد لا يجدون عملا في مجتمعاتهم
ويعلن إليتش في مؤلفه "مجتمع بلا مدارس" صراحة أن الطالب أو التلميذ يجلس في مقعد بالمدرسة لعدة سنوات لتعلم لغة معينة، لا يقوى حتى على تكوين جملة مفيدة، بل لا يستطيع قراءة بعض الكلمات وتمييز حروفها. ولتجاوز القصور ذاك، يقترح المفكر بدائل أخرى عن المدرسة منها: التعليم الشبكي، التعليم المنزلي، التربية في الطبيعة، ومعسكرات الكشافة...
لذلك، فهو يدعو إلى التخلص من المدرسة، ويتحجج بأنها تعلم نوعا من الخلط بين كيفية الحصول على المعرفة وبين المادة التعليمية، فلا يعرف المتعلم كيف يميز بين التعلم الذي هو فن العيش، والتعليم الذي يعني تحصيل معرفة محددة بهدف الانتقال من مستوى إلى مستوى آخر، ويضيف أن الثقة العمياء في مؤسسات الدولة: المدارس، الإدارات والمؤسسات عموما، تجعل المتعلم يغير قيمه وتمثلاته عنها ونظرته إليها، حيث لا يمكنه الاستغناء عنها البتة، أو يمكنه تصور دولة بدون مدرسة، وهذا يفضي بالاستتباع إلى أن المدرسة تبني فواعل اجتماعية تسعى إلى المطالبة بمواد استهلاكية ومنتوجات من مؤسسات ومدارس، هي بنيات وتشكيلات مؤسساتية ترزح أصلا تحت قبضة الطبقة التكنوقراطية داخل المجتمع، والتي بإمكانها تغيرها وتشكلها متى شاءت ذلك، وفق مصالحا وتوجهاتها.
وهناك حجة دامغة أخرى يمكن أن ترفع من منسوب الدعوة إلى التخلص من المؤسسة التعليمية، هي أن أغلب خريجي المدارس وأصحاب الشواهد لا يجدون عملا في مجتمعاتهم، وحتى إن تحصلوا على فرصة عمل، فإنهم يتوجب عليهم الخضوع لدورات تكوينية تؤهلهم لممارسة هذه الوظيفة، وهو ما يفسر فشل المدرسة في تكوين وتخريج الموظف الجاهز، بمعنى أن المدرسة تعلم المتعلم ما لا ينفعه ولا يفيده. وهذا برهان بين على أنها تسعى إلى تحقيق مصالح الطبقية المهيمنة إيديولوجيا واقتصاديا وسياسيا داخل المجتمع.
يبدو أن المجتمع اليوم، يأمل في تكوين متعلم يعتمد على ذاته، تكون له الحرية في التفكير والاختيار، الإنسان المتعلم المؤمن بأن المعرفة ليست محصورة فقط بين جدران المؤسسات. الواقع أن المدرسة لا تزرع في المتعلم ذلك الوعي الذي يمكن المراهنة عليه، والذي من أجله وجدت المؤسسة التربوية في مفهومها العام. يمكن القول إن المقولة الشائعة "الحياة مدرسة"، تلتقي مع استنتاجات إيفان إليتش في أن جميع ما يتعلمه ويكتسبه الإنسان في حياته، يكون عن طريق المغامرة أو القلق بالمفهوم الوجودي، وهذا يؤكد لنا مع إيليتش أن المدرسة ليس بالضرورة المكان الوحيد للتعلم، وهو الأمر الذي لا ينفي أيضا التعلم عن طريق التعليم داخل المؤسسة، لكن بشروط ومعايير ومواصفات خاصة.
الواقع أن المدرسة لا تزرع في المتعلم ذلك الوعي الذي يمكن المراهنة عليه، والذي من أجله وجدت المؤسسة التربوية في مفهومها العام
نقول هنا إن ما ذهب إليه إليتش ومن سار في فلكه من اللاسلطويين التربويين، يلتقي في جانب مهم مع مبادئ وأهداف التعليم عن بُعد، التي تتلخص في دمقرطة المدرسة والمسألة التربوية وتعميم الاستفادة من التعليم، واعتماد التحفيز الذاتي للتعلم من خلال توظيف أساليب المكافأة والشجيع، والتحرر من قيود الزمان والمكان، وتوفير فرص تعليمية لمن لا تسمح له ظروف الحياة بالانتظام بمؤسسات التعليم التقليدي، أو يجد صعوبة في التأقلم مع الدروس الحضورية، ثم توفير مصادر تعليمية متعددة ومتنوعة وطنية وأجنبية تلغي الفروقات الفردية والمجالية والاجتماعية بين المتعلمين. بتعبير آخر، إن هذا النمط من التعليم يقوم بالضرورة على مسألة التعليم المنزلي والتعليم الشبكي، وهي أساليب تربوية دعت إليها المدرسة اللاسلطوية الأناركية إبان ظهورها في ستينيات القرن الماضي.
3- تداعيات جائحة كوفيد-19 على مدرسة اليوم
يظهر جليا أن النمط الحالي للمدارس -قبل كوفيد-19- يقوم على المحافظة على قيم الاستهلاك، التي تخدم النظام الرأسمالي؛ بمعنى أن المتعلم الذي يحصل على شواهد عالية يتبوأ مكانة راقية داخل المجتمع، فتتشكل بذلك الامتيازات الهرمية التي تؤسس لقيم مجتمع الاستهلاك والمحافظة على الشرائح المستهلكة؛ أي تعمل على صناعة أشخاص على أنماط وقوالب متشابهة ذات تجربة إنسانية موحدة في مكان واحد (المدرسة)، ولها تصور واحد، وتجربة واحدة، ومدمنة لقيم الاستهلاك العالمية، وليس بمقدورها نقده أو نقد الوظيفة المنوطة به داخل نسق العمل الاجتماعي، ودواليب عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج، أو حتى المطالبة بتغييره. إننا نتحدث هنا عن تحول الدور الوظيفي للمدرسة، لتصبح مشروعا ربحيا قائما على مبدأ تسليع القيمة، وكما تشير سحر سهيل المهايني العظم في كتابها "حمى الاستهلاك: رؤية نقدية في حوار مع الآخر"[12]، وحسب المسلمة الاقتصادية التي تقول: إن كل عملية تسليع لبضاعة ما، تحمل في ثناياها نمطا استهلاكيا، وهذا يحتم بالضرورة أن تكون مخرجات العملية التعليمية عبارة عن مخرجات بائسة ولا قيمة لها، ويستتبع ذلك حصر أهداف المدرسة اليوم في إبعاد التلاميذ والطلاب عن الشارع، ومنح المتفوقين منهم شهادات فقط لانتظامهم والتزامهم بقانون المدرسة، وهو ما يعرف بالمنهاج الخفي المضمر الذي يرافق المتعلم إلى نهاية تخرجه، والذي يؤهله بشكل آلي لتحصيل وظيفة أو شغل دور اجتماعي في المجتمع على غرار التوزيع الاجتماعي الذي يقدمه دوركهايم في "في تقسيم العمل الاجتماعي".
فالمدرسة على جانب آخر، لا تخدم القيمة المنتظرة منها "التعليم والتحصيل"، وإزاء ذلك فإن المحاولات الجادة الداعية إلى تحصيل العلم والمعرفة خارج إطار المدرسة، أو المنظومة التربوية الرسمية لا تحظى بالقبول من لدن مختلف طبقات المجتمع، فرغم الصورة التي تبدو عليها المدرسة الحالية، وبالرغم من النظر إليها كأداة لتعليم وبناء الأجيال القادمة، إلا أنها تخفي في ثناياها ميكانيزمات مضمرة قادرة على صناعة براديغم يتمثل الاختلاس والتدليس بصورة ذكية، بل ويمنح المتعلم الشجاعة على تبرير الاختلاس والتدليس بناء على الشهادات الممنوحة له على أساس انتظامه وتفوقه فيما يقدم له من مواد ومناهج.
اتجاه عالمي يسعى إلى بناء منظومة تربوية كونية مرقمنة، وهو الأمر الذي باتت تفرضه الحاجة إلى الاستمرارية البيداغوجية
الملاحظ على الشبكة العنكبوتية، تزايد أعداد المواقع الجامعية الرسمية التي تمنح شهادات معترف بها، أو معادلة لتلك التي يتم الحصول عليها من المؤسسات الرسمية، من خلال إعلانها وترويجها لجودة المادة التربوية المعروضة، وسهولة الولوج إلى خدماتها، وإلى مكتباتها الرقمية الضخمة، هذا إلى جانب ما توفره الشبكة العنكبوتية من مرونة ويسر وسرعة في البحث، وغزارة في الموارد العلمية والمعرفية، والزخم الهائل من المحاضرات والندوات واللقاءات والتسجيلات الصوتية المرقمنة، والانتشار السريع لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب التطور الكبير في وسائل الاتصال والبرامج والتطبيقات الرقمية، كلها عوامل تنبئ بتوجه جيد في نمط للتربية والتكوين يتأسس على مفهوم "التعليم عن بُعد أو المرقمن".
في ظل هذه الوضعية، ومع اقتناع أصحاب القرار بضرورة تطوير وتحديث منظوماتهم التربوية القطرية على أساس مفهوم التعليم عن بُعد، يوازيها بشكل مضمر أو ظاهر اتجاها عالميا يسعى إلى بناء منظومة تربوية كونية مرقمنة، وهو الأمر الذي باتت تفرضه الحاجة إلى الاستمرارية البيداغوجية، وأن مسار التحول الذي حدث فجأة على المنظومات التربوية بمعظم الدول، انتقال لم يكن مهيأ له، وبدت معه المنظومات التربوية التقليدية قاصرة على مواكبة رياح هذا التحول السريع، وأمام ضعفها هذا، تكسرت جميع القيود المفروضة على أنماط التعليم في البلدان الشمولية أو المتخلفة، التي تعمل منظومتها التعليمية وفق خطط ومناهج وسياسات تخدم رجال السلطة المركزية، وتركز نشاطها على إنتاج وإعادة إنتاج "المواطن الصالح" الذي ترضاه وعلى الشاكلة التي تريدها، وفق أنماط وقوالب جاهزة مسبقا؛ أي إن المدرسة تحولت وظيفتها من مؤسسة تربوية تعليمية إلى أداة مطواعة، قادرة على سلب الفرد آليات دفاعه التي بها يحيا حياة حرة وكريمة، لتجعل منه ذلك الكائن المسلوب الإرادة، الخاضع، الخانع، السلبي، القابل لكل ما يعرض عليه في عجز تام.
خاتمة:
نستخلص مما سبق، أن أطروحة إعادة الإنتاج -في ظل أزمة كوفيد-19 ومسألة التعليم عن بعد- أصبحت متجاوزة، بل وانتفى الحديث عنها، أو حتى عن بعض أركانها وأسسها التي قامت عليها، لسببين اثنين:
أولا، نتيجة دمقرطة القضية التربوية من خلال توالي الإصلاحات الهيكلية التي عرفتها أغلب المنظومات التعليمية، سواء في الدول المتقدمة أو الثالثية.
ثانيا، التحول الكبير في الأساليب والمناهج التعليمية والبيداغوجية بفعل الثورة التكنولوجية الحديثة في وسائل الاتصال والتواصل.
كما نستخلص أيضا، أن الانتقادات التي وجهها المفكرون اللامدرسيون وخصوصا إيفان إليتش للنظم التعليمية التقليدية تتضمن في ثناياها معاول هدم لبنيان المدرسة الحديثة، ويتمظهر فشل هذه الأطروحة الأخيرة، في:
أولا، عدم قدرة أصحابها على طرح بديل صلب ومتين قبل الشروع في عملية الهدم تلك، ويكفي في هذا المقام أن نستحضر النقد اللاذع الذي وجهه بيتر مارشال في كتابه "المطالبة بالمستحيل: تاريخ اللاسلطوية" حول عجز اللامدرسيين عن اقتراح نموذج بديل، حيث يقول: "إن عدم قدرة منظري التيار على تجسيد أفكارهم على الأرض هو ما يدفعهم للإغراق في اللغة النقدية والجذرية والرومانسية كذلك، فأفكارهم كالفاكهة اللذيذة يستطيبها الفم، لكن لا قدرة له على هضمها".
ثانيا، البدائل التي يقترحونها (التعليم الشبكي، التعليم المنزلي، التربية في الطبيعة، ومعسكرات الكشافة...)؛ فهي بدائل مهلهلة، ولا تحظى بالقبول من المجتمعات، كما تنطوي على صعوبات في كيفية تنزيلها على أرض الواقع.
وإذا أخذنا في الاعتبار التطور السريع والمذهل لوسائل الاتصال والتواصل، خصوصا على مستوى الشبكة العنكبوتية، ومع بداية ظهور تكنولوجيا الجيل الخامس، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وآليات الضبط والرقابة الرقمية الشديدة على هذه الوسائل، فإن وضع وتدبير وتسيير منظومة التعليم الحضوري من قبل الحكومات والدول لم يعد من أولويات سياساتها العمومية، حيث تملصت من مسؤولياتها وقلصت من تدخلاتها وأدوارها في الحقل التربوي، وهو الأمر الذي يصدقه تخفيض الميزانيات المرصودة لوزارات التعليم، خصوص في الدول العالم ثالثية، وتشجيع التعليم الخصوصي والمرقمن، فتزايد بذلك عدد المواقع الجامعية، والمؤسسات والمعاهد ومراكز التكوين والتدريب الخاصة المعترف بشواهدها عالميا.
ومع نجاح بعض تجارب التعليم عن بُعد في ظل انعكاسات جائحة كوفيد-19، ومع احتمال ظهور أمراض وفيروسات معدية وسريعة الانتشار مستقبلا، وصعوبة إيجاد لقاح عاجل لها، إلى جانب عولمة المعرفة والمعلومة، وسهولة الوصول إليها نتيجة التقدم التكنولوجي السريع. يمكننا القول إن الإنسانية في مخاض عسير، وأن هناك ملامح لميلاد منظومة تربوية كونية رقمية معولمة تنصهر فيها المنظومات التعليمية القطرية التقليدية، بل وهناك اتجاه عالمي بدأ في التشكل لخلق براديغم تربوي بخصائص وسمات عالمية، ولا يعترف بحدود القيم والثقافات والهويات المحلية المميزة للشعوب والأمم.

رابط المقال

المصدر: 
موقع مؤمنون بلا حدود
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.