معرض بيروت للكتاب يزداد محلية ... والتواقيع حولته «بازاراً»

الاثنين, December 12, 2016
كاتب المقالة: 

بلغ معرض بيروت للكتاب عامه الستين. لكنّ التقدم في العمر لم يعن يوماً أن المعرض العريق بات عجوزاً. المعارض لا تشيخ مثل البشر، بل هي عرضة للتجدد والتطور فتواكب عصر النشر الحديث وما يحمل معه من تحولات أو ثورات. يصر معرض بيروت على كونه أعرق المعارض العربية، وهذا حق من حقوقه، فهو اجتاز مساراً طويلاً لم تستطع الحرب الأهلية على اختلاف مراحلها أن تنال منه أو من موقعه. وخلال الحرب كان المعرض يمثل أحد رموز لبنان الثقافية، الوطنية والعلمانية، الجامعة أو الموحّدة، مع أنه كان يقام في صلب المنطقة الغربية التي كانت تفصلها خطوط تماس عن بيروت الشرقية. وأذكر كيف كنا نعبر الحواجز لنزور المعرض أيام كان يقام في الصالة الزجاجية في شارع الحمراء لـ «نتموّن» بما أمكننا حمله من كتب جديدة أو قديمة.

ظل معرض الكتاب يحافظ على ذاكرته هذه، وبها راح يواجه رياح الحداثة التي كانت بدأت تعصف في عالم النشر والعرض والتسويق والتي استجابت لها معظم معارض الكتب العربية ما عدا المعارض الفقيرة والصغيرة. وعلى رغم علمه أن العراقة أو القدامة لم تعد من الصفات المفترضة أو القائمة راهناً بعدما أنجزت معارض عربية رئيسة خطوات تحديثية كبيرة، يصر النادي الثقافي العربي منظّم المعرض مع اتحاد الناشرين اللبنانيين، على هذه الخصلة الحميدة ويتمسك بها حيال النقد الذي يوجه إليه، ومن مآخذه على سبيل المثل: تراجع المعرض تقنياً ومعلوماتياً، عدم مواكبته الثورة الحديثة في عالم المعارض، انغلاقه على الثقافة التكنولوجية المعاصرة وعلى المفاهيم الجديدة في ميدان النشر العالمي، عطفاً على عدم مبالاته بما أصبح عنصراً رئيساً في المعارض وهو سوق الترجمة وعقود التبادل مع دور النشر العالمية. ناهيك عما يوجه من نقد إلى البرنامج الثقافي الذي يرافق المعرض طوال أيامه ولياليه، وهو برنامج غير متوازن في خياراته والقضايا التي يعالجها وفي العناوين التي يطرحها. وقد حوّل النادي جزءاً كبيراً من برنامجه إلى ما يشبه «البازار» الذي تقيمه دور النشر لترويج كتبها وأحياناً الكتّاب أنفسهم أو الإعلاميون. ويقصر النادي مسؤوليته على الندوات التي ينظمها هو وغالباً ما تكون قليلة أمام الندوات الأخرى التي تكمن وراءها دوماً غايات تخدم الناشرين وسواهم.

غير أن ما يميز معرض بيروت عن سائر المعارض العربية هو طابعه الأهلي أو المحلي. فعاماً تلو آخر تزداد محلية هذا المعرض وتشتد نزعته الأهلية وتترسخ صفة «العيد» التي يحلو للكثيرين إطلاقها عليه: عيد الكتاب، عيد الكلمة، عيد القراءة... ولعل أكثر ما يؤكد هذه الصفة هو حجم حفلات التوقيع وعدد الجمهور الذي يقصد المعرض فقط تلبية لدعوات التوقيع التي توجه إليه. وهذه السنة تخطت حفلات التوقيع المئة والخمسين، وهذا رقم لا تبلغه معارض الكتب العربية عادة ومنها معرض القاهرة وهو الأضخم. بدا واضحاً أن جمهور حفلات التوقيع هو جمهور خاص داخل المعرض، يؤم الأجنحة ظرفياً أو يعبرها عبوراً ولا يشتري سوى الكتب التي دعي إلى توقيعها. وفي أحيان يقع ازدحام شديد أمام بعض الأجنحة، لا سيما إذا كان صاحب الكتاب سياسياً أو وجهياً أو رئيس بلدية... أو شخصاً يملك عائلة كبيرة أو يتحدر من قرية أو ينتمي إلى حزب أو جماعة. وحدهما نزار قباني ومحمود درويش كانا يجذبان جمهوراً غفيراً في السابق، أيام كان المعرض صغيراً وفي حجم الصالة الزجاجية في شارع الحمرا، من دون دعوات أو «وساطات» عائلية أو حزبية. أما الآن فوحدها الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي قادرة على جذب جمهور من الفتيان والفتيات والسيدات في معرض بيروت، لكنها اختفت أخيراً ولم تصدر عملاً وصرحت مرة أن الظروف العربية الراهنة ليست مؤاتية للكتابة الروائية. وقد تكون صاحبة «ذاكرة الجسد» تشهد حالاً من النضوب، وهذا أمر ليس بمستهجن. إلا أن حفلات التوقيع ترخي جواً دافئاً على المعرض، خصوصاً عندما تتزامن الحفلات بعضها مع بعض: نسوة ورجال وشباب وحتى أطفال... وصواني حلويات ومشروبات وعصائر وباقات زهور. حفلات التوقيع هذه باتت واجهة معرض الكتاب، واجهته المضيئة، وهي حيلة أو لأقل طريقة متاحة لبيع الكتب يعتمدها الناشرون أو المؤلفون أنفسهم. إذا وقّع الكاتب مئة نسخة في الأقل، فهو يكون قد وفر كلفة طباعته، وإذا تخطى الثلاثمئة أو الأربعمئة أو... فهو يُدخل ربحاً صافياً إلى جيب الناشر أو إلى جيبه. التوقيع حل مثالي فعلاً للناشرين والكتّاب لا سيما الأقل مبيعاً منهم كالشعراء والنقاد واللغويين وسواهم. وبعضهم أو الكثير منهم يطبعون على نفقتهم الخاصة أو يدفعون للناشر كلفة الطباعة فيتحول هو هنا إلى «مطبعجي». وما أكثر الدور التي باتت تعتمد هذه «الخطة» التجارية مع الكتّاب الجدد أو غير الموهوبين والمجهولين، فتقذف الكتب بالمئات غير مبالية بجمهورها وبذائقته ولا بالرسالة المؤتمنة عليها ما دامت تربح مادياً.

معرض بيروت العربي والدولي للكتاب كما يشير اللقب الذي اختير له، لم يكن يوماً عالمياً وهو بالكاد يحافظ على صفته العربية. فالأسماء العربية اللامعة التي كانت تؤمه باتت نادرة ونادرة جداً ولم يعد يتسع المعرض أيضاً لحضور ظواهر ثقافية وأدبية عربية لافت. هذه السنة مثلاً تولت دور النشر هي بنفسها دعوة بعض الكتاب العرب ومنهم الروائي الجزائري واسيني الأعرج (دار الآداب) الروائي العراقي برهان الشاوي (منشورات ضفاف والاختلاف)، الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي (دار الفرات)، الشاعر والباحث العراقي خزعل الماجدي (دار مؤمنون)... أما الشعراء والكتاب السوريون فهم يأتون تلقاء ومن دون دعوة، فالمعرض بات سورياً في وجه من وجوهه وأضحى الناشرون السوريون يمثلون النشر العربي إضافة إلى دور قليلة جداً من مصر والعراق... والجمهور السوري له حضوره أيضاً وإن كان بمعظمه جمهوراً زائراً وليس شارياً، نظراً إلى الظروف الصعبة التي يعيشها السوريون في لبنان بصفتهم مهجرين أو لاجئين، إضافة إلى ارتفاع أسعار الكتب الذي يعد عائقاً أمام شرائها حتى للبنانيين أنفسهم. إلا أن وفداً عراقياً من خمسين كاتباً وشاعراً زار هذه السنة المعرض في جولة على لبنان ولكن بدعم من جهات عراقية تولت تغطية النفقات، وهم لم يتركوا أثراً في المعرض.

أما عالمياً فلم يحاول النادي مرة دعوة كتاب عالميين معروفين على خلاف معرض الكتاب اللبناني الفرنسي الذي دأب منذ انطلاقه على استضافة كتاب من العالم الفرانكوفوني، علماً أن المراكز الثقافية الأجنبية في بيروت جاهزة للمشاركة في المعرض ولدعوة كتّاب معروفين وتغطية نفقاتهم. ومعروف أنها دعمت –وتدعم- معظم التظاهرات الفنية، التشكيلية والسينمائية والمسرحية التي عمت –وتعم- مواسم بيروت الثقافية. لكن النادي لا يبادر في هذا الصدد ولا يهمه أن يتحول المعرض منبراً للأدب العالمي، وهذا ما حققه مثلاً معرض القاهرة والشارقة وأبو ظبي والرياض... فهذه المعارض وسواها استضافت أسماء كبيرة من العالم وعقدت لها ندوات ولقاءات مع الكتاب والجمهور. حتى الأدباء اللبنانيون العالميون، اللامعون في سماء اللغة الفرنسية أو الإنكليزية أو الأميركية اللاتينية لم يسع النادي إلى استضافتهم والاحتفال بهم.

 لماذا لا يُدعى أمين معلوف إلى المعرض؟  لماذا لا تُدعى فينوس خوري غاتا؟ وصلاح ستيتية ودومنيك إده وأتيل عدنان التي أصدرت هذه السنة دار التنوير أعمالها الشعرية مترجمة إلى العربية؟

 لماذا لا يدعى الكاتب الأنغلوفوني ربيع علم الدين الذي فاز هذه السنة بجائزة مديسيس المرموقة؟ وسواهم وسواهم... رضوان نصار الكاتب البرازيلي اللبناني الأصل صدرت له هذه السنة ترجمة لروايته الأولى (كأس من الغضب) عن دار الجمل فلماذا لم يفكر النادي بدعوته للتعريف به هو الكاتب الكبير الذي ترك أثراً في الأدب البرازيلي الجديد؟

لم يعد كافياً مديح معرض بيروت في كونه أعرق المعارض وأقدمها. ولم يعد جائزاً القول إن المهم هو استمرار المعرض في بلد غارق في أقسى الظروف سياسياً واقتصادياً ومعيشياً. صحيح أن دور النشر اللبنانية هي من أهم الدور العربية اليوم وأن كتبها منتشرة بقوة في المعارض والمكتبات العربية وأن وجودها يمنح معرض بيروت ثقلاً وهالة، لكن النادي الثقافي العربي يواجه عاماً تلو آخر، تحدياً صعباً يجب أن يتخطاه: إما أن يطور المعرض ويحدّثه ويجعله فعلاً عربياً ودولياً وإما أن يفتح باب المبادرة أمام الخبراء الجدد مستعيناً بخبراتهم وتجاربهم الحديثة في عالم الكتب.

المصدر: 
جريدة الحياة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.