مبدعون لـ الشرق: الصالونات الأدبية.. نافذة فكرية لاستقطاب المواهب

الثلاثاء, May 4, 2021
كاتب المقالة: 

للصالونات الثقافية دور كبير في رفد الساحة الأدبية بمواهب شبابية واعدة، وخاصة إذا أتيحت هذه الفرصة لمثل هذه المواهب، للتعبير عما بداخلها من إبداع قد تتنوع ألوانه، فيكون لذلك ثماره الايجابية على أصحاب المواهب أنفسهم، فضلاً عن انعكاساته على المشهد الثقافي في الوقت ذاته.
من هنا، تناقش الشرق ظاهرة الصالونات الأدبية، ومدى أهميتها بالنسبة للموهوبين، والذي يمكن أن يؤديه لاستقطاب العقول الشبابية إلى أروقتها، حتى لا تقتصر مناقشاتها على النخب المثقفة وحدها، وذلك حتى تؤدي هذه الصالونات دورها الفاعل في رفد الساحة الأدبية بإبداعات شبابية واعدة، يمكنها أن تثري من خلالها الحراك الثقافي بمختلف مجالاته.

د. حسن رشيد: الصالونات تشكل دوراً تنويرياً
الناقد الدكتور حسن رشيد، أحد مؤسسي صالون الجسرة الثقافي وصاحب مبادرة مجلس الجسرة، يسترجع تاريخ الصالونات الأدبية. ويتوقف عند أول مجلس أدبي في التاريخ، وهو مجلس السيدة سكينة بنت الحسين، "كما شهد العصران الأموي والعباسي إقامة مثل هذه الصالونات، إذ كانت هناك مجالس أدبية في عهد هارون الرشيد، لتأتي أشهر هذه الصالونات في العصر الحديث، وهو صالون مي زيادة في القاهرة، والذي كان يرتاده رواد النهضة العربية آنذاك". منوهاً بأهمية دور صالون الجسرة الثقافي، "والذي كنت أحد مؤسسيه مع د. مراد عبدالرحمن ومحمد عصفور، واستضاف في بداياته رموز الفكر والثقافة والسياسة في الوطن العربي".
وينتقل إلى محطة أخرى، ترتبط بمجلس الجسرة، الذي أسسه رفقة الشاعر خالد العبيدان، نائب رئيس مجلس إدارة نادي الجسرة، "والذي ناقشنا فيه العديد من القضايا الثقافية والفنية، إلى أن تأثر نشاطه مؤقتاً، نتيجة تداعيات آثار كورونا، ولم نرغب في استكمال أنشطته افتراضياً، حرصاً على ما يثيره النقاش المباشر من تفاعل وحوار أكثر فاعلية بين الحضور". لافتاً إلى أهمية كل هذه الصالونات والمجالس في إشاعة الدور التنويري من فكر وثقافة.
ويستحضر د. حسن رشيد صالون الموسيقار الراحل عبدالعزيز ناصر، ورواده من أمثال علي خليفة الكواري، وإبراهيم الجيدة، وغيرهما من رموز الفكر والثقافة، والذين أثروا الحياة الثقافية نقاشاً وحواراً بناءً. ولم يغفل أيضاً مجلس الشاعر محمد علي المرزوقي، "وهو مجلس أدبي، يشهد حوارات ثقافية راقية، استطاع من خلالها أن يشكل هذا المجلس دوراً تنويرياً في المشهد الثقافي".

د. خالد البوعينين: إشراك الموهوبين ضرورة في اللقاءات الثقافية
يقول الكاتب د. خالد بن محمد البوعينين إن أهمية الصالونات الثقافية تكمن فيما تثيره من نقاش وحوار، بين روادها، الأمر الذي يكون من ثماره استقطاب أصحاب المواهب الشبابية لمثل هذه اللقاءات، ليروا كيف يدار الحوار، ويثار النقاش، حول مختلف القضايا الفكرية والثقافية، وهو ما سيكون له انعكاساته الإيجابية على المشهد الثقافي، برفد هذا المشهد بإنتاج أدبي واعد.
ويتابع: إنه في ظل تداعيات جائحة كورونا، فيمكن الالتفاف على الحضور المباشر في لقاءات الصالونات الثقافية، بإقامة صالونات ثقافية افتراضية، تستقطب إليها مبدعين مواطنين، فضلاً عن نظرائهم من الدول العربية، وهو ما سيكون له آثاره الطيبة، في تبادل الخبرات، والتوقف عند القضايا الثقافية المعاصرة، لمناقشتها بشكل ثقافي راق، علاوة على أنها ستكون فرصة ليحل أصحاب المواهب ضيوفاً فيها، ليتابعوا بأنفسهم كل ما يثار من نقاش في هذه الصالونات الافتراضية، خاصة وأن فكرة هذا التجمع الأدبي والثقافي، فكرة طيبة، تثير النقاش، وتولد الأفكار، وهو ما يثري المشهد الثقافي. داعياً إلى أهمية التخلي عن الصورة الذهنية التي قد تكون لدى البعض بأن حضور الصالونات الثقافية، لابد أن يكونوا من النخبة، "فلابد للموهوبين أن يكون لهم حضورهم، باعتبارهم الجيل الصاعد إلى الساحة الأدبية".

د. زينب المحمود: نافذة مهمة على آفاق الحوار وتبادل الأفكار
تقول الكاتبة الدكتورة زينب المحمود إن انتشار الصالونات الأدبية في دولة ما يعد دليلًا على تطور الحركة الأدبية وازدهارها، وهي مظهر من مظاهر إثراء الحركة الأدبية، وخصوصًا إن كانت تلك الصالونات مفتوحة على المجالات جميعًا، كون الأدب مرتبطًا بأدق التفاصيل في حياة الناس.

 
 

وعن أهمية الصالونات الأدبية في قطر، تحددها في تعزيزها لمظاهر المشهد الثقافي، "وهي تمثل نافذة هامة تطل على آفاق الحوار البناء وتبادل الأفكار في المجتمع، ومن خلالها يُحتفى بالرموز الثقافية والفكرية والاجتماعية في المجتمع، ويتم توثيق تجارب المبدعين والإفادة من مسيرة حياتهم ونشرها في المجتمع للاقتداء بها".
وتقول إنه من خلال الصالونات الأدبية يمكن تحقيق الحوار الهادف وتعزيزه بالمجتمع، وخصوصا في العقد الأخير الذي أصبحت تستحوذ فيه على مساحة واسعة من المواد الإعلامية والثقافية التي يهتم بها القارئ؛ بسبب ما تقدمه من ثراء وتنوع فكري، وساعد على ذلك اهتمام الصحافة بتلك الصالونات التي باتت شريكة في العمل الحكومي والمدني والمجتمعي بما تطرحه من رؤًى وأفكار".
وبناءً عليه - كما تضيف - فقد أصبحت الصالونات الأدبية محط أنظار أصحاب المواهب الذين يسعون من خلالها إلى إظهار مواهبهم وطرحها للجمهور، وساعد على ذلك أن الصالونات الأدبية مجالس تطوعية لا رسمية، وهذا يساعد على فتح الباب أمام شرائح أوسع من دون أي عوائق، لافتة إلى تشجيع المؤسسة الرسمية القطرية لهذه الصالونات، وترى فيها زاوية مهمة للعمل الثقافي وإثراء المجتمع.
وتشدد د. زينب المحمود على أهمية تشجيع الصالونات الأدبية، والدعوة إلى مساهمة كوادر المجتمع في إثرائها، وكذلك دعوة المبدعين وأصحاب المواهب لتقديم أنفسهم وتجاربهم ومواهبهم، وإعطائها مساحة واسعة إعلاميًا وصحفيًا، وعدم قصرها على النخبة.

د. عمر العجلي: مجالس ثقافية تشكل الرأي الجمعي
د. عمر العجلي، أستاذ محاضر في كلية المجتمع، يتوقف عند كلمة "الصالون". ويقول: إنها "كلمة معربة، كونها ظاهرة حضارية ثقافية تشير إلى التوافق الذهني في مسار تكوين الرأي الجمعي للأفراد والأمم". ويلفت إلى ملمح تاريخي يتعلق بما كان في العصر الجاهلي، حيث سوق عكاظ، ودوره في تداول الشعر والأدب والخطابة وثمرات الحكمة عند بلغاء العرب، وعلى منواله كان "مربد" البصرة في العصر الأموي.
وينوه بمجالس الخلفاء والأمراء منهم عبد الملك بن مروان والمنصور والرشيد والمأمون، ثم مجلس سيف الدولة الحمداني الذي كان أحد نجومه المتنبي وأبو فراس الحمداني، "ولم تتخلف الأندلس عن هذا النشاط، فكان مجلس "ولادة" بنت المستكفي الذي ضم النخب من أهل الأدب والشعر".
ويلفت إلى معرفة أوروبا بالصالونات الثقافية، وخصوصا إيطاليا في القرن السادس عشر الميلادي، "وكانت برعاية نساءٍ شغفن بالأدب والفن، وانتقل هذا التقليد إلى فرنسا فكان ظهور أول صالون أدبي سنة 1608م برعاية مدام كاترين، واستمر نصف قرن، وشكل تقليداً ثقافياً جديداً بظهور صالونات أخرى تركت وراءها إرثاً ثقافياً".
كما يتوقف عند بعض الصالونات الثقافية بمصر، ومنها صالون "مي زيادة" الذي استمر 20 عاماً، وكان من رواده العقّاد وشوقي والرافعي وغيرهم، ثم صالون العقّاد نفسه، وغيره ممن كان لها الأثر البيّن في الزخم الثقافي الذي ميّز النصف الأول من القرن الماضي وما بعده.
ويخلص د. العجلي إلى أن "الصالونات الثقافية بيئة صحية نافعة لتهذيب الأفكار وتعزير الآراء وتطويرها إذا أُحسنت إدارتُها ورعايتها لتنتظم وتتوسل بتقاليد راقية تدفع باتجاه أهداف المجتمع وطموحه نحو الاستقرار والرقي". مؤكداً أهميتها في استقطاب المواهب والمهارات الأدبية والفكرية، ودافع لظهور طبقة تمتهن المناظرة والحوار وآدابه، لبلورة رؤى شمولية للمحتوى الفكري والثقافي.

سمر الشيشكلي: الصالونات تتحدى السطحية وتستقطب عقول الشباب
تؤكد الكاتبة سمر الشيشكلي أن الصالونات الثقافية تعرف بأنها تلك اللقاءات التي يجلس فيها الضيوف من المثقفين والمبدعين يشاركون بخطابات فكرية بهيجة، "وهذا في عصر قريب مضى، ولكن دورها تعدى ذلك فيما بعد. لقد تمت كتابة الصالونات في كتب التاريخ بسبب قدرتها على الجمع والتأثير على المفكرين في كل زمان لها، وهي جناح مهم للعمل الثقافي والمثاقفة المجتمعية".
وتقول: إن "الصالونات أدت دورها في توثيق ثقافتنا وحفظت من تراثها الكثير، وجمعت بين رموز من الشعراء والمبدعين والمفكرين والمثقفين في كل مرحلة من مراحل التاريخ، وخاصة في العصور التي ازدهرت فيها الثقافة والأدب، فكان دورها تفاعلياً، وأنتجت علاقات توهج بها عمالقة الأدب والثقافة معاً، ما يجعلها من أهم المنابر والقنوات التي تسهم في ترسيخ مبدأ الحوار ونشر ثقافته".
وتصف الشيشكلي مثل هذه الصالونات بأنها "جبهة تتحدى التفاهة والسطحية والسذاجة، وتقاوم قيماً سلبية استهلاكية تتسلل عبر الفضائيات فتستقطب عقول الشباب، فإشاعة الأجواء الثقافية والفكرية عبر هذه الصالونات تؤدي إلى تمتين العلاقات وتحفيز الأذهان والمواهب. ونحن في حاجة ماسة إلى الكثير من هذه الصالونات، ولو بني الصالون في بيئة صحية فسيتحول إلى جهة منتجة للثقافة".
وتلفت إلى مهمة أخرى للصالونات الأدبية تكمن في الاحتفاء بقادة الفكر والرأي من الرواد، ومن المعاصرين، الذين يتركون بصمات واضحة في الحياة الثقافية، ما يجعل دورها إيجابياً في إثراء الحركة الثقافية ومواكبة وعي الفرد والمجتمع، فضلاَ عن تعزيز الأنشطة الثقافية ما يمنح الثقة للموهوبين ويُسمح لهم بأداء أفضل، علاوة على تطوير شخصية المنتسبين من الشباب ومساعدتهم في تشكيل وتطوير رؤية إبداعية مستقبلية، مما يساهم في تطوير مستوى الثقافة والأدب بعملية تفاعلية مفعمة بالحياة".

المصدر: 
جريدة الشرق القطرية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.