دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

ماذا نفعل حين نفقد كاتباً؟

الثلاثاء, July 13, 2021
كاتب المقالة: 

يزداد الجزائري فصاحة حين يتعلق الأمر برثاء، يتغلب على منافسيه في المرثيات، فالحزن من جيناته، يجد نفسه في راحة أكبر كلما حل وقت البكاء أو التباكي، يفضل الشجن على الفرح، الكآبة على البهجة، لا يشعر بنشوة سوى حين يغتم، ليس غريباً أن أشهر مطربي البلد، كان ولا يزال الشاب حسني (1968-1994) لأنه ببساطة فضّل ـ في غالبية الوقت ـ مديح البكاء وإيثار الرثاء، أهم أغانيه لم تخرج عن استعادة «لذة الألم» فالجزائري تستميله أغاني سوداء، أكثر مما تستميله أغاني فرح، ففي الأعراس والمناسبات العائلية، نشقى في العثور على أغانٍ محلية تحث على الرقص وتعميم المرح، ويجد الناس أنفسهم مضطرين للاستعانة بأغانٍ ومغنين مشرقيين، فالرصيد المحلي من الأغاني لم يجعل من الغبطة ثيمة أساسية له. من طبع الإنسان أن يحزن حين يموت شخص عزيز على قلبه، أو شخص أحبه حتى إن لم يعرفه شخصياً، لكن ماذا نفعل حين نفقد كاتباً؟ هل يجب أيضاً أن نبكيه؟ أن نمعن في الرثاء كما هي عادتنا؟

الكاتب ـ من باب المنطق ـ شخص عاش الحياة من المنظور الذي يراه الأنسب له، باحثاً عن حريته، قابضاً عليها، في مناورات دائماً تلافياً لكل ما يمكن أن يضيق عيشه، الكاتب يصنع الحياة التي يراها الأكثر ملائمة له، ليس مجبراً على الانجراف إلى خيارات الجماعة، بل محافظاً على فردانيته وشذوذ رؤاه، قناعة منه أن الحياة تجربة ذاتية، الكاتب يصنع وطنه ومنفاه في داخله، ليس في حاجة إلى أوطان أو منافٍ يرشده إليها الآخرون، الكاتب إذا لم يكن حراً، فلا يصح أن يسمي نفسه كاتباً، الكاتب في مغامرته على الأرض يجعل من كآبته سبباً في إنتاج بهجة النصوص، الكاتب يعرف كيف يمتص الحزن ويعمم الفرح، ليس بالضرورة فرحا يقاسمه فيه الناس، لكن مجرد الكتابة تعدو لحظات فرح في حياته، يعلم أن الحقيقة توجد في الإبداع، في ممارساته للإبداع والإخلاص له، يؤمن بما يراه لا بما يخيل له، وأنه ليس معنياً بمحاباة كآبة الآخرين كي يرضوا عنه، الكاتب في عزلته قد يكون أيضاً مصنع بهجة، يبهج نفسه أولاً، ويحيا كما يحلو له، فلماذا إذن نبكي فقدان كاتب؟ أليس الأصح أن نتعاطى مع رحيله بوصفه سبباً في استعادة حقنا في الفرح والأمل؟ الكاتب لا يحتاج جنازة ولا دموعاً، بل أن نواصل سيرته في مسرات العيش.

بمجرد أن ينتشر خبر وفاة كاتب، تسطع الجرائد ومعها مواقع التواصل في تداول سيرته، من ميلاده إلى أعماله، وصولاً إلى آخر أنفاسه، نظن أنفسنا أننا نحيط بسيرة كاتب، والحقيقة أننا لا نعرف سوى الشيء القليل عنه، ما يخفيه الكاتب عن نفسه وعن حياته يتجاوز بكثير ما يفصح عنه.

كلما توفي كاتب توجه الرثاء نحو مصب واحد: قدم فلان الكثير ولم ينل شيئاً! ماذا يريد كاتب أن ينال؟ منصباً في إدارة؟ هو ليس موظفاً. وساماً من مسؤول في الدولة؟ الكتابة مغامرة إنسانية ليست تحصر في بقعة أو بلد بعينه، بل من أجل الإنسان حيثما كان. نعرف كتابا حازوا مناصب أو أوسمة، ثم سرعان ما ندموا عليها، لأنها تضيق من حريتهم. سرى خطاب يتفق فيه المتباكون على أن الكاتب في الجزائر يعيش وضعاً أسوأ من وضع الكتاب في بلدان أخرى، إنه مغضوب عليه، مهمل، لم ينل مالاً ولا جاهاً، في الغالب من يرثون الكتاب بهذا النوع من الخطاب، إنما يرثون حالهم، هم من يبحثون عن مال أو جاهٍ أو منصب، بحجة فقط أنهم يمارسون الكتابة. هكذا كتاب يرافعون من أجل العدالة، لكنهم يقصدون عدالة انتقائية، أن يكونوا في مرتبة أعلى من مواطنيهم. أصحاب هذا النوع من الخطاب يتأففون كل مرة من تزايد عدد الكتاب في الجزائر، كما لو أنهم يودون البقاء وحدهم على منصة الأضواء، لا يجاريهم فيها شخص آخر، مع أن الجزائر بتعدادها الذي يفوق أربعين مليوناً لم تكن تنتج ـ قبيل الوباء ـ أكثر من بضع عشرات من الروايات كل عام، وهو رقم ضئيل جداً، في بلد يمكن أن يصدر 200 رواية ويزيد في العام الواحد، وسوف تجد من يقرأها، في حال توافرت سبل الترويج للكتاب وتسويقه.
بمجرد أن ينتشر خبر وفاة كاتب، تسطع الجرائد ومعها مواقع التواصل في تداول سيرته، من ميلاده إلى أعماله، وصولاً إلى آخر أنفاسه، نظن أنفسنا أننا نحيط بسيرة كاتب، والحقيقة أننا لا نعرف سوى الشيء القليل عنه، ما يخفيه الكاتب عن نفسه وعن حياته يتجاوز بكثير ما يفصح عنه، أتذكر حين وفاة محمد ديب (عام 2003) كاتب الجزائر الأول، ظلت الألسن والمنشورات تلوك سيرة الرجل، وما تعتقد أنها سيرته، تتناوب في تكرار كلام يعرفه الجميع عن الرجل، قبل أن أعرف ـ بمحض الصدفة ـ أن محمد ديب كانت له سيرة أخرى غير تلك التي نعرفها، سيرته في فنلندا، وحياته الزاهية هناك، فقد عاش كما أراد لنفسه أن يعيش، أليس من الأفضل أن نقتفي أثره في بهجة الحياة بدل مواصلة البكاء عليه؟ لقد مارس محمد ديب حقه في ملذات الدنيا دون كبت ودون إسراف، ومن لا يعرف سوى النزر القليل عنه هو من يؤثر الرثاء بدل الإعلاء من محاسن أن يعيش الإنسان كاتباً. أتذكر تلك المرأة التي حدثتني عن حياة كاتب ياسين (1929-1989) في سلوفينيا، لا تزال تحتفظ بكلماته وتوقيعه على كراستها، حياته هناك مع ما شابها من مغامرات إنسانية وعاطفية، لسنا نعرف عنها الكثير، ولم ترد في سيرة الرجل، لا نحتفظ سوى بكلمات حزن مملة عن رجل عاش طولاً وعرضاً، وتستحق ذكراه كل ألوان البهجة، لا الحزن.
كلما مات كاتب سارعنا إلى تبادل التهم، أن الحكومة لم تهتم به كما ينبغي، أن الناس لم يقرؤوا له كما يجب، أو الجهة الفلانية لم تحتف به لا ملتقى عنه ولا ندوة، وننسى أن الكتابة خيار وليس فعلاً إجبارياً، أن نمارسها بحب أو نهجرها، وممارستها بحب تغدق على صاحبها أصنافا من الفرح، إن كانت هناك وصية يتركها كاتب من بعده، هي أن نشيع البهجة من بعده، أن نواصل ما بدأه، لا أن ننحرف في النقاشات، فالكآبة يصنعها الأحياء، بينما الموتى في سعادة ينعمون.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

7 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.