دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

سلسلة (عالم ورأي)- مسؤولية اللغة العربية تعليمها ونشرها وتفوقها

الأحد, July 5, 2015
كاتب المقالة: 

 تهدف هذه السلسلة إلى استجلاء رأي عالم من علمائنا حول قضية من القضايا، أو عقبة من العقبات التي تواجه أبناء العربية، أو طرح رؤية لاستنهاض الهمم وتحفيز العزائم. فإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.
الحلقة السابعة:

الدكتور عودة خليل أبو عودة - عضو مجمع اللغة العربية الأردني، وعضو مجمع اللغة العربية المراسل عن الأردن، ورأيه في واجب المؤسسات الرسمية نحو اللغة العربيّة (اللغة الأم):

يظن كثير من الناس أن تعليم اللغة العربيّة والاهتمام بشؤونها يقتصر على المؤسسات التعليمية، مثل وزارة التربية والتعليم، ووزارة التعليم العالي، ومجامع اللغة العربيّة؛ في حين أن الأمر غير ذلك. إذ إن كل فرد وكل مؤسسة رسميّة أو خاصّة، وكل وزارة مختصة بالتعليم، أو مختصة بشأن آخر، وكل شركة، وكل مركز، وكل مجلس إداري، كل أولئك مسؤول مسؤولية مباشرة عن اللغة العربيّة وتفوقها ونشرها، لأن اللغة هي الأمة، ولأن اللغة هي هُوية الأمة، ولا تحيا أمة بغير هُويتها، كل فرد يحمل جنسيته من خلال لغته، وليست العربية لأي أحد من أبيه أو أمه، إنما هي من لسانه الذي ينطق به ويستمع إليه، وعليه فإن مسؤولية اللغة العربية مسؤولية جماعية، وعلى كل فرد، وعلى كل مؤسسة، أن تقوم بواجبها في حماية اللغة، والارتقاء بها ونشرها، وعليه فإن التوصية الكبرى التي تتوافق مع هذه الحملة الوطنية لخدمة اللغة العربية، هي:
- ألاَّ يوظف إنسان في أي دائرة حكومية أو خاصة، أو أي مؤسسة أو شركة إلا إذا اجتاز امتحاناً مقرراً عاماً يسمى امتحان الكفاءة اللغوية وأن يكون ذلك منظماً وفق الوظائف والمؤسسات المعنية.
وفيما يلي أهم الوزارات والمؤسسات التي عليها واجب كبير اتجاه اللغة العربية.
- وزارة الإعلام، وما يتصل بها من مؤسسات الإعلام الرسمي وغير الرسمي.
- وزارة الصناعة والتجارة، المسؤولة عن الإعلانات التجارية واللافتات والترقيم وتنظيم الأسماء والمسميّات التجارية، كالمطاعم والفنادق، والحدائق والشوارع وغيرها، وتحرص على تسمية المحلات التجارية بأسماء عربية، وكتابتها بالحروف العربيّة، وإذا لزم الأمر تعريف المؤسسة بلغةٍ أخرى فيكون بخط دقيق في زاوية من زوايا اللافتة، وتجنب كتابة الكلمات الأعجمية بحروف عربيّة إلا إذا كانت أسماء أعلام.
- وزارة الخارجية والمراسلات الدولية.
- وزارة المالية وما يتبعها من مؤسسات مالية كالبنوك والشركات وغيرها.
- الوزارات والمؤسسات الأخرى المتعددة.
كل هذه المؤسسات الوطنية عليها واجب كبير، وربما تستطيع الإسهام في رفع شأن اللغة العربية الأم من خلال تحقيق التوصيات الآتية:
أولاً: أن تقوم وزارة الإعلام أو ما يقوم بعملها من مسميّات أخرى كمجلس الإعلام وغيره، بوضع تشريع ينظم العمل في هذه المؤسسات من حيث استخدام اللغة العربية السليمة والحرص على نشرها وتقديم صورتها المشرقة للناس، حتى تكون اللغة العربية السليمة لغة المذيعين والمذيعات ولغة الأحاديث والندوات والحوار والمناظرات والمسلسلات والتمثيليات والإعلان ونشرات الأخبار والبرامج الثقافية.
ثانيًا: تعيين الأكفاء المختصين باللغة في أعمال تحرير الأخبار والبرامج الثقافية والعلمية والتعليمية، وإذاعتها، وتقديمها للمشاهدين والقراء.
ثالثًا: تعيين مراقبين لغويين مختصين لمراجعة البرامج المختلفة، ونشرات الأخبار، ومواد البرامج الإذاعية، والصحف والمدوّنات وكل ما يتعلق باللغة، والحرص على تجنب الأغلاط اللغوية بكافّة أنواعها، مثل ما ورد في هذا التقرير من أمثلة واقعية.
رابعًا: عقد دورات تدريبية وتعليمية للمذيعين والمذيعات ومقدمي البرامج المتنوعة تختص بالمهارات الأساسيّة في اللغة، كالاستماع والتعبير والكتابة والإلقاء...
خامسًا: وضع تشريع ينظم قواعد الإعلان العام في الصحف والمجلات، وطريقة ترقيم الشوارع والأحياء، وكتابة اللافتات، وأسماء المحلات التجارية، حتى تؤلف تلك الإعلانات واللافتات نسقاً منظماً يبرز جمال اللغة العربية وكفايتها في التعبير عن كل ما يريده المواطن من أهداف إعلاناته أو اللافتات التي يقصد بها الإعلان عن مشروعه التجاري.
سادسًا: أن تكون اللغة العربية الفصيحة السهلة هي لغة القضاء في كل مجالاته من حيث المرافعات وإنشاء القضايا والإدعاء العام، ولغة القانون والمحاماة والمرافعات، وكل ذلك من شأنه أن يرفع من شأن اللغة العربية في أوساط المجتمع.
سابعًا: أن تكون اللغة العربية هي لغة الاستعمال في مجال القوات المسلحة الأردنية في مجالاتها كلها، من بدء الالتحاق بها حتى التخرج منها، مرورًا بالمصطلحات العسكرية والرتب الوظيفية، والأعباء التدريبية والعملية، وأن استخدام اللغة العربية في هذه المجالات يزيد صاحبها كفاءة وإتقاناً ويزيد اللغة جمالاً وبهاءً.
ثامنًا: أن تتبنى الدولة تشريعًا ينص على أن اللغة العربية هي لغة الدولة الرسميّة في كل مجالات العمل فيها، وألا يستخدم غيرها من اللغات إلا حيثما يلزم في العلاقات الدولية التي تخضع لأنظمة متبادلة، وفق مصلحة الدولة وغاياتها.
تاسعًا: أن تلتزم المؤسسات والشركات الكبرى الرسمية وغير الرسميّة باللغة العربية لغة للتعامل في المجالات المختلفة وبخاصة العلاقات التجارية فيها، على أن يكون استعمال غيرها خاضعاً للضرورة القصوى التي تفرضها العلاقات الدولية، وأن يكون كل ذلك نابعاً من قدرة اللغة العربية على الوفاء بكل ما يريده المواطن، وأن ذلك يكون مبعث عزته وفخره واعتزازه بلغته وثقته بها.
عاشرًا: تأسيس مركز بحوث لغوية حاسوبية ينسِّق مع أمثاله في الدول العربية الأخرى، لدراسة قضايا اللغة العربية السليمة في بناء الأجهزة الحاسوبية وفق خصائص اللغة العربية، ومن أهمها قضية كتابة اللغة العربية السليمة مشكولةً شكلاً تامًّا في كل ما يُنشر ويُطبع من كتب علمية وأدبية وفنية وتقنية، وفي الصحف والمجلات وجميع النشرات والإعلانات، وتقديم الحلول الصحيحة والمناسبة بحيث تكون الكتابة العربية متّصلة من الماضي إلى الحاضر وإلى المستقبل. فالشكل جزء أساسي من الكلمة العربية، ونحن عندما نقرأ ما يُنشر في الوقت الحاضر دون شَكْلٍ، إنما نستعمل نصف الرموز العربية وأما النصف الآخر الذي يتعلق بالشَكْل (الفتحة، الضمة، الكسرة، السكون، الشَّدَّة، التنوين) فيكون مُغيِّباً ويعتمد على وجوده في ذاكرة القارئ، وهذا ما يؤدي إلى الأخطاء في القراءة والكتابة، ويفسِّر ظاهرة الضَّعف التي يعاني منها المتعلم العربي بل وكثير من المثقفين والمتخصصين العرب.
حادي عشر: إنشاء مؤسسة للترجمة على مستوى الوطن العربي تكون مهمتها نقل جميع العلوم والفنون والتقنيات الحديثة إلى اللغة العربية، بحيث يترجم العلم -من حيث هو علم-، وليس اختيار كتابٍ من هنا وكتابٍ من هناك، وتكون هذه المؤسسة العربية على غرار "المؤسسة اليابانية" أو الصينية بل والروسية والأمريكية والألمانية... ويكون عملها مستمراً لترجمة البحوث العلمية التي تظهر في أشهر الدوريات العلمية العالمية، باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية... بحيث تكون الترجمة إلى العربية، سائغة وميسورة بين أيدي الباحثين والدارسين العرب في خلال شهرٍ واحد.
ثاني عشر: إنشاء مرصد لغوي عربي ودعمه بالأجهزة والتقنيات الحديثة، وبالكوادر العلمية، والفنية المتخصصة، من أجل وضع المصطلحات العلمية والتقنية والحضارية الحديثة، وتعريبها وتوحيدها والعمل على إشاعتها في الاستعمال في مختلف المجالات، في القطر العربي الواحد وفي جميع الأقطار العربية بالتنسيق مع المجامع اللغوية العربية واتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية واللجان الوطنية للنهوض باللغة العربية.
ثالث عشر: إنشاء مؤسسة على مستوى الوطن العربي، تكون مهمتها تحقيق التراث العربي في جميع مجالاته العلمية والفكرية والأدبية واللغوية... إلخ، آخذة بعين الاعتبار ما تمَّ إنجازه بالتنسيق مع المؤسسات الخاصة والعامة في الوطن العربي. ولا يمكن لأمة من الأمم أن تبدأ نهضة علمية أصيلة ومبدعة، بينما معظم تراثها العلمي والفكري ما زال مخطوطاً تائهاً في السراديب وعلى الرفوف.

المصدر: 
منتدى مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.