دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

خبر حصري": تسريب وصية العالم الألماني الفقيد "مراد هوفْمان"...

الاثنين, January 20, 2020
كاتب المقالة: 

لستُ أتقوَّل على العالم "هوفمان" رحمه الله إن قلتُ إني أحوز نسخة من وصيّته الفكرية، ولستُ ألحن في القول ولا أجانب الصواب إن صرحتُ أنني أملك نسخة من وصيّته التي تركها لورثته من بعده، فالعالم، حسب تصريح سيد الأنام عليه السلام، لا يورث درهما ولا دينارا، بل يورّث لفروعه من أبناء وحفدة: علما، وحلما، واحتراقا، وهمة، واهتماما... 

لم أجد ما أعزّي به نفسي، وأخواتي، إخواني في فقْد "مراد هوفمان" رحمه الله، فقد غالبني الدمع، ولم تسعفني الكلمات أن أنعى هذا الرجل الدبلوماسي المفكر، لكنني عثرتُ في أرشيفي على كلمات خصّني بها في حوار إلكتروني قبل خمس سنوات، تجاذبنا فيه أطراف الحديث حول ما يشغل المسلمين من هموم ومحن، ولعل ذلك الحوار وصية منه إلى كل شابة وشاب يقْبض على دينه، في هذا الزمن الصعب، كالقابض على الجمر... 
إني لا أجد في أداء واجب التعزية، ولا في تجفيف دمعي في فقدان "هوفمان" إلا أن أعيد نشر ذلك الحوار الذي جرى بيننا ذات مساء شتوي بارد من سنة 2015 عبر البريد الإلكتروني، ونقلته بعد ذلك إلى العربية، ولا أجد كلماته تلك إلا وصية أسربها، وأنشرها مجددا، وأهمس بها في أذن كل محب للعالم "هوفمان"، ولكل تواق لعالم إسلامي أجمل وأسعد وأفضل...
نص الحوار جانفي 2015: 
تجرأتُ فأرسلت إليه رسالة في بريده الإلكتروني، وكانت الكثير من عادات ضعف التواصل في سياقي القريب مني؛ جعلتني أستبعد إجابة وتجاوبا من الأستاذ "مراد هوفمان"؛ فأقول لنفسي تارة: إنه قد بلغ من الكبر عُتيا، إذ من المرجّح ألا يكون في حالة صحية تسمح له بالتواصل الإلكتروني المباشر؟ وتارة أقول لنفسي إنه لن يجيب فالرجل ديبلوماسي سابق (كان سفيرا بالجزائر بعد إسلامه)، ومن المؤكد أن له شواغل تمنعه عن التفاعل مع سؤال فكري من باحث يافع مثلي...
لم تمرّ على رسالتي ساعات ثلاث؛ فإذا بجوابه الإلكتروني يقطع حجُب الريب، ويبدّد سحائب الشك، ليدُق الأسماع بتحية طيبة، وسلام مفعم بالحب، ورحابة صدر تسعُني وتَسَعُك...
كانت رسالتي الأولى إلى الأستاذ "مراد هوفمان"؛ كمن يستأذن ويستأنس أهل البيت بالطرْق على الأبواب؛ إذ لا بُدّ لـِمُـــدْمِن الطرْق أن يَلِجا، فكان فحوى الرسالة: سلاما طيبا إليه، وإعلانَ حبّ ووفاء له، ولمسيره في المكابدة الفكرية المعرفية، وقُبلةً في جبين رجل صبر وصابر في طريق الإيمان على وعورة المسلك، وقلّة السالكين، وحين سألته عن حاله، وصحته، وآفاقه؛ أجابني على النحو الآتي:
»أشكرك جزيلا على رسالتك التي وصلتني عبر الناشر لأعمالي في إسطنبول، وأنا الآن لم أعُد أقيم هنالك، فقد عُدْت إلى مدينة "بون" (
Bonn) بألمانيا» -وبعد أن ترك لي معلوماته الشخصية-ختم رسالته بالعبارة الآتية: «بالمناسبة فأنا أبلغ من العمر 83 سنة...؛ والسلام«.
صعَقني بعبارته تلك؛ وكأنه يودعني للأبد، لقد صدمني؛ فقد كانت كلماته بمثابة تحية وداع من حبيبٍ لستُ مستعدا نفسيا لوداعه بهذه السرعة، وفي هذه اللحظة؛ إذ لم أشْف غليلي بعدُ من التعلم منه، ولا زلت ألوم نفسي عن تقصيري في عدم التجاوب معه سابقا؛ بالرغم من أنه كان يمكث لعشر سنوات بشارع "سلطان أحمد" بإسطنبول؛ ذلك الشارع الذي كنت قد مررت عليه مئات المرات صفًا ومروةً؛ إنني لم أكن أعلم أن رافدا معنويا، ومعْلما من معالمي الفكرية نزيل ذلك الحي من إسطنبول.... كَمْ هي مهولة غفلة الإنسان، وغفْوته، وغيبوبته؟!
لـمـــْــلمت همّتي من براثن التذمر والعتاب، واستجْمعت بعض أفكاري، واسّارعت إلى الجهاز في ركن البيت؛ أخط رسالة ثانية إلى ذلك الرجل الحكيم؛ علّي أستدرك بعض ما فاتني من محاورته والجلوس إليه: قضاءً لا أداءً، فخططت بالأبيض على الأسود أسأله عن ذاكرته في "الجزائر" استفزازا له إلى الحوار، ومراودة للبوح بمكامن النفس؛ وأسررت إليه أن ثلة من الباحثين في حلقة الدرس (بنية العمل) يتداولون كتابه، ويقرؤون فيه أفكاره، وبعض شخصه...
لقد افترضت أن عطر الجزائر لا يزال يملأ صدره، وحنينه إلى هذا الرَبْع لا يزال يسْكن خاطره، ويشحن خواطره... فهل صادق حدسي ذاك؟
عاد به السؤال إلى لحظات لا تزال تنقش ذكرياته وذاكرته، ولا تزال أنفاس "البارحة" تمازج شهيق اليوم وزفيره؛ فكتب قائلا: «من عظيم السرور أنْ يرِدني أنّ كتابي يروقكم، وأنّ ثلة من الباحثين تعتني به حفرا وقراءة، وينبغي أن تعْلم أن ذكرياتي في الجزائر من أعز لحظات العمر التي عشتها؛ لحظة الاستقلال حين كنت قائدا عسكريا، فقد كانت باخرتنا الألمانية مستقرة في ميناء الجزائر لأشهر؛ ولم يكن يشغلنا آنذاك إلا طلب "النبيذ" (لم يعتنق الإسلام بعدُ في تلك اللحظة)، وتمديد آجال رُسُوّ السفينة بالميناء الجزائري، أما تجربتي الثانية في الجزائر فكانت حين عُيّنت سفيرا بالجزائر في الثمانينات»، ثم قال بمرارة: «لم تكن السلطات بالجزائر مستعدّة للاستفادة من مذكراتي أثناء الاحتلال الفرنسي للجزائر«.
ثمّ أسر إليّ كلمات مضمّخة بأريج الحب والذكرى في آخر سطر من رسالته: «إنْ كان للجزائر من فضل؛ فهي السبب الرئيس في اعتناقي الإسلام»؛ سرّتني العبارة بُرهة وملأت مهجتي بهجة وسرورا؛ لكنني فجأة استذكرت هؤلاء وأولئك ممن تساقطوا في طريق الإيمان والتوحيد بعد إعلانهم "الشهادتين"، إلا أنهم لم يثبتوا على خلاف الأستاذ "هوفمان" وأمثاله؛ وقلت لنفسي: لعل تهاوني، وضعف حيلتي، وجهلي، وتخلفي: حجةٌ لهم عليّ بين يدي مَنْ لا تخفى عليه خافية...
لم أشْف غليلي بعدُ؛ ففي جعبتي أسئلة كثيرة تراودني؛ تقضّ مضجعي، وتثقل ليلي ونهاري، فسألته عن طبيعة الأزمة في عالم المسلمين اليوم؛ فنموذج الرشد له تشخيصه لسؤال الأزمة الذي يخنق الأجواء، ويحشر الخلق في برزخ حضاري يشُلّ الصلة بين فكرهم وفعلهم، ويجعل الفكرة تتكلس في شرايين صاحبها وأوردته؛ وهي أزمة انفصام الفكر عن الفعل...
وكان كلّ الأمل لباحث فتيّ أن يجد من يطمئن "نموذج الرشد" وآله أن الأزمة في "عالم المسلمين" اليوم ليست فتنة في الشارع ابتداء، ولا إضرابا في قارعة الطريق حصرا، ولا تغييرا لبرلمان أو كرسي منهجا؛ بل الأزمة في عمقها: جلطة دماغية أصابت قلب المسلم وعقله، وجعلت الهوة سحيقة بين قرآنه، وفكره، وذاكرته... وبين فعله، وحاله، وسلوكه، وتمثلاته...
وصلني جوابه في صفحة ونصف، بعد ثلاث ساعات من سؤالي، واستفتح كلامه ساخرا وهو يقول: «يمكنني أن أصنف سؤالك هذا ضمن أسئلة الأربعين ألف دولار» (على غرار مسابقة من سيربح المليون حيث يُمكّنك الجواب الصحيح من مبلغ خيالي، أما الجواب الخاطئ فيتركك صفر اليدين)؛ لقد استفز السؤال الأستاذ "هوفمان"، وحرّك مواجد نفسه، وجعله يفصح عن قلب عَقُول، وعقل متقد، يحمل هموم المسلمين، ودموعهم، ودماءهم: هَمّا، وهِمّة، واحتراقا؛ باحثا عن المخرج من هذا البرزخ الكئيب...
استرسل الأستاذ "هوفمان"، وهو يتحدث عن أعراض الأزمة في عالم المسلمين اليوم، فوضع مجسه الكاشف على قلب المسلم وعقله؛ فقال: «إنها مسألة التحام وإيمان كلّي بالإسلام، فإنْ بلغ المسلم تلك اللحظة الإيمانية التي يمكنه أن يتنازل فيها عن كل شيء، ويضحّي بكلّ ما لديه لتُواصِل الفكرة الإسلامية طريقها: في حقول التربية، والحضور المدني والاجتماعي... في تلك اللحظة فقط يحسُن إسلامه ويكتمل»؛ وجلي للمتأمّل أن وهن المسلمين اليوم مؤشر إلى أنهم لم يبلغوا بعدُ هذه العتبة الإيمانية التي تخولهم أن يُضحوا بكل شيء من أجل رسالتهم وفكرتهم المرشدة...؛ لذا فإن "هوفمان" موقن أن إيمان المرء لا يكتمل إلا بتحمّل تبعات إيمانه وإسلامه في شتى مفاصل الحياة.
لم يتجاوز مـِـجَسُّ الأستاذ "هوفمان" الإنسانَ، وهو يشخص المرض في عالم المسلمين اليوم ويتحسّسه، ولم تُلهه الأحزاب وشعاراتها، ولم تحجب نظرَه التنظيماتُ (الإسلامية أو العلمانية) وزخرفها، ولا التحزّبات المصلحية وأصنامها وجغرافياتها، لقد اختصر الأزمة التي تعصف بالمسلمين مشرقا ومغربا في الإنسان: ومنسوب رشده أو سفهه، استقامته أو تفلّته، مساحات فهمه أو جهله ووهنه؛ ورصَدَ المسلمَ وهو لا يزال مستلبا حضاريا: يحاول خلع رداء التبعية والقابلية للاستعمار والاستحمار من بدنه...
الحوار مع الأستاذ هوفمان أبان عن أن الأزمة اليوم لا تكمن ابتداء في حاكم دكتاتور، أو مستعمِر مُذِل، أو ثائر خائن...، إنما سببها هو أنا وأنتَ، وأنتِ، وليس تزول أقدامنا حتى نُسأل عن علم لم ينفع، ومال في سبيل الله لم يُنفق، وزمنٍ لوجه الله لم يستثمر، وإمكان حضاري لم يولد....
فكيف سأجيب أنا؟ وكيف ستجيب أنتَ؟ وكيف ستجيبين أنتِ؟ حين تزول الأقدام...

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

7 + 11 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.