تعدُّد وجهات النَّظر الأوروبيّة إلى نبيّ الإسلام

الخميس, July 11, 2019
كاتب المقالة: 

منذ قرون وصورة الرسول (ص) في الكِتابات الغربيّة تُثير الكثير من الجدل، حيث تتناوَل معظم الكُتب الغربيّة سيرة الرسول من خلال المَراجع الغربيّة، من دون تمحيص أو تدقيق، من خلال الرجوع إلى أحكامها في الكِتابات العربيّة الكلاسيكيّة، فكان من نتائج ذلك أن قدَّمت تلك الكُتب للقرّاء الغربيّين صورة نبيّ الإسلام على نحو مشوَّش ومشوَّه. وهذا ما يُبيّنه الباحث جون تولانJohn V. Tolan ، الفرنسيّ من أصل أميركيّ، في مؤلَّفه الضخم (448 صفحة من القطع الكبير) الذي صدر حديثاً في باريس (عن منشورات "ألبان ميشال" الذائعة الصيت) بعنوان: "محمّد الأوروبيّ: تاريخ التمثيلات الغربيّة للنبيّ" Mahomet l'européen.

يشدِّد المؤلِّف على أنّ شخصيّة محمّد شغلت أوروبا المسيحيّة على مدى العصور الوسطى، حيث جرى تصوير هذه الشخصيّة على نحوٍ مُتناقض، وفي اتّجاهات متباينة؛ ففي حين أنّ بعض الرسوم الكاريكاتوريّة والصفحات المكتوبة بخطّ اليد، ذَهبت إلى حدّ وصف شخصيّة محمّد في صورة "دجّال" و"زنديق" و"فاسِق"، ذهب مفكّرون آخرون، من أمثال غوته ولامارتين وغيرهما، إلى نعْت محمّد بأنّه "إصلاحي" و"عقلاني متميّز". فكيف وُلدت شخصيّة نبيّ الإسلام في نظر الأوروبيّين؟

في الإجابة عن هذا السؤال المعقّد يبحث المؤرِّخ جون تولان في مناخات القلق والغموض التي انتابت اللّاهوتيّين المسيحيّين، وبخاصّة في عصر الأنوار، في النَّظر إلى شخصيّة محمّد؛ فبعضهم نظرَ إلى تلك الشخصيّة نظرة إكبار وتقدير جعلت نابليون بونابرت من المُعجَبين بنبيّ الإسلام، وبعضهم الآخر، ككثير من الكتّاب الغربيّين، رأوا فيه خصماً وعدوّاً، وأشاعوا نظرة مُعادية للإسلام سادت في أوروبا ردحاً طويلاً من الزمن. ويُعيد المؤرِّخ تولان نظرة هؤلاء الذين اختلقوا روايات وأساطير حول شخصيّة محمّد، إلى أنّهم بنوا نظرتهم السلبيّة تلك، من خلال قراءاتهم للنصوص اليونانيّة والرومانيّة الكلاسيكيّة، فعمَّموا بالتالي فَهمهم غير الموضوعي للحضارة الإغريقيّة وأسقطوه على الإسلام، بكلّ ما ينمّ عنه ذلك من جهل كبير بطبيعة الديانات الإغريقيّة وطبيعة رسالة الإسلام.

على أنّ بعض المفكّرين الأوروبيّين- كما يرى المؤرِّخ تولان- استمدّوا من شخصيّة محمّد وسيرته سنداً لفكرهم التنويري؛ فبعدما كانت النصوص المسيحيّة الأولى التي تطرَّقت إلى هذا الموضوع، تصوِّر محمّداً صنماً كسائر الأصنام، ثمّ تجعله إلهاً بين آلهةٍ أُخَر عبَدَها العرب، يؤكِّد المؤرّخ تولان أنّ النظرة الغربيّة إلى الإسلام بدأت تتغيّر منذ عصر التنوير (القرن الثامن عشر)، وتراه ديناً قائماً بذاته، وعلى قدم المساواة مع الديانات الأخرى كالمسيحيّة واليهوديّة والبوذيّة ...

وبحسب المؤرِّخ تولان، فإنّ النظرة الأوروبيّة إلى شخصيّة النبي محمّد تنوّعت وتطوَّرت في اتّجاهَين مُتناقضَين:

- الاتّجاه الذي نعته في القرون الوسطى بـ "الدجّال" و"المُخادِع"، و"الكذّاب"، و"المارِق" و"اللّص" و"الزنديق" و"المتعصّب"؛ وهي النظرة إيّاها التي تطوّرت حتّى باتت تنعته في عصرنا هذا بـ "الإرهابي"، مع ما تسبَّبت به هذه النظرة من صدمة لدى المُسلمين في أوروبا (كما في خارج أوروبا) واشمئزاز من هذه النعوت الساخرة، لتجاوزها الحدود الأخلاقيّة.

- الاتّجاه الذي وصفه بالإصلاحي المُستنير. فقد نَشأَت في الغرب- بحسب ما يرى المؤرِّخ- نظرة إعجاب وتعلّق بالنبي محمّد، حتّى أنّ بعض المُعجبين بشخصيّته أطلقوا عليه صفة "محمّد العقلاني"، و"محمّد الإصلاحي"، ووصفوه بـ "الرجل العظيم" و"الأصيل"، وأوصوا بأنّ على الأديان الإبراهيميّة الأخرى وعلى المسيحيّين واجب تقديم الاحترام والإجلال لهذا النبي.

كِتاب "محمّد الأوروبيّ"

في كِتابه "محمّد الأوروبيّ"، سعى المؤرِّخ جون تولان إلى استعادة قراءة هذا التنوّع في النظرة إلى "رسول الله" في الغرب. فعند ظهور الإسلام، كانت المسيحيّة قائمةً ومُنتشرةً بالفعل. غير أنّ القرآن الكريم قدَّم يسوع المسيح على أنّه نبي في سلسلة طويلة من الأنبياء تبدأ بآدم وتنتهي بمحمّد. لكنّ المسيحيّة، كانت لا تَمنح "مكانةً رفيعةً لنبيٍّ أتى بعد يسوع، كالنبي محمّد". لا بل إنّ بعض رجال الكنيسة كانوا يرون أن الإسلام يشكِّل تهديداً لمَكانة المسيحيّة، ولاسيّما بعد توسّعه السريع وتكوين إمبراطوريّة ضخمة. وتخوّفوا من أن تكون فتوحاته الظافرة بمثابة علامات للتأييد الإلهي له. كما تخوَّفوا من تزايُد عدد المُسلمين المتصاعد على مرّ القرون. لذا راحوا يكنّون له العداء بتقديم النبي كوَثنيّ أو زنديق، ومؤسِّس طائفة تُهاجِم عقيدة المسيحيّة. فلقد اخترعَ الأوروبيّون الأكاذيب من أجل إثبات أنّ الرسول "غشّاش" وساحر وإلى غير ذلك من التأويلات والتمثيلات، حيث تقف الحمائم والثيران لخداع أهل مكّة، وقدّموا افتراءات على وفاته. بعض هذه الأكاذيب تقول إنّ "جسد النبي حين وفاته التهمته الخنازير أو الكِلاب".

ويذكر المؤرِّخ تولان أنّ الكاردينال نيكولاس المعروف باسم "نيكولاس الإنساني"، الذي عاش في القرن الخامس عشر، شدَّد على إيجابيّات القرآن، لكنّه قدَّم النبي كشخصيّة غامضة، على الرّغم من التطوّرات التي أدّت بالعرب إلى التوحيد. كما يذكر المؤرِّخ أنّ اللّاهوتي الكتالوني ميشال سيرفت، الذي عاش في القرن السادس عشر، سار على درب الكاردينال نيكولاس. ويذكر أيضاً أنّ الصليبيّين دمَّروا التماثيل داخل الأرض المقدَّسة، وهُم في ذلك يُحاكون ما جاء به الإسلام من تحريمٍ لتمثيل النبي، نظراً لرسالته التوحيديّة الصارِمة. ومع ذلك بقيت صورة محمّد عرضةً للتشويه، من خلال بعض التشويه الذي يصيب ترجمة القرآن الكريم أو ترجمة نصوص إسلاميّة أخرى. فمِن الثابت أنّ بعض وجهات النظر الأوروبيّة عبر التاريخ شجَّعت وروَّجت للكثير من التمثيلات غير المنطقيّة.

ويزداد الأمر تعقيداً بسبب نموّ حركة المُستشرقين الأوروبيّين في القرنَين التاسع عشر والعشرين، مع باحثين وُلدوا في البلدان الإسلاميّة وتكوّنوا فكريّاً ومَعرفيّاً في الغرب، أو باحثين وُلِدوا في الغرب وتكوّنوا معرفيّاً في البلدان الإسلاميّة؛ فهؤلاء- بحسب المؤرِّخ تولان- بحُكم اختصاصهم، تبحَّروا في المَصادِر مُباشرةً باللّغة العربيّة، وبعقلٍ نقديّ. وقد ظهرَ منهم، في القرن التاسع عشر، رجل الدّين اليهودي أبراهام جيجر وجولد تسيهر. كما ظهرت في القرن العشرين أعمالٌ ذات جودة عالية، وبخاصّة أعمال الباحث المُستشرِق لويس ماسينيون في فرنسا. ومهما قيل عن علاقة المُستشرِقين بالإدارات الاستعماريّة في بلدانهم، فإنّ بعض المُستشرِقين كانوا يُعارِضون الاستعمار بشدّة.

ويرى المؤرِّخ أنّ التنوّع الديني في أوروبا متجذِّر في مُمارسات مجتمعات القرون الوسطى؛ حيث مَنَحَ الحكّام المسيحيّون والمُسلمون في العصور الوسطى وضعاً مَحميّاً لبعض الأقليّات الدينيّة. وقد بيَّن جون تولان أنّ دراسة المَصادِر القانونيّة، على صعيد الشؤون الدينيّة، تُظهر أنّ مجتمعات العصور الوسطى خضعت لتغييرات مُستمرّة، وأنّ التعايُش كان القاعدة وليس الاستثناء في التاريخ الأوروبي.

على المُسلمين أن يروا في هذا التنوّع في تقديم شخصيّة النبي محمّد (ص) الجانبَ الإيجابيّ لا السلبيّ. وهي شخصيّة تمثِّل ركائز مُهمّة ضدّ الأصوليّين الذين يريدون أن تكون هناك سيرة واحدة لمحمّد فحسب. ومن جهة أخرى، لا يُمكن لنا الحديث عن رؤية غربيّة للإسلام مُنفصِلة عن رؤية باقي أنحاء العالَم له. ويجب فَهمها في سياق التاريخ الثقافي الأوروبي.

ختاماً علينا أن نشير إلى أنّ هذا المؤرِّخ يُعتبر من الفاعلين الرئيسيّين في تجديد مَعرفة التصوّر المسيحي للإسلام في العصور الوسطى؛ فهو يبيِّن بموضوعيّة عِلميّة ومُقنِعة كيف تجذَّر التصوُّر الغربي للإسلام في العقول في العصور الوسطى، مُستعيناً في ذلك بنصوصٍ غربيّة موضوعها الإسلام ونبيّه، وبلغات عدّة.

تجدر الإشارة إلى أنّ المؤلِّف جون تولان من مواليد 1959 - مدينة ميلواكي، وهو مؤرِّخ مُختصّ في العلاقات الدينيّة والثقافيّة بين العالَمَين العربي والغربي في العصور الوسطى. من مؤلّفاته: "أوروبا والإسلام: تاريخ خمسة عشر قرناً" (2009). وقد درَّس وحاضرَ في جامعات متعدّدة في أميركا الشماليّة، وأوروبا، وأفريقيا والشرق الأوسط، وهو حاليّاً أستاذ التاريخ في جامعة نانت في فرنسا. وهو مدير بَرنامج الأبحاث الأوروبيّة الكبرى (RELMIN) الوضع القانوني للأقليّات الدينيّة في العالَم الأورو- متوسّطيّ (القرن 5 – 15) ويعمل على تاريخ شبكة قويّة من العلاقات في عالَم البحر الأبيض المتوسّط في العصور الوسطى، بين اليهود والمسيحيّين والمُسلمين. وانتُخب في سنة 2013 عضواً في الأكاديميّة الأوروبيّة للعلوم والفنون.

المصدر: 
مجلة أفق
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 15 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.