الرواية العربية في خطر

الأربعاء, February 25, 2015
كاتب المقالة: 

من بين مئة وثمانين رواية ترشحت لجائزة البوكر للرواية العربية 2015، تم اختيار ست عشرة رواية منها في القائمة الطويلة. ولا شك أنَّ لجنة التحكيم الخماسية بذلت جهداً خارقاً ومتواصلاً؛ لفرز هذا العدد من بين الكم الهائل من الروايات التي تقدمت للجائزة، على أمل أن تفوز بها أو على الأقل تكون ضمن إحدى القائمتين.
وإذا افترضنا أنَّ لجنة التحكيم كانت موفقة في اختياراتها، ضمن معايير واضحة ومحددة، وكانت أحكامها موضوعية ومهنية محايدة. فإنَّ هذا يعني أنَّ النتاج الروائي العربي المقدم للجائزة – وهو بالتأكيد أفضل الموجود- نتاج ضعيف في المجمل، لا يحقق المعايير الروائية في حدها الأدنى.
قرأتُ سبع روايات من القائمة الطويلة، ووجدتُ بعضها – من وجهة نظر شخصية- لا يرقى للفن الروائي الحقيقي، ولا ينبغي له أن يتطاول للحصول على أي جائزة. فإذا كانت خلاصة الروايات يشوبها الضعف والهزال، فكيف ببقية الروايات المئة والثمانين؟ وما هو مستوى الروايات التي أسقطها الناشرون ابتداءً؟ وأي غثاء تحتويه؟ وأي فن وإبداع تدعيه؟
نعم هناك إبداع وفن ورقي وفكر في بعض روايات القائمة الطويلة، ولكن لا يشعر القارئ الخبير بالامتلاء والري عند قراءة معظم الروايات إن لم تكن كلها. لا يشعر أنَّ سفينة الرواية رست على شاطئ حقيقي. ثمة إحساس غامض بالنقص، بوجود خلل ما، عدم اكتمال، عدم نضج وتخمر كافٍ.
يبدو أنَّ هناك استعجالا كبيرا عند من يكتب الرواية، وحرص على الفوز ـ أو تمني الفوز بإحدى الجوائز التي تتكاثر في البلدان العربية، وهو حق مشروع بالطبع. ولكن هذه العجلة تأتي على حساب جودة العمل الروائي شكلاً ومضموناً، فيقع البعض في فخ التسطيح، والفقر اللغوي، وهزال المضمون، وعبثية الموضوع، وسذاجته أحياناً.
إنَّ فوز روايات ضعيفة في بعض الدورات، وتعدد الجوائز، شجع الكتاب على اقتحام ميدان الرواية، من دون امتلاك الأدوات الكافية، والنفس الطويل. وهذا يستدعي بالضرورة تغيير آليات الترشيح والفرز واختيار الرواية الفائزة لأي من جوائز الرواية المتعددة، فالاعتماد على لجنة واحدة في كل المراحل لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة منصفة، مهما حاولت اللجنة وسددت وقاربت. يفترض أن يكون للقراء دور، وللنقاد والكتاب رأي، وللجان الفرعية مهمة الفرز، وللجنة العليا الاختيار النهائي، أو أي آلية أخرى متبعة في الجوائز المشابهة في دول العالم الأخرى.
ومما يلفت النظر، ولعلها أصبحت ظاهرة مقلقة، أن يلجأ بعض الكتاب لتوظيف الجنس والدين؛ طلباً للإثارة وجذب القراء، ولفت الأنظار بعيداً عن ضعف الرواية وضحالتها، بل يكاد يشعر المرء في بعض الروايات أنَّ الرواية ما كُتبت إلا رداءً للمشاهد الجنسية، أو الآراء والأفكار الجريئة المتعلقة بالدين. ولو حذفنا هذه المشاهد والتوصيفات والآراء والأفكار لما تبقى إلا ثوب مهلهل، ونسيج متهالك لا يستر عورة الرواية أو ما تبقى منها.
إنَّ هذه الحالة من الاستعجال والاستسهال قد تُودي بالرواية العربية، وتباعد النقاد والقراء عنها؛ لضعف المستوى، وبعدها عن مفهوم الرواية كفن راقٍ له شروطه ومعاييره. ويتحمل النقد جزءاً كبيراً من المسؤولية، بأن يتابع النتاج الروائي، ويتناوله بموضوعية بعيداً عن المجاملة. كما تقع مسؤولية كبيرة على دور النشر، بأن تعرض كل رواية قبل الموافقة على نشرها على ناقد أدبي، ليعطي رأياً مهنياً بالنشر أو عدمه. ومن الضرورة بمكان أن توظف دور النشر أو تستعين بمحرر فني، يتناول الرواية بمقصه الفني المحترف تهذيباً وتعديلاً وحذفاً وإضافة وربما إعداماً.
وكلمة أخيرة لكل من يكتب الرواية، خاصة من الكتاب الجدد أن يتمهل ولا يستعجل، وليمحص ما يكتب، ويعرضه على من يثق برأيه وإن كان قاسياً، وليتجنب من يجامل وينافق ويداهن ويغش. فرواية واحدة تصدر على مهل وقد استوت على سوقها، خير من روايات عديدة لم تأخذ حقها من النضج والمعالجة الفنية الكافية. فالأدب بجودته وقيمته ونوعيته وليس بكميته وعدد صفحاته.
إنَّ الرواية ليست مجرد سرد وأحداث، وتلاعب باللغة، وتوظيف أشكال حداثية في القص. بل لا بدَّ من وجود رؤية واضحة عند الكاتب، ورسالة ملحة يشعر بأنه يجب أن يؤديها روائياً، ومحتوى مناسباً، ولغة راقية، وانسيابية في القص؛ لتصل القارئ وجبة شهية لا يستطيع لها مقاومة، أو أمامها تمنعاً. وأي كاتب لا يمتلك مشروعه الخاص، فهو بلا أساس، كأنما يرقم على سطح ماء، أو في الهواء، سيطاله النسيان والإهمال مهما أبدع وأجاد.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.