دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

الباحث والروائي السوري نزار أباظة لـ«الوطن»: الحيادية قضية لا يتحلى بها إلا القليل من الكتاب

الخميس, September 2, 2021
كاتب المقالة: 

الرواية بلا خيال لا تصلح والكاتب لا يستطيع أن ينفصل عن المكان والزمان،

الواقعية هي السمة البارزة فـي جميع أعمالي الروائية،

رواية "سمية "تبحث تفاصيل دقيقة تتصل بالعلاقة العاطفية بين المريدة والشيخة

أجرى اللقاء: وحيد تاجا

دكتور نزار أباظة أديب موسوعي فهو باحث ومحقق وروائي وأستاذ جامعي، صدر له ما يزيد عن 70 كتاب مابين تحقيق ودراسة وسيرة وتراث وروايات وقصص للأطفال. حاصل على عدة جوائز محلية وعربية.

التقيناه كان هذا الحديث حول ادبه ورواياته.

* ـ ـ يلاحظ ميلك للرواية مع انها لا تشكل أكثر من 20% من انتاجك الإبداعي؟

هذا صحيح، أزعم أنني حينما أكتب في الرواية أو القصة أجد نفسي تماما، اعبر عنها وأسرح معها في تناول أحداث أثرت في وأثارت مشاعري.. أنساق وأنا أكتب الرواية مع أبطالها وشخصياتها وانفعالاتهم.. أعيش معهم.. أتخيل أنني أجلس بينهم.. أراهم.. وربما أشاركهم أو أكاد، فيما يفكرون.. وربما لا تصدق إذ أقول لك إن الشخصيات هي التي تملي على ما اكتب ولست أنا، صحيح أنني البادئ ولكن دافعا خفيا يدفع الحدث أمامي ليسير باتجاه معين، اليوم إذا عدت وقرأت إحدى رواياتي أجد نفسي كأنني أقرأ لغيري لا لي، وأتساءل أأنا الذي كتب هذا النص فعلا او ذاك؟!، والخلاصة فأنا أجد لذة وأنا أكتب الرواية لا أستطيع أن أعبر عنها بوضوح غير الكتابات الأخرى التي يمكن أن أقول إنها كتابات باردة.

 

* ـ تطرقت في روايتك (سمية) الى موضوع مهم جدا، وهو العلاقة بين الشيخة والمريدة، ولكنك ركزت كثيرا على الجوانب الإيجابية...؟

لا أخفيك أن رواية (سمية) من أحب رواياتي الي، فقد فرغت فيها شحنة من نفسي كانت تشغلني تتصل بالعلاقة العاطفية بين المريد والشيخ، أنا اعرف جيدا تلك العاطفة وعشت تفاصيلها الدقيقة حيث أني قرأت على المشايخ، وأردت هنا أن أتحدث عن العاطفة النسائية بين المريدة والشيخة بشكل خاص، اذ كان يتناهى اليّ أخبار مختلفة عن تلك العلاقة سلبية وإيجابية، تلك العاطفة التي قد تكون جارفة أحيانا فالفتيات معروفات بعواطفهن. وبعضهن تعاملت مع الشيخة تعامل قداسة هي فوق العلم.. في الوقت الذي يجب ان تكون قائمة على العلم فقط، هذه هي الصلة الحقيقية بين الشيخ ومريده أما أن يسلبك الشيخ إرادتك وتفكيرك فتدور في فلكه وهذا مرفوض. وبعكس ما تتهمني به، فقد تقصدت في رواية سمية ان اكشف، مع الجانب الإيجابي، جانباً سلبياً فصورت موقف انصراف التلميذة عن زوجها وأسرتها وإهمالها إياها بسبب الشيخة وانعكاس هذا على الأسرة ، وابرزت الموقف السلبي للشيخة في هذه الناحية، والأمر الآخر في نهاية الرواية تركت الشخصية الثانية فيها لا تنجرف الى الانخراط مع التلميذات في حلقة الشيخة بل تركتها في موضع الخيار والتفكير.. وهذه نقطة مهمة جدا.

رواية (حبيبتي من ورق) تبدو أقرب الى القصة الحقيقية والسيرة الذاتية؟

هذا صحيح، فقد عشت أحداث هذه الرواية تماما، وجرت أحداثها وتفاصيلها تحت سمعي وبصري، وعانيت من الأطفال الذين هم أبطالها الحقيقيين بمشاغباتهم في الحارة مع الجيران ومشاكلهم المختلفة التي كانوا يبتكرونها. كبر هؤلاء على عيني ثم وقع أحدهم في مشكلة حب مع بنت الجيران تعب كثيرا فيها ولقي الأمّرين، في بيئة صعبة لا تساعد على الحب.. ثم انتهت حكاياتهما ومعاناتهما يعد أن تطوع في الجيش وكان في الطيران الحربي الذي نقله من حب بنت الجيران الى حب الوطن، عرض نفسه للمخاطر في سبيله وكبر على الحب ورأى أن حبيبته تلقاء وطنه تشبه الدمية من القماش والورق..

 

* ـ من يقرأ رواياتك يشعر أحيانا بانك " خائف " نوعا ما من الاسترسال في الغوص في مشاعر ابطال الرواية؟

هذا صحيح، وربما يكون هذا عيبا في رواياتي، أقدم أولاً بجرأة، ثم أحجم بعض الاحجام وخاصة في المواقف الحساسة في العلاقة بين الذكر والأنثى، وفي صلات الحب الدقيقة، ولا اريد الاسترسال في الاثارة، إذ أخاف ان يؤدي ذلك إلى إثارة الشباب، واكتفي من السباحة بالبقاء على الساحل لئلا أدخل في لجة البحر.. فأنا محسوب على الأدب الإسلامي الجديد.  وأذكر أن رواية سمية وقصة " السمكة الذهبية" أثارتا ضجة كبيرة بين القراء حتى أن البعض رماني بالإسفاف في تصوير الجمال. 

* ـ بالتالي كيف يمكن للكاتب ان يكون حياديا مع ابطال رواياته؟

الحيادية أمر نسبي جدا فيما أرى.. الحيادية قضية لا يتحلى بها الا القليل من الكتاب.. وخصوصا في كتابة التاريخ. كيف أكون حياديا وأنا أقدم شخصيات ذات مشكلة، والرواية عادة لا تقوم إلا على مشكلة. هناك روايات تصور شخصية ما، شخصية البخيل كما عند موليير، وشخصية الشكاك كما في عطيل عند شكسبير، وشخصية الشيطان كما في فاوست عند غوته. فكيف يكون الكاتب الذي يصور هؤلاء حياديا إنه اختارهم ليقدم من ورائهم وجهة نظر خاصة.

* ـ الواقعية هي السمة البارزة في جميع تدور أعمالك الروائية. وقد تصل حد التقريرية المباشرة أحيانا..  اليس للخيال دورا في السرد أيضا؟

هذا صحيح لأنني أتأثر كثيرا مما حولي من الأمكنة والحوادث اليومية، أنا أنظر الى الواقع على أنه مجموع روايات تحتاج الى الكتابة، انفعل لحادثة حقيقية تجري.. أو مجموعة حوادث مختلفة وألملم منها ما يصلح للكتابة.. فالكاتب لا يستطيع أن ينفصل عن المكان والزمان وما يجري فيهما؟

اما ما ذكره عن التقريرية في الرواية أحيانا فقد يكون عيبا بمقياس النقد الادبي، ربما لم أستطيع الانفصال عن تلك الخلة..

هذا والخيال ضروري جدا والرواية بلا خيال لا تصلح .. انت تشير الى رواية غرباء في سلة واحدة وما فيها من ذكر لحوادث مرت بها دمشق وغيرها من المدن السورية.. ولكن هذه الإشارات لا تمثل الا جزءا يسيرا من الرواية لكن كل ما حدث في الرواية هو محض خيال فلا انا عرفت البطل فيها بل اخترعته واخترعت قريته ولا عرفت الشخصيات الأخرى ولا جالستها .. تخيلت ذلك كله حتى توهم القارئ انني اتحدث عن اشخاص حقيقيين

* ـ كانت روايتك " العيون السود" رواية المكان بامتياز، ويسجل لك هذه الدقة ومعرفة تضاريس غزة وحاراتها في هذه الرواية؟

كان لابد من القراءة المكثفة عن جغرافيا غزة وحاراتها وأزقتها وشوارعها قبل كتابة الرواية وقد ساعدتني كثيرا المنشورات التي أصدرتها المقاومة الفلسطينية إبان انتفاضة الأقصى الثانية.. وذكر هذه المواقع والحارات هي التي سكبت على الرواية حيوية ساعدت ان تكون قريبة من القراء .. وهذا ضروري في روايات المتعلقة بأحداث الأماكن.

 

* لماذا تركت بطلة الرواية "الحبيبة" تقتل في النهاية ولا يكتب لها الزواج؟

في رواية العيون السود عشنا مع البطلة التي تمثل فتيات فلسطين المقاومة.. التي قتلت غيلة ككثير من المناضلات الفلسطينيات اللواتي قدمن دماءهن.. وارى انني فعلت ذلك كي ابين فداحة المأساة التي يعيشها الفلسطينيون.. العدو يقتل أحلى ماعند الفلسطينيين واعز ما لديهم.. ظننت ان لو كانت النهاية زواج البطلة فستكون نهاية باردة لا تعبر عن فداحة الظلم وجرائم الاحتلال.. والفت الى انني لم افكر بالأمر عند كتابة الرواية فقد كنت انساق مع الحدث وتركت البطلة تموت لأنها النهاية الطبيعية هنا.

 

* ـ تأخذ اعمالك منحا وعظيا وقد يصل حد المباشرة أحيانا كما في روايتيك "غرباء في سلة واحدة" أو سمية؟

الوعظ المباشر في الرواية عيب مشين، وخصوصا ان كان مباشراً، واذا كنت قد لحظت ذلك بوصفك قارئا او ناقدا فهذا سيفيدني جدا في الأعمال القادمة ... ومن يدري فربما لا استطيع التخلص من هذه المنقصة فالكاتب يقدم نفسه لقرائه ويفضح عيوبه بنفسه أحيانا كثيرة. أتمنى أن اتغلب على تلك المنقصة.

*انتقد البعض اسلوبك بالكتابة وتأثرك بأسلوب طه حسين.. ماقولك؟

قد يكون هذا صحيحا في مجال الكتابة الأدبية وخصوصا الرواية، حيث تفتحت قراءاتي فيها على طه حسين واعجبت به كثيرا، وربما دخل الي منه شيء ما دون ان اتكلفه، ولكن أين كتابتي من كتابة طه حسين على عبقرية أسلوبه، يريد هذا أن يقول إن أسلوب ذلك الأديب قد أنتهى واهترأ، وانت لم تتجدد كما ينبغي.. فإنني أقول لا يمكن لكاتب ان يختار أسلوبه، أسلوبه يشبه شكله فهل يستطيع أحد ان يغير من خلقته التي فطره الله عليها.

 

* ـ هل يمكن ادراج اعمالك ضمن الأدب الإسلامي الجديد.. وكيف ترى واقع هذا الأدب ومستقبله؟

أزعم ذلك وأنا عضو في رابطة الأدب الإسلامي العالمية واكتب من هذا المنطلق.. الأدب الإسلامي في جهاد اليوم، جهاد الكلمة يثبت موقفه تجاه أدب ما يسمى الحداثة او الأدب المكشوف أو أدب الجسد.. وأرجو أن يكون مستقبله خيرا من واقعه.. إنه يحتاج إلى أقلام كثيرة متنوعة ليتفوق.

* ـ بعيدا عن الروايات هل يمكن ان تحدثنا عن كتابك " إتمام الأعلام" وإلى أي مدى استطعت محاكاة خير الدين الزركلي في كتابه الأعلام؟

أول اشتغالي بالكتابة كان في سير وأول الكتب التي حققتها كان كتاب علماء الصالحية للقرن السادس الهجري، ثم عملت في سير علماء دمشق للقرون الهجرية الحادي عشر حتى الخامس عشر...

اما العمل في "إتمام الأعلام" فكان شيئا اخر، حيث إن متابعة خير الدين الزركلي في كتابه "الاعلام" فأمر صعب للغاية. كتاب الزركلي أحد أهم عشرة كتب ألفت في القرن العشرين، وقد أنفق عليه صاحبه من عمره نحو 60 سنة، ظهر فيه أدبه العالي وعلمه الواسع، وقد رسخ لمدرسة في التاريخ فريدة وكل من جاء بعده تتلمذ عليه. ونادرا ما يستطيع أحد ان يسير على خطاه في دقة العبارة واختصارها وشمول المعلومة. لكن الزركلي توقف عند عام 1975 وما زال كتابه مهماً حتى اليوم. كانت متابعة الزركلي مغامرة اشتغلت عليها انا وزميلي رياض المالح رحمه الله فأنجزنا الطبعة الأولى واقبل القراء على الكتاب، وها انا ذا انهيت الاعداد للطبعة الرابعة.. ولا أقول انني وصلت الى مستوى الزركلي ذلك العملاق ولكنني ترسمت طريقه قدر المستطاع.

*سؤال يطرح نفسه ما الذي تقدمه كتب او سير الأعلام في وجود الانترنت اليوم والتي تضخ معلومات واسعة عن الأعلام؟

ان في الانترنت معلومات شتى كثيرة جداً وقد تأتي تلك المعلومات مشتتة، بينما اختزل أنا المعلومة وقدمت الضروري منها كما قدمت أيضا حكماً على الشخصية التي أتناولها تفيد المستعجل وتعطي صورة متكاملة على قصرها. ويمكن القول ان الاقبال على كتابي ونفاذه من السواق دليل نجاحه على ما اظن والحمد لله.

 

 

*ـ ونحن في رحاب السنة الهجرية الجديدة.. هل يمكن ان تحدثنا عن موسوعة السيرة التي أصدرتها بعنوان رسول الإنسانية.. وبماذا تختلف عن غيرها من كتب السيرة؟

لا أخفيك أنني كنت لا أطمع في الكتابة بالسيرة بعدما كتب فيها كبار الأدباء و أصدروا فيها أعمالا رائعة. وللمصادفة أصدرت كتاباً بعنوان في بيت الرسول (ص) صورت فيها حياته عليه السلام في البيوت التي عاش فيها منذ كان صغيرا حتى توفي. فأعجب العمل الأستاذ محمد عدنان سالم المدير العام لدار الفكر وشجع العمل وأصدره وشيكا ثم اقترح أن أتابع الكتابة في السيرة بحسب الموضوعات وليس بحسب تسلسل الحوادث؛ وهذا بالفعل مايميز الموسوعة عن غيرها من كتب السيرة...  وأزعم أن هذه المعالجة للسيرة جاء جديدا، كما ان الأسلوب الذي تناولته الموسوعة، أسلوب أدبي سهل. وقد ترجمت الموسوعة الى اللغة الاندونيسية 

المصدر: 
جريدة " الوطن" العمانية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

3 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.