أحدهم يذبح 25 بقرة يوميا للفقراء وآخر يوزع عليهم 24 ألف رغيف.. كيف استقبل المسلمون رمضان؟ جزء1

الخميس, April 30, 2020
كاتب المقالة: 

كان استعداد المسلمين لمقدم رمضان على مرّ تاريخهم أمرا لافتا للنظر؛ فقد ارتبط شهره عندهم بالنور مبكرا حين بدأ المسلمون بإنارة المساجد والشوارع في رمضان توخيًّا للأنس بالشهر، وانطلقت العادات الرمضانية تترسخ من مراسم تحري مطالع الهلال إلى انعقاد مجالس الذكر والتعلم، وصولا إلى تمدد الموائد وتعدد مظاهر التواصل الاجتماعي، فضلا عن الألق الروحي الذي اشتهرت به حياة المسلمين في هذا الشهر القرآني.

وحتى اللحظة التي ينشر فيها هذا المقال؛ ما زال الوصل قائما بين مواطن الأنس الرمضاني قديما وحديثا، فكل مدينة عربية أو إسلامية لا تحرم نفسها من نصيبها في عادات رمضان المميزة له. وهذا المقال يحاول أن يمزج بين المأثور الديني والاجتماعي والثقافي الذي ساد شهور رمضان طوال القرون، عبر رصد واسع يحشد عددا من القصص والروايات التي يمكن من خلالها أن ننفذ إلى السلوكيات الرمضانية التي عاشها المسلمون في أقطار العالم مشرقًا ومغربًا.

مراسم التحري
يرتبط الشهر العربي بمقدم الهلال وظهور علاماته، وكذا صومُ رمضان لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في صحيحيْ البخاري ومسلم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ». ولهذا كان المسلمون يتحرّون رؤية هلال رمضان بصورة دقيقة وبحسب إمكانياتهم في كل بلدة وقُطر، واختاروا لذلك العدول من المسلمين الذين لا يُتهمون بالكذب والتدليس، ثم تطور الأمر مع مجيء العصر العباسي حتى أصبح القضاة من جملة الحاضرين على رأس مراسم رؤية الهلال والشهادة عليه.

فقد أخبرنا ابن خلّكان (ت 681هـ) -في ‘وفيات الأعيان‘- أن محدّث مصر عبد الله بن لهيعة الحضرمي (ت 172هـ) -الذي عينه الخليفة العباسي المنصور (158هـ) سنة 155هـ قاضيًا بمصر- كان "أول قاضٍ حضر لنظر الهلال في شهر رمضان، واستمر القُضاة عليه إلى الآن". واستمرت تلك العادة -على الأقل- حتى أواسط القرن الثامن الهجري؛ فقد جاء الرحالة المغربي ابن بطوطة (ت 779هـ) إلى مصر عام 725هـ فشاهد المراسيم الخاصّة بظاهرة تحري هلال رمضان في مدينة أبيار شمالي مصر، حين نزل في ضيافة قاضي تلك المدينة عز الدين المليجي الشافعي (ت 793هـ).

يقول في رحلته: "حضرتُ عنده مرة ‘يوم الركبة‘ وهم يُسمون بذلك يوم ارتقاب هلال رمضان. وعادتهم فيه أن يجتمع فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين لشعبان بدار القاضي...، فإذا تكاملوا هنالك ركب القاضي وركب مَن معه أجمعين، وتبِعهم جميع مَن بالمدينة من الرجال والنساء والعبيد والصبيان، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة، وهو مُرتقب الهلال عندهم، وقد فُرش ذلك الموضع بالبُسط والفُرش فينزل فيه القاضي ومن معه فيرتقبون الهلال، ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب، وبين أيديهم الشمعُ والمشاعل والفوانيس، ويُوقد أهل الحوانيت بحوانيتهم الشمع، ويَصل الناس مع القاضي إلى داره ثم ينصرفون، هكذا فِعلهم كل سنة".

لى أن قُضاة بغداد مثلا كانوا يعتمدون على شهود العيان ولا يخرجون بأنفسهم لتحري الهلال كما يفعل غيرهم؛ فقد ذكر الذهبي (ت 748هـ) -في ‘تاريخ الإسلام‘- أنه في 624هـ اعتمد قاضي القضاة عماد الدين أبو صالح نصر بن عبد الرزاق الجيلي البغدادي (ت 633هـ) على شهادة اثنين من أهل بغداد، وفي "ثاني ليلة رُقب الهلال فلم يُرَ، ولاح خطأ الشهود، وأفطر قومٌ من أصحاب أبي صالح [القاضي]، فأمسكوا ستّة من أعيانهم فاعترفوا، فعُزّروا بالدِّرة وحُبسوا، ثم أُخذ الذين شهدوا فحُبسوا وضُرب كل واحد خمسين". وبسبب هذا الخطأ ثارت الجماهير على القاضي حتى "احتمى أبو صالح بالرُّصافة [ببغداد] في بيت حائكٍ، واجتمع عنده خلقٌ من باب الأزَج فمُنعوا من الدخول إليه، ثم أُطلق بعد انسلاخ شوّال".

وقد يترافق مقدم رمضان مع ظروف جوية شديدة الغيم تحجب رؤية هلاله فتوقع الناس في إشكال وارتباك، ومن أغرب نماذج ذلك ما حكاه المقريزي (ت 845هـ) -في ‘السلوك لمعرفة دول الملوك‘- من "أن أهل مدينة غرناطة بالأندلس صاموا شهر رمضان (سنة 702هـ) ستة وعشرين يوما، وذلك أن الغيوم تراكمت عندهم عدة أشهر قبل رمضان، فلما كانت ليلة السابع والعشرين طلعوا المأذنة ليوقدوها على العادة، فإذا الغيوم قد أقلعت وظهر الهلال فأفطروا"!

وكانت بعض المواقف الطريفة تقع عند رؤية الهلال، فمن جملة ما وقع فيها ما أورده ابن خلكان من أن الصحابي الجليل أنس بن مالك (ت 93هـ) خرج مع جماعة من الناس لتحري الهلال، وكان قد بلغ من العمر مئة عام حينذاك؛ "فقال أنس: قد رأيتُه، هو ذاك! وجعل يشير إليه فلا يَرونه، ونظر إياس (بن معاوية المزني قاضي البصرة المتوفى 122هـ) إلى أنس وإذا شعرة من حاجبه قد انثنَت [على عينه فظنها من أمارات الهلال]، فمسحها إياس وسوّاها بحاجبه، ثم قال له: يا أبا حمزة، أرنا موضع الهلال! فجعل ينظرُ ويقول ما أراهُ"! وروى أيضا أن رجلا حادّ البصر رأى هلال رمضان في البصرة حتى "رآه معه غيره وعاينوه، فلما كان هلال الفطر جاز الجمّاز (= محمد بن عمرو البصري المتوفى 250هـ) صاحب النوادر (= الطرائف) إلى ذلك الرجل، فدّق عليه الباب فقال: قُم أخرجنا مما أدخلتنا فيه"!!

زينة وتجمّل
وكان من عادة الناس في استقبال الشهر الكريم تزيين بيوتهم ومدنهم والتجمّل الزائد له؛ فالرحالة المقدسي البشاري (ت نحو 380هـ) يخبرنا -في ‘أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم‘- أن أهل عدن باليمن "يزيّنون السطوح قبل رمضان بيومين، ويضربون عليها الدبادب (= الطبول)؛ فإذا دخل رمضان اجتمع رُفُقٌ (= جماعات) يدورون عند السحر يقرؤون القصائد إلى آخر الليل".

ويفيدنا نص البشاري هذا بأن الاحتفاء بمقدم الشهر الكريم وصل إلى حد ضرب الطبول، ثم تطور ذلك -في القرون الأخيرة مع العثمانيين- إلى ما أصبح يُسمى "مدفع رمضان" الذي تُضرب طلقاته عند وقت الإفطار. ويبدو أنه كان يطلق أيضا في أوقات السحور؛ فشهاب الدين الحلاق البديري (ت بعد 1175هـ) يخبرنا -في كتابه ‘حوادث دمشق اليومية‘ أنه في سنة 1155هـ "كان هلال رمضان.. وأشعلِت القناديل في سائر مآذن الشام، وضُربت ‘مدافع الإثبات‘ في منتصف الليل، وحصل للناس زحمة في حركة السحور، حتى فُتحت دكاكين الطعام ليلا كالخبازين والسمانين".

وكانت أهم تلك العادات تزيين وإنارة المساجد والجوامع؛ فقد ذكر ابن عساكر (ت 571هـ) -في ‘تاريخ دمشق‘- أن عمر رضي الله عنه كان أول من أنار المساجد للقناديل في الإسلام، فقد "مرّ علي بن أبي طالب على المساجد في شهر رمضان وفيها القناديل، فقال: نوّر اللهُ على عُمر في قبره كما نوّر علينا مساجدنا". كما جرت العادة بتطييب المسجد النبوي وتبخيره؛ يقول ابن سعد (ت 230هـ) في ‘الطبقات الكبرى‘: "إن الولاة قبل عمر بن عبد العزيز (ت 101هـ) كانوا يجرون على إجمار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للجُمع وتطييبه في شهر رمضان من العُشر والصدقة"، إلا أن عمر بن عبد العزيز قرر قطع هذه العادة توفيرًا لأموال المسلمين

ومنذ أيام الصحابة؛ ارتبط رمضان أيضا بالموعد السنوي لتغيير كساء الكعبة المشرفة، فكانت العادة -كما يقول الأزرقي (ت 250هـ) في ‘أخبار مكة‘- أن "تُكسى الكعبة القَباطي في آخر شهر رمضان"، منذ زمن معاوية بن أبي سفيان (ت 60هـ)، و"القباطي" نوع من الثياب كان يُحاك في مصر منذ عصر الخليفة الفاروق.

وحرص الخلفاء والولاة على عادة تزيين المساجد وزيادة أنوارها وشموعها وطيبها في رمضان؛ إذ أمر الخليفة العباسي المأمون (ت 218هـ) في مستهل رمضان كاتبه أحمد بن يوسف أن يكتب على لسانه رسالة إلى ولاته وعُماله في الأقاليم. يقول ابن يوسف فيما يحكيه عنه ابن طيفور (ت 280هـ) في ‘كتاب بغداد‘: "أمرني المأمون أن أكتب لجميع العمال في أخذ الناس بالاستكثار من المصابيح في شهر رمضان، وتعريفهم ما في ذلك من الفضل، فما دريت ما أكتب ولا ما أقول في ذلك؛ إذ لم يسبقني إليه أحد فأسلكُ طريقه ومذهبه...، فأتاني آتٍ فقال: قل: فإن في ذلك أُنسًا للسائلة، وإضاءة للمجتهدين، ونفيًا لمظان الريب، وتنزيها لبيوت الله من وحشة الظّلمة. فكتبت هذا الكلام وغيره مما هو في معناه". وفي ‘زهر الآداب‘ للحُصْري القيرواني (ت 453هـ) أنه كتب: "فإنها إضاءة للمتهجدين..، وأنْسا للسابلة..، فأخبرت بذلك المأمون فاستظرفه، وأمر أن تُمضى الكتب عليه".

قناديل وطبول
أما وزير الأندلس الأشهر ومدبر أمرها للأمويين المنصور بن أبي عامر (ت 392هـ) فكانت عادته الاهتمام بجامع قرطبة الكبير في رمضان، فكان يرسل إليه كما يقول ابن عذاري (ت نحو 695هـ) في ‘البيان المُغرب‘: "من الكتَّان للفتائل في كُل شهر رمضان ثلاثة أرباع القنطار؛ وجميع ما يحتاج إليه الجامع من الزيت في السنة خمسمئة ربع أو نحوها؛ يصرف منه في رمضان خاصة نحو نصف العدد. ومما كان يختص برمضان المعظم ثلاثة قناطير من الشمع، وثلاثة أرباع القنطار من الكتان المقصر لإقامة الشمع المذكور؛ والكبيرة من الشمع تُوقد بجانب الإمام؛ يكون وزنها من خمسين إلى ستين رطلا (من 22 إلى 32 كغ)، يحترق بعضها بطُول الشهر، ويعم الحرق لجميعها ليلة الختمة".

كما حرص الفاطميون على إضاءة الجوامع الكبيرة في القاهرة -مثل الأزهر والمسجد الحاكمي وجامع راشدة- لا سيما في رمضان المبارك، حتى إن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله (ت بعد 411هـ) كان مما جاء في وقفيته على الأزهر التي حفظ لنا مضمونها المقريزي في ‘المواعظ والاعتبار‘: "فللجامع الأزهر تَنّوران وسبعة وعشرون قنديلاً، ومنها لجامع راشدة تنور واثنا عشر قنديلا، وشرط أن تُعلق في شهر رمضان وتُعاد إلى مكان جرت عادتها أن تُحفظ به".

وتأتي عادة الفاطميين في إنارة الجوامع في رمضان ضمن تقليدهم السنوي الذي يسميه المقريزي -في ‘الخطط‘- "كشف المساجد" الذي ينفذ قُبيل دخول رمضان، ووصفه ابن حجر (ت 852هـ) -في ‘رفع الإصر‘ بأنه "يوم طواف المساجد والجوامع قبل رمضان بيومين". وكان هذا التقليد يشهد احتفاء شعبيا به لكونه يختتم بوليمة فاخرة؛ فقد قال إن "القضاة بمصر إذا بقي لشهر رمضان ثلاثة أيام، طافوا يوما على المشاهد والمساجد بالقاهرة ومصر، فيبدؤون بجامع المقس، ثم بجوامع القاهرة...، لنظر حُصُر ذلك، وقناديله، وعمارته، وإزالة شعثه. وكان أكثر الناس ممن يلوذ بباب الحكم والشهود، والطفيليون يتعينون لذلك اليوم والطواف مع القاضي لحضور السماط".

وقد أضحت عادة تجديد صيانة المساجد وتعميرها وإمدادها بكل ما تحتاجه في رمضان من العادات اللازمة الجارية في أقطار الإسلام المختلفة، حتى إن الرحالة الأندلسي الشهير ابن جبير البلنسي (ت 582هـ) يقول -في رحلته- عن مظاهر ذلك في المسجد الحرام: "ووقع الاحتفالُ في المسجد الحرام لهذا الشهر المبارك، وحق ذلك مِن تجديد الحُصر، وتكثير الشمع والمشاعيل، وغير ذلك من الآلات حتى تلألأ الحرم نورًا، وسطع ضياءً".

وتواصلت تلك العادة حتى رصدها لاحقا ابن بطوطة -في رحلته- بقوله: "إذا أهلَّ هلال رمضان تُضرب الطبول والدّبادب عند أمير مكة، ويقع الاحتفال بالمسجد الحرام مِن تجديد الحُصر، وتكثير الشمع والمشاعل حتى يتلألأ الحرام نورًا، ويسطع بهجة وإشراقا، وتتفرق الأئمة فرقا، وهم الشافعية والحنفية والحنبلية والزيدية، وأما المالكية فيجتمعون على أربعة من القراء: يتناوبون القراءة ويوقدون الشمع، ولا تبقى في الحرم زاوية ولا ناحية إلا وفيها قارئ يُصلي بجماعته، فيرتجّ المسجد لأصوات القراء، وترقّ النفوس، وتحضر القلوب، وتهْمِل (= تدمع) الأعين".

 

تلاوة وتفرّغ
ولئن تنافس الخلفاء والولاة في تزيين وإضاءة الجوامع وتهيئتها للقائمين والراكعين؛ فقد تسابقت الأمة جيلاً بعد جيل في عمل الطاعات والصالحات لاسيما في رمضان استنانا بفعل النبي (ص) والصحابة، وعلى رأس ذلك قراءة القرآن الكريم. فقد نقل أبو عثمان الجوزجاني (ت 227هـ) -في كتابه ‘التفسير من سنن سعيد بن منصور‘- عن التابعي الأسود بن يزيد النخعي (ت 75هـ) أنه كان "يختم القرآن في شهر رمضان في كل ليلتين، وينام فيما بين المغرب والعشاء"، ثم يستكمل برنامجه اليومي الحافل بأعمال الخير والبر.

المصدر: الجزيرة نت

المصدر: 
الجزيرة نت
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.