الشخصية العربية وأزمة النهضة 2/2

الاثنين, September 14, 2020

ثالثًا:سمات الشخصية العربية..1-غلبة العاطفة وغياب العقلانية:يغلب على العقل العربي النزعة العاطفية، حيث تصبح هي المحركة لسلوكه والمحددة لمواقفه؛ فالعلاقات غالبًا في إطار المجتمع العربي تحكمها المعايير الشخصية، وتتحكم مشاعر الحب والكره والانتماء الديني والقبلي والوطني في الممارسات والمواقف أكثر مما يتحكم فيها المنطق والعقل، فالوهم والخرافة في مجتمعاتنا قادرة على أن تتحكم فيها وتشكل أفكارها وتحدد سلوكها بقدر ما تتحكم فيها الحقائق، بل ربما أكثر، والشخصية العربية بطبيعتها تميل إلى الارتجالية، وتتهرب من النظام قدر الإمكان، ولا تعطي قيمة للأسباب بقدر ما تعطيها لأمور خارجة عن الإرادة كأن تميل إلى تفسير أسباب المشكلات، إما إلى مؤامرات خارجية أو قوى غير طبيعية وهكذا، ويؤدي هذا النمط من التفكير إلى غياب الحقيقة عن حياتنا بشكل كبير بسبب غياب المنطق، أو تغييبه في تفكيرنا وفي حكمنا على الأشياء وتقديرنا للأمور، كما يؤدي إلى السطحية في تشخيص المشكلات وعدم القدرة بالتالي على الوصول إلى حلول جذرية وناجحة لها.

 

2 ــ النوستالجيا والتمسك بالماضي:

من سمات الشخصية العربية كذلك هو ذلك الحنين دومًا إلى الماضي، والرغبة في استعادة أمجاده والنظر إليه، باعتباره النموذج المثالي الذي يتمنى أن يعود، ورغم بروز هذه السمة في التيارات الإسلامية بشكل كبير من حيث تمسكها بالتجربة التاريخية للدولة الإسلامية، ووقوفها على اجتهادات الفقه القديم واعتبارها بأن ذلك هو أقصى ما يمكن الوصول إليه، إلا أن الناظر في أحوال المجتمع العربي يرى أن الحنين إلى الماضي ورؤيته بصورة مثالية هو سمت الغالبية العظمى من أبناء هذا المجتمع، وقد تناول العديد من المفكرين هذه السمة، فيقول علي أحمد سعيد(أدونيس) بأن "شخصية العربي كثقافته تتمحور حول الماضي"[3]، كما يصف هذه السمة أيضًا الدكتور سيد عويس قائلًا: "إننا كشعب، على وجه العموم، نعيش في الماضي ... كما نعيش في الحاضر أكثر مما نعيش في المستقبل"[4]، وربما يأتي هذا الشعور بالحنين إلى الماضي وضرورة التمترس خلف أسواره إلى الرغبة في الهروب من الواقع والتخفيف من قسوة الإحساس بالعجز وضعف الإرادة تجاه المشكلات القائمة، وعدم القدرة على تحقيق تقدم يعمل على التقليل من تلك الهوة الحضارية التي يقع فيها المجتمع.

 

3 ــ  نقصان التقدير الذاتي:

ربما يعود السبب في الكثير من المشكلات والظواهر الموجودة في المجتمع إلى سبب خفي، وهو امتهان الإنسان وعدم الشعور بقيمته في المطلق؛ فكثيرًا ما نجد في مواقف كثيرة وبصور مختلفة أن يتم معاملة الفرد في المجتمع بشكل يفتقد إلى الاحترام والتقدير، وقد يصل في بعض المواقف إلى حد الإيذاء البدني أو الاعتداء على الحياة نفسها، فقد نجد هذا السمت في تعامل الأفراد مع بعضهم البعض أو نجده في تعامل الدولة ومؤسساتها مع الأفراد، وقد يفسر البعض كل موقف من هذه المواقف على حدة؛ فتارة يفسرها بغياب الديمقراطية أو بسبب الفساد في قطاع ما، أو داخل مؤسسة بعينها، لكن أظن أن الأمر أعمق من هذا، فربما تجد نفس الفرد الذي تم الاعتداء على كرامته أو على بدنه في موقف ما يقوم هو الآخر بنفس التصرف في موقف مختلف، إذا ما أُتيحت له الفرصة، وهذا ما يجعلنا نفسر الأمر بأن الفرد في المجتمع العربي يفتقد إلى احترام الإنسان في المطلق ككائن خلقه الله مكرمًا أيّا ما كان أصله أو شكله أو ديانته.

 

4 ـــ تقديم القوة على المعرفة:

يسود داخل المجتمع العربي نظرة خاصة نحو مفهوم القوة، فتتمثل غالبًا في القوة المادية التي تعتمد على قوة السلاح أو العضلات أو المال، وربما يفسر لنا هذا جانبًا من سيطرة مفهوم الجهاد لدى التيار الإسلامي برمته حتى الآن، والذي لازال يرى أن امتلاك القوة المادية، سواء على مستوى الجماعة أو الدولة هي التي ستحقق له السيادة والتقدم على الآخر، وعدم نظرته للجهاد على أنه وسيلة، وليس هدفًا في حد ذاته، وأنه في العصر الحالي توجد العديد من الوسائل لنشر الدين وتعريف الآخر به غير وسيلة الغزو ودخول البلدان الأخرى لنشر الدين عن طريقه، ولازال الشعور بأن امتلاك القوة المادية هو رمزٌ للعزة والكرامة، بينما يقل في المقابل تقدير العلم والمعرفة وعدم اعتبارها أنها في الوقت الحالي هي السبيل للتقدم والوسيلة للسيطرة وتحقيق النهضة بشكل أساسي، وقد تحدث عن هذا الأمر عالم الاجتماع الأمريكي تالكوت بارسونز Talcott Parsons في إطار نظريته عن الفعل، حيث حدد أربعة عناصر يتكون منها نسق أي فعل، وهي: الجسد والشخصية والمجتمع والثقافة، ويقول بأن نسق الفعل الذي يملك قدرًا أكبر من الثقافة يتحكم ويسيطر على النسق الذي يمتلك قدرًا أكبر من الطاقة والمعبر عنها في النظرية بالجسد[5]، وهكذا فإن الدول التي تملك قدرًا أكبر من الثقافة والمعرفة، تستطيع أن تسيطر على تلك التي تمتلك قدرًا أقل، ولو امتلكت قدرًا من الطاقة أو القوة.

من سمات الشخصية العربية كذلك هو ذلك الحنين دومًا إلى الماضي، والرغبة في استعادة أمجاده والنظر إليه، باعتباره النموذج المثالي الذي يتمنى أن يعود

5- الطبيعة المحافظة والنزعة السلفية:

نقصد هنا بالطبيعة المحافظة والنزعة السلفية نمطا معينا من التفكير، وليس مجرد خيارات فقهية، وهذه الطبيعة المحافظة موجودة في كل المجتمعات، وفي كل الأزمنة وتمثلها اتجاهات معينة، وهذا النمط له عدة مظاهر؛ منها التمسك بالسائد وتعظيم الموروث، ورفض التغيير بدرجة كبيرة، كما يرفض أصحاب هذا النمط الفكر النقدي والتغيير الثوري الجذري، ويسعى دائمًا إلى الحفاظ على الأوضاع القائمة والوقوف ضد محاولات تغييرها أو تطويرها، وهذا النمط من التفكير يعد هو النمط السائد بشكل كبير في المجتمع العربي، ولا يقتصر فقط على التيارات الإسلامية، ولكنه نمط تشترك فيه العديد من التيارات وشرائح واسعة من المجتمع، حتى وإن بدا بأشكال مختلفة، وقد يعود هذا الأمر إلى سيطرة التيار المحافظ من بدايات الدولة الإسلامية، عندما انتصر المذهب الحنبلي الذي يأخذ بظاهر النصوص، ويرفض التأويل وإعمال العقل في تفسيرها، على التيار العقلاني الذي يتمثل في المعتزلة الذين يعلون من قيمة العقل، نتيجة أسباب عديدة من ضمنها تدخل الإرادة السياسية التي كانت في جانب الاتجاه المحافظ في وقت من الأوقات، والتي ساهمت في تقويض المذهب المعتزلي، وانحسار انتشاره، وسيادة النزعة السلفية والفكر المحافظ في الأمة، ولذلك فالمجتمع العربي في عمومه يتسم بهذه النزعة السلفية، ويسيطر عليه النمط المحافظ، الذي يرفض التغيير ويعتبره هدمًا للثوابت، وإن كان لا يلتزم بها على الجانب الفردي بالضرورة؛ فالعقل العربي عمومًا يكتفي بظواهر الأمور في كل شيء، ولم يعتد على الولوج على العمق، وربما يخاف من ذلك حتى لا يصدم في قناعاته ولا أفكاره التي تشكل عقله، فهو عقل لا يجرؤ على طرح الأسئلة، ويزهد في غير المعتاد بالنسبة إليه، ويسعى دائمًا إلى الاستقرار في مكانه ولو كان في القاع!

ولازال الشعور بأن امتلاك القوة المادية هو رمزٌ للعزة والكرامة، بينما يقل في المقابل تقدير العلم والمعرفة

6- تقديس الاشخاص والأفكار:

تأتي هذه السمة كنتيجة للسمات السابقة، فالعقل العربي يفتقر إلى الشعور بالنجاح والقوة، ويشعر بالعجز والخوف باستمرار، ومن ثم يبحث عن بعض العلامات التي يهتدي بها، وتمنحه شعورًا بالوجود والقيمة، كما أنه عاجز عن إنتاج المعرفة وتحقيق إنجازات حقيقية؛ ولذلك فهو دائمًا ما يحمل قدرًا زائدًا من التقدير، والذي يصل إلى حد التقديس، لبعض الأشخاص الذين يمثلون في تاريخه علامة بارزة، ولما يحملونه من أفكار كذلك. غير أن التقدير هو حالة موضوعية تتسم بالاتزان، لا تقوم على الاتّباع الأعمى والثقة المطلقة، ولا تمنع من المراجعة والمخالفة، ولا تتصف بالمبالغة الشديدة في الإيجابيات، ولا تتغافل عن السلبيات، بينما التقديس يضع هالة حول الشخص أو الفكرة يحول دون رؤية عيوبها وأوجه قصورها، كما يحول دون نقدها ومخالفتها، بل ويجعلها من المحرمات!

 فالنهضة تحتاج إلى امتلاك الجرأة على التفكير أولًا، تحتاج إلى ذلك العقل الواعي القادر على إدراك واقعه ومعطياته وتحدياته، القادر على تشخيص مشكلاته بشكل دقيق

رابعًا: علاقة الشخصية العربية بتعثر النهضة

تتمثل هذه العلاقة ببساطة في غياب المقومات اللازمة للتغيير والنهضة، والتي تتعلق بشكل أساسي بالمقومات الفكرية والنفسية للفرد، وليس فقط بالمقومات المادية؛ فالنهضة تحتاج إلى امتلاك الجرأة على التفكير أولًا، تحتاج إلى ذلك العقل الواعي القادر على إدراك واقعه ومعطياته وتحدياته، القادر على تشخيص مشكلاته بشكل دقيق، تحتاج إلى عقل قادر على ممارسة النقد الذاتي لأقصى درجة، بهدف الوصول إلى الحقائق لا مجرد الاكتفاء بالأوهام التي تجعله يتقبل واقعه ويتغافل عن مشكلاته وعيوبه وأسبابها، تحتاج النهضة إلى القدرة على التجديد، والتجديد لا يأتي إلا من خلال إدراك الماضي ودراسته بعين ناقدة ونفس بعيدة عن التحيز ونظرة موضوعية تبتعد عن إضفاء هالات القداسة على الأفكار والأشخاص، النهضة تحتاج إلى قدرة على اكتساب العلم والمعرفة، وعلى إنتاجهما واستخدامهما، وقبل ذلك على تقدير قيمة المعرفة والنظر إليها على أنها أساس التقدم في العصر الحديث، كما تحتاج النهضة بشكل ضروري إلى حركة تجديد وإصلاح دينية حقيقية وجادة وواعية، وإلى توفير مناخ من التفاهم والحوار والقدرة على التعايش ونزع فتيل الاستقطاب والتصدع الداخلي في المجتمع.

خاتمة:

من خلال المحاور السابقة، والتي حاولنا من خلالها البحث عن العلاقة بين طبيعة الشخصية العربية والنهضة المتعثرة في المجتمع العربي، والتي بدأت المحاولات التي تسعى إلى تحقيقها منذ بدايات القرن التاسع عشر في المشرق العربي، وتحديدًا منذ قدوم الحملة الفرنسية إلى مصر، وملاحظة الفجوة الكبيرة بين الواقع العربي والغربي، والانتباه لأهمية البعد الثقافي وعلاقته بهذا الواقع المأزوم، وتبين لنا أنه هناك سمات مشتركة للشخصية العربية تمثل خطًا رئيسا لا ينفي وجود العديد من الخطوط الفرعية الأخرى التي تميز كل مجتمع قطري عن الآخر، وتميز بعض الجماعات داخل المجتمع القطري ذاته، ورأينا أن الشخصية القومية، رغم اعتراض البعض عليها، إلا أنها حقيقة واقعية تم إثباتها من خلال العديد من الدراسات الميدانية، ثم رأينا أن الشخصية العربية تتسم ببعض السمات التي تقف عائقًا أمام نهضة المجتمع، وتجعلها عاجزة عن إحداث النهضة والتقدم، وهي أن الشخصية العربية تتحكم فيها العاطفة ويغيب عنها التفكير العقلاني، كما أنها يسيطر عليها الحنين دومًا إلى الماضي، حيث ترى فيه النموذج الأمثل الذي تسعى إلى استعادته، كما أنها تعاني من الشعور بقيمة الفرد بشكل عام، كذلك فهي لا تقدر قيمة العلم والمعرفة ولازالت ترى في القوة المادية العامل الرئيس في التفوق والتقدم، كما أنها تسيطر عليها النزعة المحافظة التي تمنعها من التجديد والتغيير، وأنها تضع هالات من التقديس حول بعض الأشخاص والأفكار، مما يجعلها غير قادرة على تجاوز آراء وأفكار تلك الأشخاص، مما يجعلها أسيرة لمجموعة من القناعات والتصورات؛ كل ذلك يجعل من أمر النهضة العربية أمرًا صعبًا، طالما ظلت الشخصية العربية على تلك الحالة دون تغيير، الأمر الذي يجعلنا نقول بأن أزمة المجتمع العربي هي أزمة اجتماعية بشكل أساسي، وليست أزمة سياسية تتطلب حلولًا سياسية فقط، فهي أزمة تتعلق بفكره وثقافته وطريقة تفكيره وطبيعة علاقاته الاجتماعية، فأزمة المجتمع العربي لا تحتاج لحلول سياسية بقدر ما هي بحاجة إلى تغييرات وإصلاحات اجتماعية وفكرية تتمثل في تغيير ثقافته وقناعاته ومنطلقاته الفكرية، وفي تغيير نظرته إلى نفسه وإلى العالم، إلى الماضي والمستقبل، ولذلك تظل النهضة العربية متعثرة، ويظل الواقع العربي في تأزم طالما ظلت الشخصية العربية تحمل من السمات الفكرية والنفسية، ما يجعلها عاجزة عن تجاوز واقعها وتحقيق نهضتها المنشودة.

رابط المقال

المصدر: 
مؤمنون بلا حدود
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

18 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.