السّجن بِوصْفِه نسقا ثقافيّا في الرواية العربية

الاثنين, April 9, 2018
كاتب المقالة: 

مْنَ القضايا التي شَغلت الّرواية العربيّة ردْحا من الزّمن قَضيّة السّجن والسّياسات الإجراميّة المُستشنعة للجَلاّد السيّاسي، والسّجن لا يُمثّل قضيّة روائيّة فقط بل يُمثّل قضيّة إنسانيّة وتاريخيّة في الآن نفسه لأنّه يتَشكّل كطريقة يَتوخّاها المُبدع لبنَاء عالمه وللتعبير عن واقع ثقَافيّ أي التعبير عن نسقٍ منغرس في تربة واقع تاريخي بعينه وعليه نَفهم السّجن الرّوائي ونُقوّمه داخل نسق ثقافي يتحرّك فيه المبدع والمتلَقي عموما لأنّه يَستدعي وقائع كثيرة تَطفح بعَبَق الثّقافة التي صَدر منها وعنها.
ذَهابا من هذه المُقدمات أعاد الكاتب العربي عبد الرحمن منيف تَشكيل سِيميَاء السّجن وأتاح له رُكوب فضاءات تعبيريّة جديدة وحلّ لجماليّة الرواية العربيّة العقدة الصّعبة حيث هَتَكَ المحظور وخَاض في خطوط لا يُمكن الخوض فيها يَقِينا منه أنّ في السّجن مَوضوعا يَصلحُ للفنّ، وأنّ هذا السّجن العربي المُمتدّ هو النّسق المَسؤول عن تَوجيه حركة الكتَابة السّجنيّة، وأنّ المعنى لا يَطْرأ من الرّواية فقط بل من المُوجهات الخارجيّة التي تُوجّه المُبدع والمُتلقي والرّسالة، لذلك أقام الكاتب خطابه الرّوائي على بَرزَخ قائم بينَ النصّ وخارجه، فأنتَجَ خطابا صَنَع لنفسه جماليتَه الخاصّة جماليّة تأثّرت بحساسيّة النّسق ونَبْضه، والأدب في وجه من وجوهه مُحاولة لفهم النّسق وبَلوَرة موقف منه فتصبح الكتابة – على حدّ عبارة رُولان بارت ـ اختيارا للمجال الذي يُقرّر الكاتب أن يُمَوْضِعَ داخلَه طبيعة لغته وتغدو الأبنية القصصية صدى لبنية ثقافيّة مٌهيمنة. 
وبالنّظر إلى المساحة العريضَة التي يَشغلها السّجن في الرّواية نَستنتج أنّ أدب السّجون وَليدُ كاتب يَكتُبُ دَاخل الأنساق، ونَستنتجُ أيضا أنّ بين هذا السّجن الأدبي المُبدع والسّجن الواقعي عَلاقة جُذُوريّة ومَرجعيّة تاريخيّة يُمكن أن نطمئنّ إليها، لهذا انْشَدّت « شرق المُتوسّط « إلى أجواء ثَقافيّة مخصوصة لأنّ صاحبها وَجد نفسهُ في تَعارض أسَاسي مع ثقافة النظام العربي السّياسي وثقافة العصر وَوُلدَ على عداء سَافر للضّوابط والقيُود والحُدود التي سَيّجَت الشّرق، فَحامَت الرّواية حول نَواة استقطابيّة واحدة هي السّجن بأنواعه « السّياسي والاجتماعي والدّيني «على نَحو تَحوّل معَه هذا السّجن إلى دليل ثقافي واضح واكَبتهُ الرّواية وسَاهمت في إبداعه، وتَحوّل السّجين أيضا إلى مُفرد في صيغَة الجمع، وقَد عبّر عن هذا المعنى عبارة حَدَّثَ بها الطبيب الذي كان يُعالج «رَجَب إسماعيل « نَفسه حينما قال « هَذا واحِدٌ مِنْ شعبِ سَجينِ « (شرق المتوسّط ص 153).
إنّ جَوهر الإبداع بالنسبة إلى الكاتب تَحويل مسالك الثّقافة الرّائجة إلى وسيلة للإبداع، قَضيّة الإبداع بالنّسبة إليه أن تَكون الرّواية عُنصرا في بنيَة هذا الوعي الإنساني، أن تغْتَني الرّواية من تَجارب الجماهير العربيّة في تَوجّهها نحو ضَرورة تَجذير التَّغيير السّياسي والثقافي، أن تكونَ الرّواية مِصبَاحا يُشعّ في ظُلمَة الزّنازين والمَهاجع والسّراديب وبَقايا الإنسان فيها حتّى لكأنّ رَغبَة الكاتب في بَعث السّجن روائيّا هو مُقدمة لِمُوَرَاته وقَبْره بصفة لا رجعة فيها باعتباره المخرج الوحيد لشيء لاَ يُنالُ بغيره، وهذا شيء جعلَ القَارئ يُقبل على الرّواية وعلى سجنها المُبْدَع كَعنصر قوّة وكقوّة رفض وتَحريك في غَضون هذا الشّرق المليء بالسّجون والضّوابط.
وُلدت الرّواية السّجنيّة في جَوّ تَميّز بالتعتيم والكبت والخفَقَان، في جوّ كان الغليان السّياسي فيه في قمّته والعَودة إلى هذا السّجن عودة إلى رَصيد معرفي ونَسق ثقافي لاَ يَلتَزمُ الكاتب بمَراسِيمه ويَسعى إلى تحطيمه وتَخطّيه باعتباره نسقا هيمَن عليه الخوف والخُضوع لسلطة الجلاّد والرّقيب، حيث تَنحسر الحيَاة وتَضيقُ، فكانت الرّواية فكرا له انتمَاؤه الثقافي والجغرافي والتاريخي، وارتَسمت على مساحتها ملاَمح السّجن نَبْتَةَ وَحشيّة لا تتَوقّفُ عن النموّ، وعليه ارتبط السّجن في الرّواية بلحظة معاناة ما وانتظم على ثلاثة أنواع كبرى : في قمّتها السّجن السياسي حيث إطالَة الألسنة ونَهْش الكرامات والأعراض، ثانيا السجن الديني حيث تَكثُر لَوائح النّهي ولَوائح الحلال والحرَام، ثالثا السّجن الاجتماعي حيث الإحساس بالغربة والفَقد وعدَم التَّلاؤم.
تَغدو الكتابة عن السّجن في وجه من وجوههَا تَقْويضا لمقولة الحُدود التي تَضبط كلّ حَيّز، تَقطيعا لأوْصال لهذه السجون وتَمزيقها، كتابة عن الحرّية والمبدأ وإعلاء من شأن الصّمود والإبَاء، وعلى غرار هَذه السجون التي ارتسمت في نصّ الكاتب يَتعايش في عالمه ثلاثَة نَماذج رمزيّة : نَموذج السّجين ونموذج الثّائر التوّاق إلى الانعتاق، ونَموذج اليَائس الحالم الذي يَقرأ في الشّرق وسُجونه مظاهر السّقوط والاحتقان حتّى لَكأنّ هذا الحُلم الذي رَاوَده طَويلا ـ حلم الحُرّية والتحرّر- كَان خِلَّبيّا وسَــيَبْقَى.

المصدر: 
باحث تونسي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

5 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.