DNA الخلية التي تلخّص حياة وتطوّر أي أمّة

الأحد, October 10, 2010
كاتب المقالة: 

جرب هذا الأمر بنفسك.. امشِ في شوارع حارة فقيرة أو غنية.. ستستطيع بعد فترة من السير أن تكتشف طرق عيش سكان هذه الحارة، همومهم ونظافتهم وثقافتهم وأخلاقهم وانتظامهم وأهدافهم في الحياة.. كلها ستراها معكوسة في الشارع.. كذلك الأمر لو انتقلت إلى بلد آخر... فأي بلد سيُختصر كاملاً في مشهد الشارع...

 

لمعت في ذهني فكرة، انطلقت من ذلك الحديث الشريف في أنّ إماطة الأذى عن الطريق يعد شعبة من شعب الإيمان. هذه الإماطة التي تعودنا أن نراها متمثلة بـحجر صغير في وسط الطريق وأن إماطتها لهذه الحجر ستجعلك تجتاز أدنى شعب الإيمان! هكذا نحن جمعينا نرى الموضوع. لكن كالعادة، ثمّة شيءٌ جديد.

القصة تبدأ من اختيار حرف الجر (عن) بدلاً من (في). فكل ما نحن نعمله في حياتنا اليومية هو إماطة الأذى في الطريق. فالعادة هي أننا نسير في الطريق وعندما نرى الأذى الموجود في الطريق والمتمثل دوما ً في أذهاننا على أنه حجر ما فإن إزاحته جانباً سيكفل الموضوع تماماً. لكن القصة لم تروَ هكذا بل قال الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: إماطة الأذى عن الطريق, وهذا يضعنا أمام معانٍ كثيرة.

أولاً، أنّ كلمة الأذى في الحديث جاءت معرّفة وغير معرّفة في آنٍ معاً. فجاءت معرّفة بآل التعريف لأن الأذى بالذات (بكل ما تحمل كلمة أذى من معنى) هي شديدة الوضوح لأي إنسان بالفطرة، أو على الأقل يجب أن تكون كذلك. وغير معرّفة لأن الحديث لم يحدد ماهيّة الأذى، فربما يكون أذى جسدياً كما ربما أن يكون أذى بصرياً أو سمعياً أو بيئياً وذوقياً.. كما أنّ الشيء المهم هو أن نوعية الأذى ستختلف من جيل لآخر، فالأذى الذي تخرجه عوادم السيارات في طرقنا اليوم مثلاً لم تكن موجودة في أثناء زمن الحديث، وبالتالي نجد أن لا جدوى من تحديد نوعية الأذى ما دام معنى الأذى يشمل كل المعاني

بدون استثناء.

ثانياً، حتى نفهم أهمية حرف الجر (عن) لابد لنا من ذكر المثال التالي: قام المهندس بإزالة العقبات الموجودة في المشروع. أي هناك مشروع فيه عقبات، قام المهندس بعد معرفته بوجود العقبات بإزالة تلك العقبات. أما الحالة الثانية: قام المهندس بإزالة العقبات عن المشروع. فهذا يعني أن المهندس قام بإزالة أي عقبة ممكن أن تواجه المشروع. هنا نتكلم عن معالجة العقبة قبل حدوثها ووقوعها، نتكلم هنا عن استمرار بحثك عن أي عقبة ربما سيواجهها المشروع حرصاً منك على سلامة المشروع. تماماً وبذات المعنى نستطيع تطبيقه على الحديث. إماطة الأذى عن الطريق، خوفك من أن يتأذى أي شخص من المارة، وسعيك وتفكيرك الدائم اليومي ليبقى ذلك الشارع (الطريق) بدون أذى. أذى جسدي متمثل بحجر ممكن أن يتعثر بها أو بضجيج ممكن أن يتأذى منها من يسير في الطريق، أو… أو… هنا أصبح اهتمامك بالآخر جزءاً منك ومن تفكيرك اليومي، أن تشعر بالأذى والضرر لأنه يتأذى ويتضرر. وليس فقط أن تشعر بل أن تسعى بكل جهدك لإزالة الأذى. هنا يخرج الموضوع من مجرد واجب وصدقة ويدخل إلى أعمق من ذلك بكثير إلى أدنى أبواب الإيمان. إن الحديث بتعبير صريح يربط أفعالك تجاه الآخرين مع أدنى درجات الإيمان، مع

أول خطوة من مسار الإيمان الطويل.

ثالثاً، كلمة الطريق المذكورة في الحديث تضع النقط على الحروف وتنهي المسألة تماماً، فالطريق كان المقصود منه المكان العام المكتظ بالسكان، تماماً مثل كلمة الشارع لدينا اليوم. لكن شتّان بين ذلك الطريق وبين الشارع لدينا. الطريق الذي أراده الحديث هو الطريق الذي تسير فيه ولا تتأذى لا جسدياً ولا بصرياً ولا سمعياً ولا ذوقياً منه. الطريق الذي كل من يسير فيه يكون همّه الأول أن لا يتأذى الطرف المقابل، حتى ولو كان الذي يسير لا علاقة له بالأذى، لكنه يعلم جيداً أن عدم إماطة الأذى عن الطريق ربما سيهدد إيمانه، كون هذا العمل من أدنى أبواب الإيمان.

الحديث، بالتحديد، يجعل من الطريق مرآة تعكس واقع وحال الشعب الذي يعيش فيه. إنه يختصر المسألة كلها بصورة واحدة، بصورة الشارع وعلاقة من يمرون فيه معاً. لأنه يعلم جيداً أن من يزيل الأذى عن الطريق لابد له أن يكون كذلك في البيت ومكان العمل والعبادة. لا يمكن أن يرائي أبداً في هذا الشيء.

جرب هذا الأمر بنفسك، امشِ في شوارع حارة فقيرة أو غنية، ستستطيع بعد فترة من السير أن تكتشف طرق عيش سكان هذه الحارة. همومهم ونظافتهم وثقافتهم وأخلاقهم وانتظامهم وأهدافهم في الحياة كلها ستراها معكوسة في الشارع. وكذلك الأمر لو انتقلت إلى بلد آخر. فأي بلد سيُختصر كاملاً في مشهد الشارع.

فالحديث الذي تعودنا أن نراه مجرد إزالة حجر عن الطريق، أصبح مرآة للأمة، أصبح تلك الخلية التي تختزن وتختزل القصة بأكملها.

أعلم أن الصورة التي قدّمتها عن ذلك الطريق الذي تسير فيه بدون أن تتأذى جسدياً وبصرياً وسمعياً وذوقياً أشبه بأن يكون مثالياً، إلا أن نظرتك أنت (أقول أنت، لأني أؤمن بإمكانية حدوث تلك المثالية، بل أؤمن تماماً بحدوثها في المستقبل القريب) نعود، إلا أن نظرتك أنت للموضوع على أنه مثالي هذا لا يعني أبداً أنه إذا كان من الصعب الوصول إلى 100% فلا فرق أن نعمل 20%. بل القصة كلها أن تسعى لتعمل وتصل إلى 100% وإن لم تستطع فاسعَ إلى 99% وهكذا. الفكرة ليست إن كان بإمكاننا تطبيق تلك المثالية أم لا، الفكرة هي: هل ستكون واحداً من الذين يساهمون ويبنون ذلك أم لا. إني أعلم تماماً أن تلك المثالية ستنجز معنا أو بدوننا، والفرق الوحيد الذي سيحدث لو انضممنا وساهمنا هو في استعجال الأمر وإمكانية رؤيته بالعين المجردة، وبالتالي جني ثماره.

ولأني لا أكتب لمجرد الكتابة، يجب أن نضع خطوات عملية لتطبيق ما جاء في المقال. فالكلام والأفكار بالعادة لا وزن لهما إن لم يقيّد بالأفعال..

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.