دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

هل بدأت رحلة الهبوط للرواية؟

الأحد, June 20, 2021
كاتب المقالة: 

لم أكن وحدي، فبعد خمسين سنة كلما عادت الذاكرة إلى بداياتي في الكتابة، أجد جميع من كانوا معي أو حولي، كانوا قد بدأوا حياتهم بكتابة القصة القصيرة.. بعضهم استمر فيها باعتبارها ندَّاهته الأولى، مثل سعيد الكفراوي ومحمد المخزنجي، وكثيرون مثلي دخلوا حقل الرواية مبكرا أيضا، وربما في الوقت نفسه الذي كانوا ينشرون فيه القصص القصيرة. الأسماء كثيرة جدا منهم عبده جبير ومحمود الورداني ومحمد المنسي قنديل وجار النبي الحلو، الذي نشر رواياته متأخرا.
من سموهم بالستينيين كان إسهامهم الذي دشنوا أنفسهم به هو القصة القصيرة، ولم يختلف عنهم في البداية غير صنع الله إبراهيم. محمد البساطي وجمال الغيطاني وإبراهيم أصلان وبهاء طاهر ومجيد طوبيا وجميل عطية إبراهيم ومحمد إبراهيم مبروك وغيرهم، دشنوا أنفسهم باعتبارهم كتّاب قصة قصيرة، ثم في السبعينيات وما بعدها بدأت روايات أكثرهم. طبعا لن أستطيع أن أكتب كل الأسماء، فهناك غيرهم من الفنانين مثل عز الدين نجيب وصلاح هاشم ناقد السينما، بدأوا بالقصة القصيرة. لن أستطيع أن أكتب كل الأسماء فليعذرني من لم أكتب اسمه بسبب كثرة الأسماء التي يمكن أن تشغل المقال.
موضوعي هنا هو عن سؤال الرواية.. ولو عدنا إلى زمن أسبق في الخمسينيات سنجد الأمر نفسه حدث مع أسماء مهمة مثل يوسف إدريس الذي كانت كتابته للرواية متأخرة عن قصصه القصيرة. لم تكن الرواية ندّاهة كبيرة، كانت شاطئا لكتاب كبار منذ بداية القرن العشرين فى مصر، لكنهم في النهاية أعداد قليلة قياسا إلى ما يحدث الآن.. عشرة أو عشرين أو حتى ثلاثين، كان منهم من انشغلوا بالدراسات الأخرى أيضا، تاريخية وسياسية وغيرها، فكانت رواياتهم أحادا، رواية أو اثنتين لبعضهم، بينما لاذ آخرون بها مثل نجيب محفوظ ويوسف السباعي وإحسان عبد القدوس أكثر من أي شيء آخر.
كان ما يحدث هو ابن التطور الطبيعي للحياة، والتطور الطبيعي للموهبة التي تأخذ صاحبها إلى ما تريد. مع بداية سبعينيات القرن الماضي اتسع الزمن للرواية أكثر. التطورات والأحداث التي جرت في مصر بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول، والتغير الذي تم فرضه على المجتمع المصري، فاهتز كثيرا، مثل سياسة الانفتاح الاقتصادي التي قلبت الحياة الاجتماعية، وتسببت في هجرات كبيرة إلى الخليح، بعد أن تخلت الدولة عن دورها الاقتصادي، وبدأت في بيع مصانعها، أو مصانع الشعب في الحقيقة، وبدأ الغزو الوهابي على الثقافة، كما بدأ يُغيِّر في شكل ومظهر الناس وسلوكهم وقناعاتهم، والحديث طويل. بدأت كتابة الرواية فى الاتساع، ودخلها كتاب الستينيات الذين لم يكتبوها من قبل، وأذكر ضاحكا، حين قلت وقتها في حوار أو مقال لا أذكر، أن الرواية سبعينية بفعل تطور الأحداث، بينما كانت القصة القصيرة ستينية، أنهم غضبوا وتصوروا أنني أنسب الرواية لجيل آخر باعتبارهم يملكون مفاتيح الدنيا والآخرة، بينما كنت أحلل الأوضاع التي أدت لاتساع الرواية لا أكثر ولا أقل. اتسعت الرواية بفعل التغيرات التي كانت تدعو إلى التأمل الأوسع، وشيئا فشيئا بحكم زيادة السكان، ازداد عدد الكتَّاب، اتسعت مساحتها في العالم العربي أيضا حتى أني كتبت في الثمانينيات في مجلة «الهلال» أن الرواية صارت الآن ديوان العرب، قبل أن تنطلق مقولة زمن الرواية. لن أدخل في كيف اتسعت الحياة للرواية في العالم كله، فهذا موضوع كبير لعل النقاد والمفكرين ينشغلون به، وإن كنت رأيت ملامحه في بلاد مثل أمريكا اللاتينية، حيث صارت الرواية ملاذا للحرية المفتقدة في نظم ديكتاتورية، فوجدت الحرية الضائعة مكانها في الرواية العجائبية العائدة إلى الأساطير، روح الإنسان التي سيتسع العالم لها، كما ساعد تفكك الاتحاد السوفييتي على الانطلاق في الرواية أكثر، بعد أن تهاوت أسطورة المدينة الفاضلة، التي يجب فيها عدم الكلام أو الاعتراض، ولم يعد الكتاب يحتاجون للهجرة أو النشر في الخارج. الأمر نفسه مع كتاب أوروبا الشرقية، الذين لجأوا إلى أوروبا الغربية. تغيرات كبرى في العالم كله يمكن للمفكرين، فهم أدق مني، الكتابة فيها وهذا عملهم.
كان ظهور رواية لكاتب بيننا مبعث اهتمام منا جميعا، نقادا وكتابا لا نرى معنى لأي تقليل من قيمة أحد. ربما في جلسات النميمة الضيقة يتسع الأمر. وكان هناك نقاد كرسوا أنفسهم للستينيين فقط، بينما نقاد آخرون كرسوا أنفسهم للجميع مثل علي الراعي وشكري عياد وصلاح فضل وأحمد عباس صالح، ومن أجيال أخرى يستمر النقاد مثل مراد مبروك ويسري عبد الله، وشباب يظهر دائما في عالم النقد، وبالمناسبة هم كثيرون، لا كما يتصور البعض أنه لا يوجد نقد. انتهت القسمة الضيزي بين الأجيال كل عشر سنوات، وانتهت الأسوار بين الأجيال، شاء بعض الكتَّاب أم أبوا. اتسعت الرواية في مصر وفي العالم العربي حولنا، والأسماء من العالم العربي لن يكفيها المقال. كانت التحولات طبيعية جدا لجنس أدبي هو جنس الرواية، حتى انقلبت الموازين بالجوائز والمؤتمرات، التي صارت أكبر من جوائز الشعر والقصة القصيرة ومؤتمراتها، وطبعا النقد والفكر، حتى الآن لا أستطيع أن أجد إجابة عن سؤال، كيف تحولت هذه الفتنة بالرواية إلى عشوائية كبيرة، فصارت الروايات تخرج من المطابع كل يوم. البعض يرى أن الجوائز ساعدت على ذلك، لكن هل يعرف من يكتب لأول مرة أنه سيكتب شيئا يستحق جائزة؟ حدثت هجرة لبعض الشعراء، بل النقاد إلى الرواية، ورغم أن البعض يراه بسبب فتنة الرواية، إلا أني اضعه في مكانه في التاريخ الأدبي، فهناك شعراء كتبوا روايات من زمان ونقاد أيضا. هل أذكركم بعلي أحمد باكثير مثلا وغيره، حتى لويس عوض كتب رواية وإن كانت الوحيدة، وصلاح عبد الصبور كتب للمسرح، وأنا أحب للكاتب أن يتنقل بين الفنون، لكن إغراء الرواية طال كل المهن الآن، وليست القريبة فقط مثل الصحافة التي جاء منها كتاب كبار من قبل، مثل فتحي غانم وطبعا إحسان عبد القدوس. الإجابة القديمة أن النقد سيقوم بغربلة ما يُنشر بالدراسات لم تعد موجودة، فأين هو النقد الذي سيتابع هذا الكم الهائل من الإنتاج الروائي. ربما ألف رواية في العام. من المجنون الذي سيضيع عمره في الدراسة لكل هذا الكم؟ أصبحت أسئلة من نوع أريد أن أكتب رواية، لكن لا أعرف هل أقرأ شيئا مثلا يساعدني على ذلك؟ أم أكتبها وخلاص؟ أصبحت تأتي إليّ في الرسائل الخاصة على فيسبوك وتويتر كل حين، ومن أقول له عليك أن تقرأ في تاريخ وفن الرواية، لا يراسلني مرة أخرى. سمعنا وهو حقيقي، عمن يدفعون لكتّاب ليكتبوا لهم روايات، لكن الحديث عن أي منهم معناه اتهام بلا دليل وقضية فى المحاكم، فالذي أخذ ثمن الكتابة لا يتكلم، لكن السؤال هو لماذا يفعل غير الموهوب ذلك. من أين جاءت هذه الغواية؟ كيف صارت الرواية ندَّاهة دون إدراك أن من سيمشي وراءها سيغرق، ما دام يعجبه صوتها ولا يدرك مصاعب الكتابة نفسها كلغة وتكوين. وهل صارت الرواية أكثر متعة لبعض الأغنياء أو الموسرين من السفر في العالم مثلا، ليدفع بعضهم لكاتب مجهول ليكتب له رواية؟ ما هو المجد العائد عليه غير احتفال من المنتفعين به وهو يدرك ذلك، ولن يحضر أي ندوة، وإذا حضر سيتحدث في شيء آخر، مثل أنه «بيحب الفن دا من صغره وربنا هداه ليه ولو متاخر» . أعتقد أن الرواية كفن وصلت إلى قمتها وستنخفض والمهم أن لا تنزل إلى القاع

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.