هل القدر مدين لنا!؟ (1)

الخميس, October 21, 2010
كاتب المقالة: 

لألعاب الحظ واليانصيب جذور في التاريخ، ففي الحضارة المصرية القديمة وجدت قطعة نرد في أحد قبور الفراعنة المصريين يعود تاريخها إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد

 

وثمة شعوب كثيرة كانت تعتمد على الحظ في الأمور الهامة، وكلنا نعرف أن العرب في الجاهلية كانوا يمارسون الميسر والأزلام، وقبائل "البولونيز" يدورون الجوز لاكتشاف اللصوص بين ظهرانيهم، وفي جزر " تورجا" يدورون جوز الهند ليعرفوا هل سيشفى المريض الفلاني أم لا، وإلى وقت قريب كانت الفتيات في القرى يقمن بطقوس معينة ليتكهن بمعلومات عن أحلامهن بالزفاف، والعمر الذي سيتزوجن فيه، وما إلى ذلك...

في رواية "ممو زين " نطالع كيف تمكن الحاجب الخبيث من الوصول إلى مآربه،ومنع زواج الأميرة من الشاب الذي تحب، عندما أقنع الملك بأن يلعب مع ذلك الشاب ثلاثة جولات من الشطرنج، والفائز يملي شروطه على الخاسر.

التاريخ مليء بقصص مشابه مثيرة للدهشة حول الاعتقاد بالحظ، كانت تؤدي إلى خسائر فادحة، فأحيانا كان الناس يراهنون على أحد أعضائهم، أو زوجاتهم أو أولادهم، ويقال أن مقاطعة " كورنول " في إنكلترا وصلت إلى مالكيها الحاليين عن طريق المراهنة.

قد نستغرب مثل هذه القصص، لكننا إلى اليوم نعيش بين أشخاص مغرمين بالحظ.  وأصبحت ألعاب الحظ صناعة كبيرة تقوم على ابتكار الجديد المشوق كل يوم لجذب المزيد من الناس وتحقيق المزيد من الربح، على حساب أحلام هؤلاء البسطاء حد السذاجة.

والأدهى من كل ذلك حين يصبح للعرافين والدجالين منابر إعلامية يتواصلون فيها مع الناس، ويقنعونهم بقدرتهم على وصف الأدوية وشفاء الأمراض وحل المشاكل والتنبؤ بالمستقبل ومعرفة الماضي، ويصفون أدوية عشبية وآيات قرآنية من أجل التغلب على الصعاب وبلوغ المنى،وحل المشاكل الزوجية المستعصية واستعادة الزوج الضال  و..و..

هؤلاء الذين يصدقون أهم مغرقون في اليأس إلى حد العمى، هل مشاكلهم أصبحت ضخمة وكبيرة،واليأس أصبح يدفعهم إلى أي شيء إلى أي طريقة...

أم أصلا هي ثقافة وسذاجة وتعطيل للعقل..

كثيرا ما نصادف في الحياة أشخاصا يدمنون سحب أوراق اليانصيب، حتى أن رجلا لم يكن ليفوت على نفسه أية قرعة إلا ويشترك فيها، بقي كذلك لسنوات طويلة لكنه مات قبل أن يربح ولو لمرة واحدة، وآخر يؤمن أنه كلما اشترى ورقة يانصيب في ليلة معينة من الأسبوع والموافقة لتاريخ معين، فإن الورقة تربح.

أما الفتاة فمنذ الطفولة يسكنها حلم بأن يأتي عريس ويخطفها من وضعها الاجتماعي والمادي ويقلب حياتها رأسا على عقب، فيأخذها لتعيش معه كأميرة في قصره الفخم، وكل ما تحتاجه لتحقيق هذا الحلم هو شيء من الحظ.

هذا ناهيك عن المقامرين الحقيقيين الذين يدمنون المقامرة، لكن جميع هؤلاء يجمعهم شيء واحد وهو الاعتقاد بأن القدر مدين لهم.

فالحياة في نظرهم مدينة لهم بالثراء والغنى والسعادة، وهذا هو حقهم الطبيعي الذي حرموا منه لكن سواهم ينعمون به ! وأحيانا يشعرون بأنه حقهم لمجرد أن الآخرين يحظون بذلك !

طبعا الحلم بالسعادة والثراء حق مشروع للجميع، لكن المفارقة تكمن حين يطالب البعض بها بإصرار عجيب، ويريدون أن تنزل عليهم سلة من السماء مليئة بالسعادة والمال، دون بذل أي شيء حقيقي في سبيل ذلك.

وهؤلاء يعانون من تقدير ضعيف للذات وثقة مهتزة بالنفس وكبرياء متدن، إضافة إلى اعتقادات ضلالية عن الحياة، وجهل لأبجديتها..

فالحياة لها قوانينها الحتمية التي لا يد لنا فيها،وليس في وسعنا أن نرفضها أو نقف في وجهها، لأنها بكل بساطة تدوس على من يجهل قواعدها وتتابع سيرها.

فلا يمكننا أن نقف في وجه انخفاض درجات الحرارة شتاء، ولا حدوث الصواعق، كل ما يمكننا فعله هو التسليم بهذه الظواهر الطبيعية والتكيف معها تجنبا لآثارها السلبية، واستثمارها لصالحنا بقدر الإمكان، لكن رفض هذه الظواهر هو ضرب من الجنون، كما من الجنون أن نرفض العمل والسعي والإنجاز، لأنه قانون طبيعي لا يمكن مجابهته.

ومن الجنون أن ننتظر السعادة فيما تقوله الأبراج، فالإدمان على متابعة الأبراج يشير إلى رغبة في إطفاء القلق في الحاضر والخوف من المستقبل، إنه دليل على فقدان الأمان الداخلي والثقة واليقين الحقيقي بالله.

 لا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم في إيجاد أمان معنوي ومادي لحياتهم فيتحولون إلى قشة تتقاذفهم توقعات الأبراج أو أوراق اللعب على طاولات القمار.

الظروف الخارجية تلعب دورا في درجة معنوياتنا، لكن معنوياتنا لا ينبغي أن تكون رهينة الظروف الخارجية، وإنما تابعة لسيطرتنا الشخصية.

تقدير ضعيف للذات، لأنهم يعتقدون أنه ثمة قوى خفية تتلاعب بهم، أقوى من إمكاناتهم الحقيقية، وطاقتهم الكامنة التي يمكن من خلالها الوصول إلى الثراء والسعادة، لكن العقل والمنطق والإيمان يقولون بأنه لا توجد قوة مطلقة إلا قوة الله، وبالتالي فإن الإيمان بتلك القوى الخفية يتعارض مع الإيمان بالله، ولا يمكن فلسفة تلك القوى والادعاء بأنها تتحكم بمصيرنا بإرادة الله، لأن هناك تناقضا صارخا بين هذا الادعاء وبين العقل والعقيدة الصافية.

والله تعالى لا يحتاج إلى توظيف قوى خفية لتتلاعب بأقدارنا، لأنه تعالى قد صمم الكون وفق قوانين واضحة ومنطقية وعقلانية جدا، فلا يمكن لنبتة أن تشق الأرض وتينع إلا وثمة بذرة زرعت قبل ذلك.

ستيفن كوفي يقول ( الجزء الأكبر من المشكلة يكمن في سلوك ناجم عن منظور ناقص، أو خاطئ للطبيعة الإنسانية، منظور يقلل من شعور الناس بقيمتهم ويكبل مواهبهم وطاقاتهم)

إذن هذا الفهم الخاطئ للطبيعة الإنسانية وطبيعة الكون،هو الذي يؤدي إلى سلوكيات من هذا النوع، ويولد الكثير من المشاكل التي تنجم عن تلك السلوكيات والاعتقادات.

دائما الشخص الذي يرى الحياة من خلال ذلك المنظور الناقص، يعاني من اضطرابات فكرية، ولا يتمكن من وضع معادلة متوازنة للحياة،فوفق منظوره يبقى هناك خلل لا يعرف سببه.

نصل إلى نقطة الكبرياء المتدني، لماذا هؤلاء الناس الذين يعتقدون بذلك يعانون من نقص في الكبرياء والكرامة، لأنهم يقبلون على أنفسهم الحصول على مال لم يبذلوا جهدا في سبيله، أن تأخذ أي شيء لم تقدم شيئا آخر مقابله مؤشر على كبرياء هابط، فالنبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، قبل الهدية ولم يقبل الصدقة، لأن الهدية نوع من المجاملة واللطف المتبادل، فمن يهديك هدية يفترض أن تردها له، بينما الصدقة هو أن يتكرم عليك شخص آخر ويهبك شيئا هكذا تفضلا منه عليك.

    من أين أتت تلك الاعتقادات بمديونية الحياة للإنسان ؟

لم يكن لدي تصور مسبق عن ذلك الاعتقاد ومنشئه قبل أن أقرأ كتاب " سيكولوجية المقامر " للدكتور أكرم زيدان، فعلا توقفت كثيرا عند تحليله لسب نشوء هذا الاعتقاد، فالمؤلف وحسب العديد من النظريات يقول بأن البعض يمتلك اعتقادا بأن القدر مدين له نتيجة طريقة تربيته في الصغر.

 فالطفل الذي يفرط الأبوان أو أحدهما في تدليله وتلبية مطالبه التي تزداد يوما بعد آخر، يترسخ في ذهنه أن من حقه الحصول على كل ما يطلبه، عادة يفعل الآباء ذلك من منطلق حبهم الكبير للطفل، فمثلا يكون الطفل جالسا بين ألعابه ويشير إلى دمية بعيدة عنه، فتهرع الأم وتجلبها له، سيتعلم أن يفكر بتلك الطريقة، وكان الأجدى أن تعلمه أمه كيف يسير إلى الدمية التي يريدها ويحضرها بنفسه، ليتعلم كيف يسير إلى أي شيء يريده في الحياة، بدلا من أن يطمح إلى أن تأتي إليه رغباته من تلقاء نفسها.

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

6 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.