دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

نداء من فكر بن نبي إلى «الربيع العربي»

الأحد, January 15, 2012
كاتب المقالة: 

في أزمتنا الحاضرة يفتح الحديث عن فكر مالك بن نبي أفقاً لمستقبل العالم الإسلامي والعالم كله على سواء. شاء الله لبن نبي أن يصاحب القرن العشرين في بدايته فيشهد ذروة الاتصال بين الشرق والغرب ويرقب انبلاج النهضة العربية الإسلامية وهي تواجه التحدي الاستعماري في وجهيه السياسي والثقافي. تفاعل بن نبي بفضل منهجه العلمي مع مشكلة التحدي هذه، فإذا عين له في مقتبل العمر على كتاب يقرأه في تعليمه المدرسي وعين له أخرى على ركود المجتمع الرازح تحت الاستعمار الفرنسي ووسائله المدمرة.

ولد في قسطنطينية (الجزائر) عام 1905 واجتاز مراحله الثانوية فيها ثم انتقل إلى باريس يدرس الهندسة حتى تخرج عام 1936 مهندساً في الكهرباء.

لكن القضية جذبته إلى حلبتها، فإذا به يبحث عن سبل في الفعالية تنتظم في إطارها الوسائل والإمكانات. فالجزائر والعالم الإسلامي لا يحتاجان إلى مهندس يمنح خبرته في إطار الأشياء، بل إلى حركة في إطار الفكر تبدل المجتمع.

كانت هذه منطلقات بن نبي، ورافق تخصصه الهندسي بحث عن وسائل نهوض العالم الإسلامي من كبوته.

انطلقت أفكار بن نبي تعيد الثقة بتراث هذه الأمة بعدما كادت الحضارة الغربية تأتي على جذوته في النفوس.

فقد استطاع الفكر المنهجي للغرب أن يكبل المبادرات الفكرية لمسلمي القرن العشرين وأن يضع النظرات الإصلاحية في قوالب التجربة الغربية، فإذا المسلم أمام فيض هذه الحضارة بين رجلين، إما مُتهم منها أو مُتهم لها كما يقول بن نبي.

وفي إطار الأزمة النفسية هذه، دارت التجربة الإصلاحية في فراغ عقيم ملأ مكتبتها الحديثة بالمؤلفات، لكن المشكلة لا تزال تراوح مكانها وفي كل يوم تتناقض مقترحات الحلول فتضع جيلنا الصاعد أمام استحالات الخروج من الأزمة.

بدأ بن نبي البحث في الجذور.

فهذه الحضارة الحديثة ما كان لها أن تحتوي مسيرة العالم لولا التآلف بين أبنائها أوسعت له روح مسيحية أوقدت حماسة شرلمان. واستقطبت التعاون الاجتماعي في سائر الحقول. والذين يمعنون النظر في ذلك العهد الكارولنجي في بواكير القرن العاشر يرون ما كان للكنيسة من دور في توحيد المبادرات الفردية في مسيرة واحدة ثم بعثت الطاقات الروحية لتطبع سائر مظاهر الحياة، فنية كانت أو اجتماعية.

بدأ المجتمع منذ ذلك العهد يمتد خارج حدوده والاتصال مع المرحلة العباسية في بغداد بما توافر له من روابط نفسية أسست في ما بعد روح ثقافته على صفحة الأرض ما قبل عهد ديكارت ثم بدأ التطور يعيد التوازن إلى مسيرته، فإذا الإنتاج الأدبي والعلمي والفني يرفد طاقاته بما يصحح مسيرته في كل طور. وما منهجية ديكارت ولا الثورة الفردية ولا العلمانية ولا الماركسية التي توالت بعد ذلك إلا مراجعة جماعية لذلك النسق الاجتماعي المترابط وقد امتلك العالم بثقافته.

تبدو هذه المراجعات يناقض بعضها بعضاً في إطار التحليل، إلا أنها تظل وليدة النمو المتطور لذلك النسق الاجتماعي المسيحي تمنحه زخم المسيرة بوسائل جديدة. من هنا لم تكن مشكلتنا في التباعد بيننا وبين التجربة الغربية عبر القرون. ولا هي كذلك في ما أورثتنا الأجيال من عقيدة وتاريخ حضاري. مشكلتنا إذاً مشكلة حضارة يجب أن تمارس وظيفتها.

«فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه».

على أننا إذا حددنا الحضارة في صورتها الوظيفية تحتم علينا أن ندخل إلى أعماق تجربتها فنبحث في مكوناتها الأساسية والتي تبدو سنة ثابتة لا تتبدل في سائر المجتمعات. فالمشكلة ليست في استيراد الرفاهية ولا هي في نمو اقتصادي بعيد عن دور الإنسان وفعاليته، فهذه دول البترول تكتظ بمنتجات الحضارة الغربية بينما الإنسان فيها منعزل عن كل دور يمنح لهذا الازدهار دوامه.

«ولهذا فنحن عندما نريد أن نضع أصل النمو الاقتصادي للحضارة موضعه لا يتعين علينا أن نضع هذا الاختراع أو ذاك من مثل الآلة البخارية ونول «جيكار» والبوصلة وآلة الطباعة باعتبار هذه الآلات مصدراً لتلك الأعمال، ولكن جميع الظروف التاريخية التي تخلقت فيها بذور الأفكار ضروب الإبداع والإنشاء وكل ما انتجت هذه الحضارة». لا بدّ إذاً من أن نفرق بين تكديس المنتجات الحضارية وبناء الوظيفة الحضارية في مجتمعنا. فالتفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة.

وقعت الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة في منزلق السهولة حينما أهملت عمق البناء الاجتماعي فاتخذت لها مستحدثات الحضارة الغربية وسيلة تعبير عن حاجاتها، فإذا هي «زبون مُقَلّد من دون أصالة، فالحضارة الغربية فتحت لنا أبواب متاجرها أكثر مما فتحنا لها أبواب مدارسنا لنقتبس منها سبيل بناء جديد مستمد من أصالة تاريخنا».

الحركة الإسلامية

الحركة الإسلامية الحديثة ليس لها في الواقع نظرية محددة، لا في وسائلها ولا في أهدافها، وهي في سائر ما نشهد اليوم من ربيع واعد، لكن الحركة الإسلامية في ليبيا ومصر واليمن وسورية جميعها تحتاج إلى أيديولوجية الوعدين كما يقول بن نبي، الوعد الأعلى وهو الإسلام كما أنزل وهو لا يتبدل، والوعد الأدنى وهو القدرة على تحديد مناهج متطورة في الدخول إلى العصر الحديث في محورية الوعد الأعلى. انطلق رجال الإصلاح الأول من عقدة اتهام الحضارة الغربية لتسوغ الإسلام والتاريخ كما وصل إلينا مكتوباً في مجرى العصر الحديث بينما كانت القضية تحتاج إلى خطة في بناء الإنسان المسلم تسوغ دوره في مصير العالم.

«فبدل أن تترجم الحركة الإسلامية الجهود الذهنية عن نفسها في صورة مذهب دقيق للنهضة ومنهاج منسجم، كانت تنطلق في صورة شعلات دفاعية أو جدالية وكان المؤلف المنهجي الوحيد الذي خلفه جمال الدين يتمثل في مجادلة ضد المادية أو الناشورية وفق تعبير كاتبه، وهو الكتاب الذي يتعين علينا أن نقرن به المجادلة المدرسية لتلميذه «محمد عبده» ضد الفيلسوف الفرنسي رينان، ولكي نتمثل ما ينقص جميع هذه الجهود يجب أن نتصور أحد أعمال ماركس أو أنجلز أو لينين في اقتصاره على مجرد نقد المجتمع الرأسمالي دونما نظر إلى نواقص الطبقة العمالية أو انفتاح على بناء الاشتراكية».

لقد كانت الحركة الإصلاحية بحاجة إلى منهج يطرح العوامل السلبية التي كبلت المجتمع الإسلامي عبر القرون وأسلمته إلى قابلية اجتماعية للاستعمار. لكنها عالجت المشكلة بصورة جزئية ومتفرقة من دون أن تمس الثوابت النفسية والاجتماعية التي أورثت المسلم تخلفه.

«فبدل تناول الموضوع بطريقة «جبرية» تمكن من الإشارة إلى حلّ قابل للتطبيق على مستوى مجتمع تقوم فيه المشكلة نفسها كالمجتمع الغربي طوال عصر النهضة تم تبني طريقة سير حسابية تعالج كل حالة على حدة: فعوض معالجة وضعية تاريخية عامة، تمت معالجة قضايا سياسية مختلفة بينما العوامل التي أثرت منذ قرون في وضعية البلدان الإسلامية لم تتشكل داخل الحدود الوطنية لبلاد معينة ولكن داخل المجال الذي تكتنفه رقعة الحضارة الإسلامية، أي الرقعة التي يطلق عليها توينبي «حقل الدراسة».

لقد انزلقت نهضتنا في متاهات صوفية، فإذا أولئك الذين انحرفوا نحو الفكر «التقدمي» قد وجدوا أنفسهم يحملون ثقافة منعزلة عن المجتمع لأنها لم تكن نابعة من ضرورات المجتمع، بل من انتقال فيض الحضارة العربية إلى الشرق.

لقد كانت السلفية منطلقاً ثورياً في نظرة الرواد الأول للنهضة، إلا أنها جمدت في خطوتها الأولى. فلم تمنح المسلمين زخم المبادرة في العصر الحديث.

وهذا قرن من الزمان يطوي صفحة جمال الدين كأنما هي في وادٍ سحيق، فقد مسّت النهضة سطح المجتمع من دون أن تبعث منهجاً فاعلاً في بناء الإنسان. انطلق بن نبي من هذه الزاوية يطرح المشكلة فيدخل إلى أعماق السنن الإلهية، وهي أيضاً سبيل الغد المتطور في كل أمة.

«فلكل نشاط عملي علاقة مباشرة بالفكر، فمتى انعدمت هذه العلاقة اختل النشاط واضطرب وأصبح جهداً بلا دافع. وكذلك الأمر حين ينعدم الفكر يختل النشاط ويستحيل الإنتاج وعندئذٍ يكون تقديرنا للأشياء تقديراً ذاتياً، هو في عرف الحقيقة خيانة لطبيعتها، وغمطاً لأهميتها سواء كان غلواً في تقويمها أم نجساً لقيمتها. وهذان الشكلان من أشكال الخيانة يتمثلان في العالم الإسلامي الحديث في صورة نوعين من الذهان، فإما أن يتمثل في صورة النظر إلى الأشياء على أنها سهلة وهو قائد ولا شك إلى نشاط أعمى (كما كانت الحال في قضية فلسطين) وإما أن يأخذ صورة النظر إليها على أنها مستحيلة فيصاب بالشلل».

ذلك شكل أورث الركود الاجتماعي في سائر الحقول. فقد وجد المسلم نفسه أمام استحالات نفسية عزلته عن التصرف بإمكاناته، فإذا هو قابل لاحتلال كل أمة ولاجتياح كل قوة والقابلية للاستعمار هذه قد وطأت للاجتياح الاستعماري في تاريخنا الحديث.

«إن هنالك نتيجة منطقية علمية تفرض نفسها هي أنه لكي نتحرر من «أثر» هو الاستعمار يجب أن نتحرر أولاً من سببه وهو القابلية للاستعمار. فكون المسلم غير حائز جميع الوسائل التي يريدها لتنمية شخصيته، وتحقيق مواهبه: ذلك هو الاستعمار في صورته الخفية، وأما ألا يفكر في استخدام ما تحت يده من وسائل استخداماً مؤثراً ويتخلف عن بذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته بما توافر له من وسائل، وأما ألا يستخدم وقته في هذا السبيل فيستسلم على العكس لمصيره كما مهملاً فتلك هي القابلية للاستعمار».

فالقابلية للاستعمار وجه آخر للتخلف والأمر يتطلب انتصاراً على تلك المعوقات لنواجه المستقبل بقوة ذاتية من أنفسنا.

فالمجتمع ليس مجرد جمع بل اجتماع بين الأفراد حين تربط بينهم قيم مشتركة وهذه القيم المشتركة لا بدّ من أن تؤدي إلى نشاط مشترك في عالم الأشياء المحيطة به. ولكي يكون النشاط المشترك فاعلاً في عالم الأشياء لا بدّ من أن يمر في عالم من الأفكار بما تعطي لهذا النشاط فاعلية خلاقة.

ذلك تبسيط لمفهوم الحضارة يطرحه بن نبي على أنها صنعة إنسان أحسن استخدام الأرض من حوله في إطار الوقت الضروري ولذا فهي في عناصرها الأولية: الإنسان + التراب + الوقت. هذا المفهوم الأولي للحضارة يضع الإنسان في المنطلق الأساسي نحوها بعد أن تكون قد تجردت أمامه عن كل بناء ماثل يأخذ بالأبصار كذلك البناء الغربي للحضارة الذي أدهش الشرق وأوقعه في عقدة النقص.

وإذا كان الإنسان هو الذي يصنع العلاقة الفاعلة بين العناصر الأساسية لكل حضارة، فلا بدّ من أن يكون صاحب قدرة على ذلك كله. وهذه القدرة ليست قدرة ذاتية شخصية بل هي قدرة الجماعة حين تدفعها يد الله. فلا بدّ إذاً من عالم للأشخاص يحسن الترابط بينه والتآلف الذي يتجاوز المصلحة الذاتية إلى المصلحة الاجتماعية. ولا بدّ إذاً من عالم للأفكار يحسن استخدام الوسائل. ولا بدّ أخيراً من عالم للأشياء يمنح الأفكار إبداع ما يصنع الإنسان من حضوره ورفاهيته.

والإنسان في عالم الأشخاص المترابط وفي عالم الأفكار القائم على المنهج وفي عالم الأشياء المنقاد إلى حاجته هو ذلك الإنسان المتحضر وهي الحضارة تنتسب إليه وينتسب إليها.

وما أمرنا في مشرق الدعوة الإسلامية إلا تآلفٌ في عالم الأشخاص وقيم تمنح الإنسان حرارة الإيمان وما فكرنا إلا ذلك الذي استخدم عالم الأشياء من حوله فأحسن النتيجة حين قدّم لها أسبابها وكانت لديه مقاييس النقد والتصحيح.

تلك كانت حضارة دمشق وبغداد والأندلس تطبع قيمها وروحها على صفحة الحضارة الإنسانية.

وما أمرنا في مغرب حضارتنا اليوم إلا اختلال في عالم الأشخاص أورث التفسخ في المجتمع والانغلاق في عالم الأفكار أجدب من خلاله عالم الأشياء وتلك الأيام نداولها بين الناس.

هذه السنة الاجتماعية تلزمنا بنظرة ثاقبة في عمقنا الاجتماعي. هذا الذي لا يزال مختل العلاقة في عالم أشخاصه تقوم فيه الفوضى على كل صعيد وتأخذ أفراده الأثرة فلا يستقيم فيه أمر. وهو الذي اختل فيه عالم الأفكار فجنح إلى تبديد أمنياته وثروته وعجزت نظراته عن كل تحليل ذاتي، فإذا هو الفكر الناقل في سائر الميادين العلمية وقد تخلى عن كل جهد مشترك يمتاز به ويؤهله في صنع العالم الحديث. فعالمنا الإسلامي اختل فيه عالم الأشياء فلا انسجام بينه وبين عالم أشخاصه وإذا نحن غرباء عن احتواء ثروتنا.

فلا بدّ إذاً من أن نعيد بنيتنا في هذه العوالم الثلاثة عالم الأشياء والأشخاص والأفكار لترتفع عليها حضارتنا. ولكي نعيد هذه البنية لا بدّ من أن تتوافر فيها إرادة حضارية. والإرادة الحضارية هذه نقلة بالإنسان إلى مرتبة متقدمة، إنها تربية، ولذلك فهي علاقة اجتماعية سليمة، وهي مثل أعلى تشد الإنسان إلى بلوغه، فهي إذاً عقيدة في إطار المجتمع، وهي صلة مستمرة في عالم الأشخاص والأفكار والأشياء، فهي إذاً تعطي لهذه الصلة أسلوبها الفاعل المنسق والمنظم فتأخذ العوالم هذه صورتها المتقدمة المتطورة وتمنح جوّها ولونها وذوقها وجمالها على رقعتها.

ولئن شئنا أن نميز مجتمعاً عن سواه لامتاز في أسلوب ثقافته فهذه غربية وتلك صينية. وهذه يونانية وأخرى رومانية وثالثة إسلامية قد تميزت كل منها في الأسلوب والذوق والقيم الموحية لأن عوالمها الثلاثة تفاعلت في ما بينها تفاعلاً منح العبقرية للعالِم والفنان والمُبدع ولولا ذلك الإطار العام من الصلات لما وجد هؤلاء شروط تأثيرهم في منعطفات العلم والتاريخ. فثقافة كل مجتمع تشتمل على فصول أساسية لا بدّ منها.

إنها المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي والمنطق العملي والتكنولوجيا الفنية.

العوالم الثلاثة

فهذه العوالم الثلاثة الأشخاص والأفكار – والأشياء تجد تفاعلها في العناصر الأربعة هذه. وحين يختل أو ينسحب واحد من هذه العناصر تنسحب الثقافة من دورها الفاعل في بناء الحضارة. فمن دون المبدأ الأخلاقي تتفجر الصلات في عالم الأشخاص ويفقد أساسه التعاون في كل صعيد. ومن دون المنطق العملي تتعقد الصلات وقد تتعارض نشاطاتها فتصبح حينئذٍ عمياء غير هادفة. ومن دون التقنية لا سبيل لاحتواء عالم الأشياء. فليست الثقافة سوى تعلم الحضارة أعني استخدام جميع ملكاتنا الضميرية والفعلية في عالم الأشخاص.

وليس العلم سوى بعض نتائج الحضارة، أي أنه مجرد جهد تبذله عقولنا حين تستخدم في عالم الأشياء. فالأولى تحركنا وتقحمنا كلية في موضوعها وأما الثاني فإنه يقحمنا في مجاله جزئياً. والأولى تخلق علاقات بيننا وبين النظام الإنساني والآخر يخلق علاقات بيننا وبين نظام الأشياء».

من هنا لا بدّ من تفريق جوهري بين الثقافة والعمل. فالأولى تقحم الإنسان في مجالها على اختلاف درجات تحصيله العلمي. إنها تمسّ العالم والفلاح والعامل على سواء لأنها تطبع وجودها على هؤلاء جميعاً لتسلكهم في إطار واحد من الصلات الاجتماعية القائمة على المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي الذي يضبط السلوك العام للأفراد. ولربما كان العالم أكثر إدراكاً لطبيعة المجتمع وحركته.

ولربما كان العامل والفلاح أبعد ما يكون عن فهم دقائق هذه الحركة، لكنهما بإلزام من الثقافة الاجتماعية العامة يختار هذا وذاك غطاء واحداً من السلوك يمنح العمل اليومي فعاليته المؤثرة في التاريخ.

وكان الإسلام من قبل ثقافة المجتمع في صورتها الباعثة تطبع روحها وذوقها في آثار ترامت إلينا عبر القرون. وحينما انسحب المسلمون عن وظيفتهم الاجتماعية أوت حقائق التربية الإسلامية إلى متون متوارثة محفوظة، بينما فقد المجتمع الإسلامي كل إشعاع خارجي.

شهدنا في فترات الاجتياح الصليبي للحضارة الإسلامية كثيراً من العلماء ولكن الإرادة الحضارية كانت قد انسحبت في ظلمة ليل. وحينما أفاقت نهضتنا الحديثة على وقع أقدام الاحتلال الاستعماري وجد الرواد أنفسهم أمام حضارة ماثلة في بنائها مترفة برفاهيتها فانزلقوا إلى غرام بتلك المستحدثات يستوردون سيارة هنا وبرلماناً هناك وديموقراطية في تنظيم سياسي وماركسية في ثورة اجتماعية دونما إدراك لطبيعة العوامل التي شلت مجتمعنا عن كل تحرك.

الحقائق السياسية والاجتماعية

بعد قرن من الزمان تبدو الانتهازية المنتصر الأكبر. بينما قضايا التنمية تدور في فراغ عقيم، إذ الإنسان المسلم هو الإنسان منذ أفول النهضة يتحدث بلغة العجز على كل صعيد.

فالحقائق السياسية والاجتماعية لا قيمة لها إذا لم تؤثر في الثالوث الاجتماعي: الأشخاص والأفكار والأشياء.

«فكل حقيقة لا تؤثر في الثالوث الاجتماعي للأشخاص والأفكار والأشياء هي حقيقة ميتة. وكل تربية «اجتماعية» تشترك في هذا المصير العام فهي لا تعني شيئاً إذا لم تكن في الواقع وبما تحمل من معنى وسيلة فعالة لتغيير الإنسان وتعليمه كيف يعيش مع أقرانه وكيف يكون معهم مجموعة القوى التي تغير شرائط الوجود نحو الأحسن دائماً في شبكة العلاقات من التي تتيح للمجتمع أن يؤدي نشاطه المشترك في التاريخ. فكلمة «ثقافة» ليست سوى كلمة فارغة رنانة إذا لم تخلع على التربية الاجتماعية المضمون الضروري الذي يتيح لها الاطلاع بوظيفتها المغيرة، ومن الواجب أن نفكر ملياً في هذه المصطلحات لا من طريق الاستعانة بقاموس تمسك به اليد بل من طريق رأس مستقر بين اليدين. فليس الأمر إذاً أن نقول إن الثقافة تحوي بصفة عامة عدداً من الفصول هي: الأخلاق والجمال والمنطق العملي والصناعة الفنية ولكن الأمر يقتضينا أن نتساءل: كيف ينبغي أن ندركها في صورة برنامج تربوي يصلح لتغيير الإنسان الذي لم يتحضر بعد في ظروف نفسية زمنية معينة، أو بقاء الإنسان المتحضر في مستوى وظيفته الاجتماعية وفي مستوى أهداف الإنسانية».

هذا إذاً برنامج تربوي يتناول البنية التحتية للمجتمع يرتكز عليه بناء الحضارة. فمشكلتنا في عمومها مشكلة حضارة. فمالك بن نبي تناول في كتبه المتعددة قضية إعادة البناء الاجتماعي للإنسان المتخلف. وهو من هذه الزاوية لا يرى القضية في استيراد نمط ثوري أو ديموقراطي صنعته تجربة بعيدة عن عمقنا الاجتماعي وإلهامنا النفسي.

فهذه المستوردات بلبلت ولا تزال تبلبل التحرك الاجتماعي بما تفعل من معطيات الواقع التاريخي الذي يعيش فيه إنساننا المتخلف.

وإذا ما صمتت الأفواه عن التحدث كل منها بما تعتقد وتطلعنا على حركة المجتمع الإسلامي والعربي وجدنا سلوكاً من الفوضى والتشتت ينتظم أصحاب الشعارات التقدمية «والمعتدل الإسلامي والسلفي على سواء» وما ذلك إلا لأن التحولات الاجتماعية في نطاق العالم المتخلف قد انحسرت في قوالب بعيدة عن تجربتنا الخاصة. والجميع يواجهون مشكلة واحدة هي التخلف. ومن هنا فإما وحدة الأداء الوطني أو الانتهازية في كل ما يرفع من شعارات.

تلك صورة نشهدها في كل يوم، وقد أضاء فكر بن نبي جوانبها بما أعطى في مؤلفاته من تحليل دقيق لحركة المجتمع وتطوره.

وبن نبي يطرح الإسلام كقيمة قادرة على استعادة دورها في صنع الإنسان قبل كل شيء. وهو من هذه الزاوية يضع الحلول في إطار من الفعالية الإسلامية القادرة على التغيير.

هذه الفعالية هي الأوثق في ضمير المسلم المتخلف لأنها تبعث في نفسه مسوغات لسلوكه ذات اتصال علوي. وهي ترهف حسه الاجتماعي بقدرة فاعلة تمنحه صلابة الإرادة وحكمة العلاقة الاجتماعية وعمق النظرة في أسرار الكون.

وهو من هذا الجانب يمنح الفكر الإسلامي نظرة في عمق التجربة الحضارية تقيله عثرات التقليد والتقوقع في معطيات الحضارة الغربية.

وبن نبي من هذا الجانب يمتاز عن سائر ما أدلى إلينا القرن العشرون من كتّاب ومفكرين، عرباً أو مسلمين. إذ انطلق من مسببات الحضارة الغربية المسيحية ولم ينطلق من نتائجها وقد أعطته ثقافته المنهجية وعقله الرياضي قدرة على التحليل والتعقيد. وبن نبي إذ يختار الإسلام لا يجعل اختياراً آخر غير قابل للتطبيق إذا ما توافرت شروط الانبعاث الاجتماعي كما أوضحناه في هذا المقال.

فهذه شروط موضوعية تمسّ التفاعل الاجتماعي في كل بقعة من الأرض. إنها شروط التفاعل الاجتماعي في أميركا وروسيا وأوروبا واليابان وهي تبدو في الصين أكثر وضوحاً حين يحتدم الجدل حول الثورة الثقافية. هذه قائمة من القواعد والسنن الإلهية لا بد للربيع العربي اليوم من أن يسلكها في بناء عصر جديد. من هذه المعايير يرى بن نبي أن الإسلام أصل ثابت ثبات السنن الكونية. ومن هنا فالإسلام لا يمثله حزب ولا جماعة ولا جمود ولا اعتدال لأنه سماء سعى الإنسان على اختلاف معتقداته. فالنداء الإسلامي نداء إلى الناس جميعا،ً والمسلمون كغيرهم في أتباع السنن الإلهية التي أرشدنا إليها القرآن الكريم أو الانحراف عنها تلك دعوة إلى وحدة الإنسان والوطن والحضارة.

ومن هذه الزاوية نرى في كتب بن نبي قيمة عالمية لأنها تضيف إلى الدراسات الإنمائية في البلاد المتخلفة آفاقاً فاعلة في حلّ مشكلة الإنسان التي هي أولاً وقبل كل شيء مشكلة الحضارة.

* وزير لبناني سابق

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.