من ملامح الحداثة في شعر سميح القاسم

الخميس, August 6, 2020
كاتب المقالة: 

لا تتوازى شهرة الشاعر سميح القاسم الطاغية في الوطن العربي، مع عدد الدراسات النقدية الجادّة التي حاولت التصدّي لدراسة الإنجازات الإبداعيّة الفنيّة التي أسهم بها في حركة الحداثة الشعرية العربية. وأعتقد أن ذلك يعود في المقام الأول إلى أن غالبية النقّاد العرب اكتفوا بعدّه واحداً من أهم شعراء المقاومة، بالرغم من أن سميح يقول: ( حين قرأت لأول مرّة عبارة شعراء المقاومة ذهلتُ أنا وزملائي والتفت أحدنا إلى الآخر ليعرف من هو المقصود بهذا الكلام) ويضيف : (أعتقد أن وضعي في خانة الشعراء السياسيين خاطئ جملة وتفصيلا.. السياسة هي جزء من همّي الوجودي، ولكنها ليست كل همي.. أنا أتعامل مع السياسة باعتبارها جزأً من تجربة ذاتية جداً و مفرطة في ذاتيها) (1)
وعلى كل حال، فإن ما قدّمه سميح القاسم على صعيد تحديث البنية الفنّية الجماليّة لقصيدته، لم يلق ما يستحقّه من اهتمام الباحثين، بدءاً من اشتغاله على البنية الإيقاعية ومحاولاته التي سمّاها (كولاج) وجمع فيها بين الشعر التقليدي ذي الشطرين وشعر التفعيلة والمقاطع السردية، واشتغاله على البنية الدرامية والملحمية للقصيدة، واستخدام الرمز و الأسطورة، و توظيف التراث العربي والإنساني، وصولاً إلى اجتراحه شكلاً جديداً من أشكال الكتابة الشعرية، هو الذي أطلق عليه تسمية (السربيّة).
ويعود اشتغال سميح القاسم على هذا الشكل إلى عام 1965 حين كتب قصيدته (إرم) ثم كتب عام 1970 (اسكندرون في رحلة الخارج والداخل) ثم مراثي سميح القاسم عام1973 وعام 1974 كتب (إلهي إلهي لماذا قتلتني) . إلا أن نضج هذا الشكل بدأ من ديوان (ثالث أوكسيد الكربون) الصادر عام 1976 واستقرّت مميزاته الفنيّة في ديوانه (ملك أتلانتس وسربيّات أخرى) الصادر عام2003 وصولًاً إلى سربيته الأخيرة التي سمّاها (هواجس لطقوس الأحفاد) وصدرت عام2012 مستغرقة ديواناً كاملاً.
وفي استقرائنا لبنية النصوص التي أطلق عليها سميح القاسم هذه التسمية، نجد أن (السربية) هي نص شعري طويل، يتألف من مجموعة من الوحدات الشعرية المنفصلة التي يضمّها النصّ كما يضم السرب مجموعة الطيور التي تتفاوت في أحجامها وأعمارها وأصواتها. ويتنوّع الأداء اللغوي في هذه الوحدات وتتمايز أساليب القول فها، كما تختلف في بنائها الفني وتستفيد من جميع المدارس والمذاهب الفيّة المعروفة، وتزخر بالإشارات والإيحاءات والإحالات إلى التراث العربي والإنساتي والأساطير والحكايات الشعبية والكتب والشعائر الدينية، ووقائع التاريخ القديمة والحديثة، بالإضافة إلى تفاصيل الحياة اليومية والأحداث الراهنة. كما تتكئ هذه الوحدات على الأغاني والأهازيج والأمثال الشعبية، والأخيلة والهذيانات والشعارات والهتافات والصرخات والهمسات والمقاطع السردية والحوارات الدرامية والعبارات والألفاظ المهجورة أو الأجنبية. ويقوم تشكيل النص على تقديم جميع هذه الوحدات الشعرية دفعة واحدة، وعلى نسق واحد، تماماً مثل الطيور التي يتشكّل منها السرب. ويعوّل الشاعر على تفاعل هذه الوحدات في نفس المتلقي، منجزةً أثرها الجمالي، وراسمة ملامح الرؤيا العامة للنص الشعري.
وللوقوف على البناء الفني لسربيّات سميح القاسم، سأحاول تحليل إحدى سربياته الحديثة نسبيّاً، والتي تحمل عنوان (سيرة بني سميح) من ديوانه (ملك أتلانتس وسربيات أخرى) الصادر عام2003 في البحرين.
فمنذ العنوان، وهو المفتاح الأول، أو العتبة النصّية الأولى، كما يقول نقّاد الحداثة، تطالعنا واحدة من التقنيّات التي يستخدمها الشاعر في شعرنة نصّه. فالعنوان: (سيرة بني سميح) يستدعي إلى ذهن المتلقي مباشرة عنوان السيرة الشعبية المشهورة: (سيرة بني هلال)، مما يوحي بالتطابق بين ما لاقاه بنو هلال في تغريبتهم من مصائب وأهوال، وما يعانيه مواطنو الشاعر المعاصرون. ويتعزّز هذا الإتكاء على السيرة الشعبية في الإشارة التي يضيفها الشاعر عن شخصيّة المؤلف: ( لأبي محمد سميح بن محمد بن القاسم بن محمد بن الحسين آل حسين) مقلّدا فيها الطريقة التراثية في التعريف بالمؤلف، ومؤكداً أصالة انتسابه إلى جذره العربي من خلال سرد نسبه وشجرة عائلته.
إلا أن تسمية (بني سميح) توحي بمعنى آخر، ناجم عن اقترانها ب(بني آدم) مما يعني أن السيرة التي يرويها الشاعر هي سيرة الإنسان منذ وجوده على هذه الأرض. ويؤكد هذا المعنى ما يقوله مطلع القصيدة الذي يصف الفتى بأنه (أول القادمين إلى الأرض).
وهكذا تتماهى سيرة الشاعر الفرد، مع سيرة شعبه الفلسطيني الرازح تحت نير الاحتلال، مع سيرة أمته العربية الموغلة في عمق التاريخ، مع سيرة الوجود الإنساني برمته. وهذا ما يؤكده أيضاً مقطع آخر من القصيدة، يستحضر فيه الشاعر شخصيّة (سبارتاكوس) البطل الروماني المشهور، وينسبه إلى بلاد الأعاريب، ويجعله يتزوج الثائرة الفرنسية (جان دارك)، متجاوزاً بذلك حدود الزمان والمكان معاً :
( تزوّجَ جان دارك في الحلم.. قال لها: جان دارك أنا سبارتاكوس بن بلاد الأعاريب..
أهلي عبيد النظام الجديد وكانوا عبيد النظام القديم..وأشهرتُ حريتي في الحياة على سنّة الموت أشهرت حريتي إنما زوّجوني لطاعتهم.. جلن دارك خذيني زوجاً وأقسم بي أفتديك بمهر الشهادة.)
أما الإشارات التي تحيل مباشرة إلى الشخصية العربية، فهي كثيرة في النص، مثل هذه الإشارة القائمة على صورة الصحراء، مرصّعة بشذرة من أشهر بيت في الشعر الجاهلي:
لأن الفتى بذرة دحرجتها العواصف بين رمال الصحارى
بلا مطرٍ أو غمامْ
سوى ما تبخّرَ بين الدخول وحومل عصر الكلامْ
كما يحفل النصّ بالكثير من المقاطع التي تستحضر التراث العربي، مثل استحضاره لمجنون ليلى في قوله:
يبايعني الحبّ مجنونكم
واستحضاره المتنبي وقيس وجميل بثينة في قوله:
من الحلم تحت ظلال النخيلْ
وشوق المهاة لماء قليلْ
من الخيل والليل والبيد والشمس... من لبن النوق والتمر والشعر..من وجد قيسٍ وحرمان ليلى وخوف بثينة زندَيْ جميل.
ويضمُّ النص أيضاً عدداً من المقاطع التي ترتكز إلى الموروث الديني، أو تحاكي الخطاب الديني وتستلهم مقولاته، مثل هذا المقطع المبني على إشارات إلى الدين الإسلامي:
- من الله صلّى وسلّمْ
على خاتم الأنبياءْ
ومن بئر زمزمْ
إلى عبقر الكيمياءْ
ومفتاح باب السماءْ.
أو هذا المقطع الذي يستلهم آيات من القرآن الكريم:
-من الماء جاءَ وجاءوا وعادوا إلى الماء.. كانوا قبائلَ صاروا شعوباً.. تعارف بعضٌ ببعضٍ.. وكرّمَ ربُّ الحياة سلالاتهم بالتقى والطهاره.
وصاروا حضاره
تؤاخي حضاره
وعادوا حقاره
تعادي حقاره.
وما من سنونوة للربيعِ
وما من ربيع.. وما من بشاره.
أما الإشارات إلى الدين المسيحي فتتجلى في عدد من المقاطع، مثل:
- إلهي الذي في السماء وفي الأرض.. أُشهِرُ ضعفي وخوفي.. وأشهد أني أحبك لاسمك أنت ووجهك.
و: - خذوا خمركم من دمي
ومن جسدي خبزكم
خذوا ما يزولُ
وتبقى حياةٌ وتبقى فصولُ.
و: - أعدوا صليباً يليق بلحمي الضعيف وحلمي القويّ
أعدوا صليبي لأصعد حراً
أنا سيّد الجلجله.
ومن المقاطع التي تشير إلى التوراة وتستوحي أحداثها، هذا المقطع:
- وما أنا من نسل حيرام يا نسل دافيد.. لا أرز عندي و لا يحزنون
وماكان وهم الأساطير لا لن يكون ولا لن يكون
فماذا إذاً تطلبون؟.
وهذا المقطع:
- وصوت أريحا يدوّي: يشوع بن نون دونك راحاب
خذها كما تشتهي
وخذها كما تشتهي
إلى كهف أحلامها الزانية
وأوصد عليك وأوصد عليها
بصخرة أحلامك الدامية
وبما أن الأسطورة تمثّل شكلاً من أشكال الوعي البشري، ومحاولة لسبر أغوار الوجود واجتراح وسائل الخلاص، فإن الشاعر يستخدم الرمز الأسطوري في عدد من المقاطع، منها:
- ويوغل في الموت جلجامش المستميت حياةً
يعيش ويشقى
يموت ويشقى
ونوغل في الأرض أفقاً فأفقا.
ومنها أيضاً:
- أنا قلب فينيق ينهض من قلب هذا الرماد
ومن قلب هذا السواد وهذا الحدادْ
في روحه صورةٌ للبلاد.. كما يشتهي أن تكون البلاد.
أما التاريخ، فله حضوره الطاغي الذي يمتدّ في مفاصل السربيّة كلها، حيث تحضر وقائعه ممثلة بإشارات إلى أريحا وفراعنة النيل وملوك الفرات وسبارتكوس وجان دارك والقادسية وعين جالوت وكربلاء وداحس والغبراء وصبرا وشاتيلا وجنين، وصولاً إلى الهجوم على نيويورك في سبتمبر2001
- إنما وقتنا لم يزل جاهزاً للغموض.. وفي غفلة منه تنزو الطيور الأبابيل
تنزو على ناطحات السحابِ
دمارٌ.. ونارٌ.. وقتلى الفجاءات.. قتلى جزافاً..
طيور سديميّة من ركام التواريخ تقبل مشحونةً
بالغضبْ
وقتلى بسر اللهبْ
وساعة صفر مشاكسة في الحصار..تحلُّ وترحل
من نزوة ضيّقة
إلى نزوة ضيقة
وتفتح أبوابها المغلقة.
وبالتوازي مع كلّ هذا الزخم التراثي والديني والأسطوري والتاريخي، تبرز صور المعاناة اليومية الراهنة لأبناء الشعب الفلسطيني:
- هنا يفتح الموتُ أبوابه ليطلّ اليتامى على يتمهم في الحياة.
- وأطفالنا يكبرون -إذا ولدوا- يكبرون بأسرع مما تشاء الطفولة
- لنا الحزن في سهرة العرس..طقس الحلاقة طقس البكاء وحنّاؤنا الرقصة المستحيله
وقهوتنا في الصباح على شرفة البيت بعض الخطايا
وإجهاض زوجاتنا النازفات على الحاجز العسكري المعقم.. كلّ الفضيله.
وإذا استعرضنا ألفاظ القصيدة، وجدنا الشاعر يستخدم منها كلّ ما يثري نصه. فإلى جانب ألفاظ اللغة الحيّة المتداولة، نجد الألفاظ التراثية (يميط اللثام-الكلأ-المهاة-لبن النوق..) والآلفاظ الدينيّة :(مملكة الله-سلالة نرفال-نسل حيرام-خاتم الأنبياء-الناسوت-الدعاء-الثواب..) والألفاظ الحديثة التي دخلت إلى لغتنا المحكيّة :(كولسترول القصائد-والت ديزني يسوّقنا في ملاهيه-البلاستيك-الأدمع الاصطناعية-التكنولوجيا..) كما نجد الألفاظ الأجنبية التي يوردها الشاعر بلفظها وصيغتها الأجنبية:
- ألور..بون فوياج
سبارتكوس من بلاد الأعاريب
خذ قبلة..بون فوياج..
وواصل نزيفك..واصل نزيفك فوق شظايا الزجاج.
وإذا درسنا النص دراسة أسلوبية، رأينا الشاعر يستعمل ما شاء من أساليب القول، فهو يلجأ إلى أسلوب السرد المباشر أحياناً:
-غرسنا، وقد غرسوا فأكلنا، غرسنا ويأكل دافيد..لابأس
يأكل دافيد من غرسنا ما نشاءُ
كما يستخدم المونولوج الداخلي:
- هنا موسم الصيد، أنت الطريدة يوماً وصيّادها
أنت يوماً.. لهاثك حمّى الحياة وفاتحة الموت
تسأل نفسك سراً وجهراً: متى؟ ولماذا؟ وكيف؟
وأين؟
وتهوي الإجابات مابين بين.
ويلجأ الشاعر أحياناً إلى أسلوب الحوار الدرامي بين شخصين، مثل هذا الحوار بين سبارتكوس وجان دارك:
-جان دارك خذيني زوجاً وأقسم بي أفتديك بمهر الشهادة
قالت له: قرَّ عيناً فإني زوّجتك الآن نفسي لكنّ هذا الحجاب ثقيلٌ..وضوء النهار قليلٌ، ومانفعل الآن غير الرحيل من الأطلس المستباح إلى الجرمق المستباح إلى نخلة دمها نازف في رماد العراق..
فما نفعل الآن غير..الطلاق.
كما يستعمل الأسلوب القصصي، كما في هذا المقطع:
-وحيداً، بعيداً
على الجمر يمشي ثقيل الخطى قابضاً جمرَهُ
ومختصراً عمره
ظلام المدى دامسُ
وقلب الفتى عابسُ
وفي كفّه غصن زيتونة يابسُ
على سنّة الشهداء القدامى يقيم الصلاة
وينهض من موتِهِ الحيّ ممتلئاً بالحياة.
ويقلّدُ أحياناً أسلوب المرويات الشفهية الشعبية:
بلادٌ تطوّحهُ في بلاد
وعاشر كل العباد
وآمن أن الحياة محبة
وأن الصلاة محبة
وأن القضاء يحبّ القدر
وآمن أن القدر
يحب الشجر
وأن الشجر
يحبّ الحجر
وآمن أن المطر
يحب جميع البشر.
ويحاكي أسلوب المتصوّفة كما في هذا المقطع:
ألا اشهد بأني أحبك لاسمك أنت ووجهك
أنت..ولا اسم ولا وجه لي في رحابكْ
ولا باب لي دون بابك
وما من حضور يجسدني في غيابك
إلهي آمنت فاعلم
وآمنت فارحمْ
وآمنت فاسمع دعائي ويسّرْ عليَّ بعسر جوابكْ
أما المذاهب والمدارس الفنية التي عرفها تاريخ الشعر، قتحضر جميعها في النصّ، متجاورة ومتكاملة، مما يدلّل على عمق تمثّل الشاعر لخصائصها الفنية وإمكاناتها التعبيرية وإنجازاتها الجمالية، بدءاً من الصرخات الحماسية التي تعود إلى الواقعية الثورية كما عرفناها في شعر خمسينات وستينات القرن الماضي، وكان سميح آنذاك، واحداً من أبرز من عمل على ترسيخها وتأصيلها، قبل أن ينفتح على المذاهب الأخرى ويؤسس صوته الخاص. فالمقطع التالي من هذه السربية يبدو كأنه هارب من شعر المقاومة في تلك المرحلة:
- على باب مملكة الله تهوي بقبضتك الغاضبه
لتوقظ قلب السماء وشمس عدالتها الغاربه
تفجّرْ
تفجّرْ
كبير حصارك.. والحقّ أكبر
كبير عذابك.. والله أكبر
تفجّرْ
ويمكن للقارئ أن يلاحظ أن الرومانسية تتجلّى بكامل عدّتها، من شفافية التعبير وغلالة الأسى والموقف اليائس ومفرداتها المميزة مثل:(القبر والعذاب واليتم والحزن والليل والقلب والقيد والحلم) في هذا المقطع:
أخاطب قبرك يا والدي يا صديق عذابي ويتمي
أتى الحزن ليلاً عليكَ وليلاً على قلب أمي
ويأتي عليَّ
وما في يديَّ
سوى قيد جسمي وحلمي.
أما المشاهد السوريالية، فيبرع الشاعر في رسمها، حتى تبدو كأنها خارجة للتوّ من مرسم سلفادور دالي أو هذيانات أندريه بروتون، مثل هذا المشهد من مطلع السربيّة:
-وهذا دخان دمي، لا دخان السجائر..ينسلُّ من رئتيّ ومن حاجبيّ ومن شعر رأسي.. ولا شيء بين أصابع يمناي إلا قليل من الماء.. بين أصابع يمناي ماءٌ أخطُّ به سيرة النار.. ظلُّ البخار تضاريس وجهي.
وهذا المشهد أيضاً:
على جثتي يندف الثلج..في محجريَّ ملاذ النهار..تجوب السحالي تجويف عظمي..شعار القراصنة الغبر جمجمتي.
وإذا كنّا، فيما قدّمناه من تحليل، قد وقفنا على أهمّ المكونات التي يتشكلّ منها نسيج النص، فإنه لا بدّ لنا من ملاحظة أن كلّ وحدة شعرية من الوحدات التي تؤلف نص السربية، يمكن للمتلقي أن يقرأها كقصيدة ناجزة مستقلة، إلا أن تقديمها على نسق واحد في السربية يتيح لها أن تنتج أثراً جمالياً وتوحي برؤيا عامة تتميّز عما يمكن لكل وحدة أن تقدمها بمفردها، تماماً كما يختلف صوت السرب الناجم عن طيرانه، ويختلف ما يتركه في الفضاء من أثر، وما يرسمه على الأرض من ظلال، عما يمكن أن ينجم عن كل طائر بمفرده. وهذا هو جوهر البناء الفني للسربية، وجوهر اختلافها عن القصيدة التركيبية الدرامية التي عرفنا نماذج منها في إبداع عدد من كبار شعراء العربية. فالقصيدة التركيبية الدرامية تقوم ،في الأساس، على الأسلوب الدرامي الذي (يتجلى فيه أساساً تعدّد الأصوات والمستويات اللغوية، وترتفع درجة الكثافة نتيجة لغلبة التوتّر والحوارية فيه) حسب قول الدكتور صلاح فضل(2) مما يجعل القصيدة ساحة (تتفاعل فيها البؤر والشبكات الدرامية التي تمتدّ إلى جميع تشكيلاتها البنيوية واللغوية والأسلوبية والإيقاعية والتخييلية)(3) بينما لا يظهر هذا التفاعل بين مكوّنات السربية إلا في نفس المتلقي بعد قراءته لها وانطباعها على نفسه كما ينطبع ظلّ السرب على الأرض.
وفي الحقيقة، فإن (السربيّة) تمثّلُ أهم الإنجازات الإبداعية الفنية التي قدمها سميح القاسم لحركة الحداثة في الشعر العربي، ليس لأنها اقترحت شكلاً جديداً من أشكال البناء الفني للقصيدة، فحسب، بل لأنها أظهرت بوضوح عمق ثقافته الموسوعيّة، وتملّكه أسرار وخفايا المذاهب الفنية المختلفة، وموهبته الفذّة في التقاط أدقّ التفاصيل وصياغتها في مشاهد شعرية موحية، وكذلك قدرته على تطويع اللغة، وبناء التراكيب المدهشة، وخلق الصور المبتكرة، وإنضاج التفاعلات العميقة الكامنة بين الواقع المعيش والتاريخ العالمي والتراث الإنساني والذات الشاعرة. وذلك هو جوهر الإبداع الشعري.
الهوامش:
1-حوار مع سميح القاسم- مجلة ثقافات-جامعة البحرين-العدد5-صفحة134
2-الدكتور صلاح فضل-أساليب الشعرية المعاصرة-بيروت-1995- الصفحة35
3- الدكتور نزار بريك هنيدي- مفهوم القصيدة الدرامية في الشعر العربي المعاصر-مجلة الموقف الأدبي-العدد512-حزيران2014-الصفحة34

المصدر: 
مجلة المعرفة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.