ملكة أبيض العيسى سفيرة الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية

الثلاثاء, December 29, 2020
كاتب المقالة: 

المترجمة ملكة أبيض العيسى تظل من المثقفات اللواتي عبرن تاريخ الثقافة العربية والمغاربية بكثير من الحضور والخلود، رغم تهميشها من قبل ذوي الشأن الثقافي الجزائري.

 

تعتبر المترجمة والكاتبة السورية الراحلة ملكة أبيض العيسى من الأسماء الهامة في عالم الأدب العربي، حيث أقامت مشروعها في جزء هام منه على نقل النصوص العربية المكتوبة بلغات أخرى مثل الفرنسية. وللمترجمة فضل كبير مثلا على الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية حيث قدمت فيه ترجمات هامة عرفت القارئ العربي به، لكنها ظلت إلى رحيلها منذ أيام مهمشة رغم إسهاماتها البارزة.

في خجل، على رؤوس أصابع قدميها، بكندا، ترحل المترجمة والأكاديمية ملكة أبيض العيسى (1928-2019). تعرفتُ عليها بدمشق، التقينا مرات عديدة في ملتقيات أدبية وندوات ومحاضرات، كانت دائما صحبة زوجها الشاعر السوري سليمان العيسى (1921-2013)، كانا يشكلان ثنائيا جميلا، ثنائيا ثقافيا واجتماعيا وأسريا نموذجيا، بأخلاق عالية والتزام تجاه القضايا السياسية التي يؤمنان بها التزاما لا غبار عليه، وحتى الذين اختلفوا معهما في السياسة احترموهما ثقافيا وإبداعيا وحياتيا.

مشروع ترجمة الأدب

كانت ملكة أبيض العيسى مثقفة عميقة، تجمع ما بين الحس الأكاديمي الهادي البارد والحرية الثقافية الإبداعية، لها حساسية خاصة باللغات الأجنبية، فهي تحسن الفرنسية والإنكليزية وتترجم منهما، ولها مع اللغة الفرنسية علاقة خاصة، فهي اللغة التي قرأت فيها أجمل النصوص الأدبية الجزائرية، وترجمت بعضها إلى العربية، حتى أننا كلما التقينا كانت تصر على أن نتحدث باللغة الفرنسية. كانت لها لكنتها المشرقية الجميلة. كانت قارئة نهمة للآداب الكلاسيكية الفرنسية، وكانت تحفظ عن ظهر قلب بعض أبيات الشاعر الجزائري المتميز مالك حداد بالفرنسية.

في مطلع ستينات القرن الماضي كانت دمشق العاصمة العربية الوحيدة التي عملت بشكل جاد على تقديم الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية إلى القارئ السوري والعربي والناطق بالعربية، ولهذا الغرض فقد أسست وزارة الثقافة آنذاك سلسلة سمتها “سلسلة الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية”، وقد نشرت منها أزيد من عشرين عنوانا مترجما من الفرنسية إلى العربية، من روايات وشعر ونصوص مسرحية.

وعلى الرغم من أن هذه الترجمة اتسمت بالحس “النضالي” أكثر من الحس المعرفي الجمالي، إلا أنها خدمت الأدب الجزائري بشكل كبير جدا، واستطاعت أن تقدم أهم الأسماء الجزائرية الأدبية من جيل الخمسينات: محمد ديب، مولود فرعون، مولود معمري، كاتب ياسين، مالك حداد، آسيا جبار..

اليوم ونحن نعود إلى مثل هذه التجربة العميقة في الترجمة الأدبية، لا نملك إلا أن نقدر مثل هذا الجهد الفكري المتميز الذي كان الغرض منه تقديم صورة عن أدب كتب ثورة من أهم ثورات القرن الماضي، وهي الثورة الجزائرية التي انطلقت في الفاتح من نوفمبر1954 وتكللت بالاستقلال في 5 يوليو 1962.

وفي هذا الإطار قدمت هذه السلسلة بعض النصوص الأساسية والمفصلية في تاريخ الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، فقد تولى الدكتور سامي الدروبي ترجمة ثلاثية محمد ديب المشكلة من الروايات التالية “الدار الكبيرة” و“النول” و“الحريق” وهي العمل الروائي الذي سجل بعمق ما كان يعيشه المجتمع الجزائري عشية ثورة التحرير، أي في الفترة ما بين 1939 وحتى العلامات الأولى للاستعداد للثورة المسلحة، وكيف انتقل المجتمع الجزائري المستعمَر من لحظة تبعية إلى لحظة ثورية.

وقد قدم ديب في ثلاثيته نصا سرديا بسيطا وبشعرية عالية تتبع فيه يوميات البسطاء من الرجال والنساء والحرفيين والنقابيين والشيوعيين والنخب في مدينة تلمسان والقرى المجاورة لها، وكيف انتقل المجتمع من حالة الكساد إلى حالة من رد الفعل، إن ثلاثية محمد ديب تعد أهم نص روائي رسم وبقوة وذكاء وجمال تشكل الوعي الثوري عشية حرب التحريرالجزائرية، ودوافع وأسباب هذا الوعي وأيضا القوى البشرية التي كانت تتهيأ لقيادة هذه المرحلة التاريخية الجديدة.

كما ترجمت في هذا السلسلة أيضا روايات مالك حداد “سأهبك غزالة” و“رصيف الأزهار لا يجيب” و“المعلم والتلميذ” و“الانطباع الأخير” و“ابن الفقير لمولود فرعون و“الربوة المنسية” لمولود معمري وغيرها من النصوص المؤسسة للأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية.

المترجمة النبيهة

لعل ما قامت به المترجمة ملكة أبيض العيسى في هذه السلسلة يعد متميزا فقد قامت بترجمة مسرحيتين لكاتب ياسين هما “الجثة المطوقة” و“الأجداد يزدادون ضراوة” 1961، وأيضا “الشقاء في خطر” ديوان شعر لمالك حداد 1961، ولكن العمل الأكثر تميزا في علاقتها بالأدب الجزائري هو ترجمتها لرواية “نجمة” لكاتب ياسين التي صدرت العام 1963.

اختيار هذا النص تحديدا لترجمته هو اختيار ينم عن ذوق عال وفهم للأشكال التعبيرية التجديدية في الأدب السردي الجزائري من قبل المترجمة، ليس من اليسر ترجمة نص كـ“نجمة” كاتب ياسين والتي اعتبرها النقد الأدبي الفرنسي حين صدورها العام 1856 عن منشورات لوسوي باريس بأنها أعقد من نصوص الرواية الجديدة التي كان يقود موجتها آلان روب غرييه وناتالي ساروت وميشال بيتور وكلود سيمون.

ومع ذلك غامرت ملكة أبيض العيسى الترجمة، وكان صدور رواية “نجمة” لكاتب ياسين مترجمة إلى العربية حدثا أدبيا كبيرا، وقد تركت صدى كبيرا في العالم العربي. وأعتقد أن هذه الرواية لم تؤثر فقط على مسار الأدب الجزائري والمغاربي بالفرنسية بل أيضا أثرت على مسار السرد العربي حين قرئت مترجمة، نشعر بأثر ذلك على تجارب كل من جبرا إبراهيم جبرا وإسماعيل فهد إسماعيل وغسان كنفاني وإدوارد الخراط..

كل من أقدم على ترجمة رواية “نجمة” بعد ترجمة ملكة أبيض العيسى إلا وقال إن ترجمتها ناقصة أو إنها ترجمة “نضالية”، وهي كذلك ما في ذلك شك، وأعتقد شخصيا بأنه لا توجد ترجمة كاملة ونهائية، ولا توجد ترجمة واحدة ووحيدة، خاصة حينما يتعلق الأمر بنص عال وكبير مثل رواية “نجمة” لكاتب ياسين، لكني متأكد بأن من قام بترجمة بعد ترجمتها إلا واعتمد هذه الترجمة كنسخة أساسية أقام عليها ترجمته من خلال النقد أو التصحيح أو المعارضة، هذا لا يقلل أبدا من الترجمات اللاحقة ولكن يعطي لصاحبة الأولوية والسبق الفضل في تأسيس ترجمة لا تزال تقرئ بكثير من المتعة.

كانت ملكة أبيض العيسى مثقفة عميقة، تجمع ما بين الحس الأكاديمي الهادي البارد والحرية الثقافية الإبداعية

كما قامت ملكة أبيض العيسى بترجمة بعض أشعار الأديب مالك حداد خاصة ديوانه الشهير “الشقاء في خطر”، وقد حدثني سليمان العيسى قائلا إنهما حين استضافا مالك حداد بسوريا بعد الاستقلال، وقرأت ملكة أبيض عليه بعض قصائده مترجمة إلى العربية بكى، لا لشيء إلا لأنه لم يكن يفهم ما يقرأ له من نصوصه، وربما يكون هذا اللقاء هو الذي عمّق حس فكرة التوقف عن الكتابة بالفرنسية عند مالك حداد، لأنه اعتقد أن دوره ككاتب بالفرنسية قد انتهى مع استقلال الجزائر ومع أصوات التعريب التي كانت تملأ دنيا السياسة وإعلام البروباغاندا.

أعتقد أن رأي مالك حداد كان مخطئا، فالأدب الجزائري بالفرنسية قد ازداد قوة وحضورا وتجريبا بعد الاستقلال، وتتالت أجيال كثيرة في الكتابة العالمية المتميزة منذ رشيد بوجدرة ورشيد ميموني والطاهر جاووت وبوعلام صنصال وصولا إلى كمال داود فالكتابة الأدبية بهذه اللغة لا تزال حاضرة ولا تزال أيضا اللغة الفرنسية لغة ثقافة وأدب وتواصل في الجزائر الراهنة. تظل المترجمة ملكة أبيض العيسى من المثقفات اللواتي عبرن تاريخ الثقافة العربية والمغاربية بكثير من الحضور والخلود.

وإذا كان فضل ملكة أبيض العيسى على الأدب الجزائري كبيرا ومتميزا ففي المقابل تم تهميش هذا الاسم وتناسيه من قبل ذوي الشأن الثقافي في الجزائر المستقلة، فلم تكرم التكريم الذي يليق بها، وهي التي اقترن اسمها باسم كاتب ياسين ومالك حداد وبالثورة الجزائرية، فبرحيلها هل سيطلق اسمها على مؤسسة ثقافية أو فنية أو تربوية من مؤسسات الجزائر الراهنة؟

المصدر: 
جريدة العرب
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 14 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.