ملتقى الشارقة للسرد في الرباط قراءات نقدية في الرواية الجديدة

الأحد, December 23, 2018
كاتب المقالة: 

يتراءى ملتقى الشارقة للسرد في صور إبداعية شتى، ولئن كانت الدورات السابقة تطرح أسئلة حول الحالة السردية في مضمونها وشكلها العام، فإن دورة الرباط في نسختها الخامسة عشرة، حاولت أن تُجيب عن أسئلة نقدية حول الرواية الجديدة (تحولات وجماليات الشكل الروائي)، وباعث هذه الأسئلة يأتي من يقينه بقيمة دراسة الإبداع السردي.

 

بكلمة ثانية، إن ما نقرؤه في الملتقى من دراسات، هو بصدد تأسيس مرجعية ثقافية عربية.. هكذا ننظر إلى ما يشكله الحدث السردي من أهمية وحالة فارقة.
البداية كانت من التساؤلات المرتبطة بمدخل الملتقى حول (الرواية الجديدة والخصوصية الثقافية)، ومساءلة المفاهيم المؤسسة لمعماره، إلى الإجابة حيث التوافق في وجهات النظر حول تحفظها على تسمية (الرواية الجديدة)، بوصفها تسمية ملتبسة.
يرى، في سياق ذلك، الناقد المغربي رشيد الإدريسي، وهو أحد المتحدثين في المدخل (الطاولة المستديرة)، ود. فهد حسين (البحرين)، ومعجب العدواني (السعودية)، عند ذكر مفهوم (الرواية الجديدة) أن ذلك لا يعني بالضرورة، استخدام تقنيات جديدة، بل، ربما تكون العودة إلى الرواية الكلاسيكية نوعاً من أنواع التجديد، ويشدد (التسمية مرفوضة لأن الرواية فنٌ مفتوح في أفق واسع ليس له قواعد مثل الشعر العربي المقفّى).

بنية الملتقى ارتكزت على خمسة محاور، وجاءت، تباعاً، في تطور التقنيات الروائية، وتقنيات الشكل الروائي، والرواية بين حدود النوع والفنون الأخرى، والرواية التفاعلية، والظواهر الجديدة في الرواية العربية.
تمحور مدخل الملتقى، أيضاً، حول أبعاد (جماليات الرواية الجديدة)، وكان المتحدث الرئيسي د. عبداللطيف محفوظ (المغرب) في ورقة حملت عنوان (ملاحظات حول جماليات الرواية الجديدة)، وعقّب د. حسين حمودة على دراسة محفوظ بورقة جاءت تحت عنوان (قضايا جماليات الرواية العربية الجديدة)، فيما ترأس الجلسة الصباحية سليمان المعمري (سلطنة عُمان).
دراسة محفوظ جاءت في (11) ملاحظة انطلاقاً مما أسماه (الدليل التفكري) تركزت معظمها حول قراءة عميقة في متون روايات عربية متنوعة.
يذكر د. عبداللطيف في ذات الصدد: يُعَدُّ الدليل التفكري منظوراً إليه من زاوية تلقي العالم (تحليلاً ممارسياً)، وفق تحديد سورل، يحول الشكل إلى فكرة، ثم يحول الفكرة إلى شكل. ويتطلب هذا الإجراء، في الغالب، استعارة مادة التخييل من نفس مادة الواقع الذي كان موضوع تلقيه، وذلك ما يفسر تعدد تمظهراته النصية على الرغم من كون المرجع موحداً العالم أو الواقع.. ولأنه أساس التمثيل، فإنه، أيضاً، أساس الجميل.
ويضيف: سنحاول، من خلال هذا التصور، مقاربة تطور جماليات الرواية العربية، عاملين على كشف تمظهرات الهوية والاختلاف فيها، وذلك من خلال بعض التجارب التي بدت لنا قادرة على أن تمثل الاختلاف الممكن بين تمثلات واقع شبه مشترك.
وتناول الأكاديمي (7) نصوص سردية، ناقش فيها الأبعاد الجمالية للرواية، ويوضح محفوظ: من أجل تحقيق ذلك انتقيت النصوص التالية: (عزازيل) ليوسف زيدان، و(شوق الدراويش) لحمور زيادة، و(ساق البامبو) لسعود السنعوسي، و(حفيد سندباد) لحبيب عبدالرب سروري، و(حذاء فلليني) لوحيد الطويلة، و(جيرترود) لنجمي حسن، و(الحجر والبركة) لعبد الرحيم جيران.

يبرز الأكاديمي المصري د. حسين حمودة أهمية دراسته وقيمتها، في قوله: ترتبط أهمية هذه الدراسة وقيمتها، أولاً، بأهمية الموضوع الذي تتناوله؛ فهو موضوع موصول، كما نعرف جميعاً، بنوع أدبي هو الرواية استطاع، خلال فترة تاريخية قصيرة نسبياً، بدأت فيما بعد «توطينه» في الأدب العربي خلال العصر الحديث، أن يجتاز مسيرة فنية حافلة، وأن يتعاظم نتاجه وحضوره، وأن يزاحم ولا أقول: وأن (يزحزح) أو (يزيح) أنواعاً أدبية أخرى راسخة كان لها، ولايزال، تاريخ ممتد واهتمام لافت.
ويردف: تتصل أهمية هذه الدراسة وقيمتها، ثانياً، بكونها تطمح إلى أن تحيط بتجربة واسعة المجال، يصعب الإحاطة بكل جوانبها؛ فـ (جماليات الرواية العربية الجديدة) عنوان مفتوح على تجارب أدبية هائلة، وعلى ظواهر فنية مراوغة، كما تتعلق أهمية هذه الدراسة، ثالثاً، بالمنهج الذي انطلقت منه في معالجة موضوعها المتسع، مترامي الأبعاد، وبالطريقة التي التزمتها في هذه المعالجة. فوقفت، منذ البداية، عند التحديد الاصطلاحي لمفردات عنوانها الاستهلالي (ملاحظات حول جماليات الرواية الجديدة)، وتقصّت الدلالات المتعددة في المفردات المركزية بهذا العنوان، وقامت بذلك من خلال الحرص على الانتقال دائماً من الجزئي إلى الكلي.
دراسات نقدية وبحثية متنوعة تناولت الكثير من الأسئلة، كما تناولت الإجابة عنها في اليومين الأخيرين من الملتقى، وكان ثمة تساؤل تداوله المشاركون حول مدى هيمنة الرواية على بقية الأجناس الأدبية، في الوقت الذي حملت فيه الدراسات الأخرى عناوين نقدية ناقشت موضوعات متعددة في الرواية.
ختام الملتقى جاء في محورين مختلفين، حيث بحث الأول في (الرواية التفاعلية)، والثاني في (الظواهر الجديدة في الرواية العربية)، فيما أسدلت شهادة روائيّين الستار على أعمال الدورة.
شارك في المحور الأول: د. زهور كرام (المغرب)، ود. جمال ولد الخليل (موريتانيا)، فيما ترأس الجلسة د. محمد تنفو.
تستهل كرام الحديث حول الرواية الرقمية، تقول: عندما ظهرت الكتابة الأدبية في علاقة بالوسائط التكنولوجية، أعادت طرح السؤال حول: ما الأدب؟ إنه سؤالٌ يتجدد مع ظهور وسائط جديدة يتجلى من خلالها الأدب. نُفكر في الأدب في تجليه التكنولوجي ونحن نستحضر مسارات انتقال الأدب من الشفهي إلى الورقي.
وتتابع الناقدة المغربية: تعتبر رواية (على بعد مليمتر واحد فقط) للكاتب المغربي عبدالواحد استيتو أول رواية مغربية عربية تُكتب عبر منصة الفيسبوك فصلاً بفصل، وشكل القراء عنصراً جوهرياً في تحديد مسارها، وبناء توقعات أحداثها، وتوجيه مصائر شخصياتها، وصياغة خطابها، ثم تحقيقها عملاً روائياً.
ولد الخليل قدّم دراسة حملت عنوان (الرواية الرقمية بين المفهوم والتأسيس)، أوضح فيها مفهوم الرواية التفاعلية، بقوله: الرواية التفاعلية نمط من الفن الروائي يقوم فيه المؤلف بتوظيف الخصائص التي تتيحها تقنية النص المتفرع، والتي تسمح بالربط بين النصوص، سواء أكانت نصوصاً كتابية أم صوراً ثابتة أم متحركة، أم أصواتاً حية أم موسيقية أم أشكالاً جرافيكية متحركة أم خرائط أم رسوماً توضيحية أم جداول أم غير ذلك.

Description: http://alshariqa-althaqafiya.ae/Portals/0/SAM_0267.jpg
ويكمل في موضع آخر يتناول الحديث عن خلاصات مفتوحة، منها أن التجربة العربية في التفاعل مع الأدب الرقمي لاتزال في بدايتها، على الرغم من مرور ما يقارب عقدين على ظهور الروايات الرقمية وغيرها، كذلك الإبداع الرقمي في حاجة إلى المزيد من التراكم الإبداعي نصوصاً وتجارب، ويذكر أن الرواية التفاعلية تعد تطوراً مباشراً، حيث أدى احتكاك الأدب بالتكنولوجيا إلى ظهور الرواية التفاعلية بشكل أو بآخر، فيما انفتاح هذا الأدب على المتلقي يمنحه الحرية في الإبحار في ما لا يمتلكه متلقي النص الورقي.
في المحور الثاني تحدث: د. ضياء الكعبي (البحرين)، ود. عبدالله ولد سالم (موريتانيا)، وأدارت الجلسة د.فاطمة العلي (الكويت).
تورد د. الكعبي في ملخص لدراستها تقول فيه: من الظواهر اللافتة للانتباه في الرواية العربيّة الجديدة كثافة الاشتغال على الخطاب الصوفيّ لشخصيات ذات سطوة رمزية اعتباريّة مثل جلال الدين الروميّ ومحيي الدين ابن عربيّ. ولا تعني هذه الظاهرة أنَّ الرواية العربيّة الحديثة والمعاصرة تخلو من اشتغالات سرديّة صوفية؛ فلدينا نماذج مهمة جداً لمثل هذا الاشتغال خاصة عند نجيب محفوظ في بعض رواياته، وعند جمال الغيطانيّ الذي يمثل (كتاب التجليات) بأجزائه الثلاثة رواية استلهمتْ بعمق خطاب محيي الدين بن عربيّ ممتزجاً برؤية جمال الغيطانيّ الإبداعّية. كما سنجد مثل هذه الاشتغالات الصوفيّة المعمَّقة في بعض روايات الروائيّ الأردنيّ مؤنس الرزّاز، وفي بعض روايات الروائيّ الجزائريّ الطاهر وطّار خاصة روايته (الولي الطاهر يعود إلى مقامه)، وكذلك في بعض روايات الروائيّ الجزائريّ واسيني الأعرج ومنها رواية السيرة الذاتية (سيرة المنتهى: عشتها كما اشتهتني).
د. ولد سالم تناول ورقة بعنوان: في شعرية الرواية العربية الجديدة.. روايات موسى ولد أبنو نموذجاً، يقول: لعل اختيار روايات موسى ولد أبنو نموذجاً للحديث عن (شعرية الرواية الجديدة)، والوقوف عند بعض سماتها يتحقق منه ما يشير إليه المثل من (إصابة عصفورين بحجر واحد)، حيث سيتم تسليط بعض الضوء على روائي معاصر له أعمال تستحق الدراسة، وتتصف بالخصائص التي تؤهلها لأن تكون نموذجاً للرواية العربية الجديدة، وإبراز جوانب من الأساليب التي مكنت الروائيين الجدد من تعديل سنن أسلافهم تعديلاً أعطى فنهم مزيداً من تكثيف التعدد؛ لا في تقنيات السرد فقط، وإنما أيضاً في استدعاء الأجناس، وتغيير الرؤى في فهم الواقع بدلالاته المختلفة.
وسجلت عبير درويش شهادة حول كتابتها، فقالت: أكتب لأن الكتابة تمنحني وسط ضجيج العالم خلوة مع عقلي لا مثيل لها، وتجعلني أعيش ألف حياة وحياة، لم أكن أعرف أن الطفلة المتطلعة لوجوه الآخرين وتحرص على متابعة خلجات نفوسهم، وعاداتهم.. الثابت منها والمتغير، وتشيد داخل رأسها الصغير مسرحاً تحركهم فيه كالدمى، وتتمتم بآخر جملة مرتدة داخل عقلها كالصدى.
الجانب الفلسفي كان حاضراً في الشهادات، والبحث عن تأويلات الذات، في هذا الصدد تقول فاتحة مرشيد: جئت الأدب كما يقصد عطشان نبع ماء.. لألبي حاجة ماسة إلى الارتواء.. الكتابة بالنسبة إليّ حياة أخرى داخل الحياة.. وفضاء آخر للتنفس وسط الفضاء.. فضاء يمَكّنني من أن أطلق صرختي في وجه العالم كمولود جديد، فأتعلم النطق من جديد، والمشي من جديد، والبحث والتساؤل والعيش والتعايش والحب والموت من جديد.
وكان اليوم قبل الأخير من الملتقى، قد شمل ثلاثة محاور جاءت عناوينها، تباعاً، في (تطور التقنيات الروائية) ضمن المحور الأول، و(تقنيات الشكل الروائي) في ثاني المحاور، فيما تضمن المحور الثالث الحديث حول (الرواية بين حدود النوع والفنون الأخرى)، كما سجّلت الجلسة الثالثة شهادتين للرّوائيّين فاطمة المزروعي من الإمارات، ومنصور صويم من السودان.
متحدثو المحور الأول ناقشوا (تطور التقنيات الروائية)، وصعود الحالة السردية منذ الرواية الكلاسيكية وصولاً إلى ما وصلت إليه، من تحوّلٍ وانقلاب، وما مرّت فيه من مراحل كانت كفيلة في تطورها.
شارك في الحديث: د. عبدالعزيز بنّار (المغرب)، ود. سعيد يقطين (المغرب)، ود. سهير المصادفة (مصر)، في حين ترأس الجلسة ناصر عراق (مصر).
المحور الثاني (تقنيات الشكل الروائي) ناقش أبرز سمات الرواية الجديدة، شارك في الحديث: د. فاطمة البريكي (الإمارات)، ولطيفة لبصير(المغرب)، ود. إبراهيم السعافين (الأردن).
المحور الثالث (الرواية بين حدود النوع والفنون الأخرى) بحث في ورقتين آليات تفاعل الرواية مع غيرها من الفنون، والرواية والتداخلات الفنية.
وسجل الروائي السوداني منصور الصويم إلى جانب فاطمة المزروعي شهادتين حول تجربتهما الكتابية.

م

المصدر: 
مجلة الشارقة للثقافة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

5 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.