دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

مقدمة كتاب أصول الإيمان

الاثنين, July 3, 2017
كاتب المقالة: 

أوَّل صلة بين الله تعالى وعباده، وأعظمُ وشيجة يجب أن تكون حاضرة وقوية في كلِّ حال وآن؛ هي: " صلة الإيمان "؛ ذلك الإيمانُ الذي ينبغي أن يصل إلى درجة اليقين ويثمر العمل الصالح؛ ومن أجلِّ الأعمال الصالحة أن نسعى إلى الربط بين عباد الله تعالى برباط الأخوَّة الخالدة، التي لا تنقطع أواصرها مهما بلغت شدَّة دواعي الفُرقة، ومهما اشتعل أُوار أسباب التمزُّق؛ لأنَّ المحن والفتن من سنن الله تعالى، لا تزيد المؤمن إلا تشبثاً بإيمانه، وتثبيتاً وترسيخاً لمبادئه؛ فلا يمكن لتصوُّر عابر ونزَقٍ غير مؤسَّس أن يجتث الكلمة الطيبة والقناعة الراسخة من جذورها، ويحيلها أعجازَ نخلٍ خاوية، بين لحظة وأخرى.

ذلك أنَّ وحدة المسلمين همٌّ حمله الكثيرون مِن المخلِصين، وولجوا إليه مِن أبوابه العديدة والمتعدِّدة، ثم نظروا إليه نظرات مختلفةً، ولكن غير متباينة؛ فالجميع يرجو تحقيق أعظم مقصد في الإسلام، أن يكون الناس أمَّة واحدة، وصورةً حيَّة، وتمثُّلاً صادقاً لقوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 3/110] . ولقد فوجئ الجميع بأسباب التثبيط المتلوِّنة أمامَ هذا المقصد الجليل، وبالعقبات الكؤود كلَّ مرة؛ ولكن، "يبقى الأمل، ويرحل المؤمِّل"، ليأتي مِن بعده من يحاول مرة ومرات.

ونحسب أنَّ عمَلنا الذي نضعه بين يدي القارئ الكريم، ونحمِله إلى أطياف أمَّة الإسلام على اختلاف زوايا نظرها إلى الموضوع، نحسبه إضافةً نرجو أن تزيد في دفع وتيرة التفكيرِ الجدِّي في موضوع تجسيد وَحدة الأمَّة، وبنائها على أسسٍ من العلم والعمل، بمنهج يتبنى صواب التجاربِ المتقدِّمة، ويستبعد تكرار الأخطاء السابقة، ويستشعر ثقل المسؤولية، ويتيح للأمة أن تخطو خطوات في الفعل بعد طول القول وكثرته.

وتبقى مسؤولية تجسيد وحدة الأمَّة عامرة بها كلُّ الذمم؛ لأنَّ للجميع نصيبه من الإنجاز. هي مسؤوليةٌ لا تعفي أحداً باعتبار المستويات العلمية والفكرية، ولا تبرِّر لأحدٍ باعتبار الموقع والمكان والمكانة في المجتمع.

ومهما بحثنا عمن يتحمل عبء عودة الأمَّة إلى وحدتها، فلا نجد خيراً من العلماء وأهل العلم؛ ذلك أنَّ الفُرقة أوَّل ما كانت، وأوَّل ما نشأت، بسببٍ من اختلاف الرؤى والتفسيرات، والولاء للعصبيات المذهبية والانتماءات.

فإذا كان الداء من نافذة سوء استعمال العلم بحثاً، ومن باب فساد التفكير منهجاً، فلا يصلح أن يُنتظر الدواء من غير إصلاح الأسباب والمصادر، فكأنَّ هذا العمل يحمل فكرة إلفات نظر أهل العلم أن يرحموا أمَّتهم، ويتحمَّلوا مسؤولية رفع هذا الغبن عنها، عملاً بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 13/11] .

فالكتاب موجه أولاً إلى أهل العلم؛ لينظروا ما هم فاعلون في الموضوع، وهو يخاطب فيهم صدقَهم وصفاءَ نياتهم، ويستثير فيهم حبَّهم لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين جميعاً؛ ولنتساءل بضمائرنا قبل ألسنتنا:

متى نسمو إلى المقام الرفيع الذي ينادينا إليه داعي الإيمان، في قوله تعالى للمؤمنين: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 21/92] ؟.

ولقد اكتوت الأمَّة طويلاً مِن آلام الفُرقة وتداعياتها، وما تزال تدفع أثماناً باهظة على يد أبنائها، في غمرة الصراع المختلَق والمتكلَّف بينهم، وفي حمأة التنازع الذي ينساق إليه من سوَّلت لهم أنفسهم أنهم يدافعون عن حقٍّ، ويستبسلون في سبيل واجبٍ، والواقع أنهم في كثير من الأحيان وقعوا أدوات طَيِّعة، وبكلِّ جود وسخاء، في قبضة من يُملون عليهم: "أن دمِّروا بيوتكم بأيدكم، لا بأيدينا"، وهم لا يعلمون، ولا يفقهون، ولا يعتبرون.

ومنذ أمد كان هذا المشروع أملاً حتى صيَّره الله تعالى عملاً، وكان انشغالاً حتى تحوَّل - بفضل الله تعالى - إنجازاً، وكان همّاً مشتركاً حتى جعل الله له مخرجاً؛ فجاء بعنوان مباشر، واضح، مثير للفكر، وهو: " أصول الإيمان: التوحيد ووحدة الأمة ".

هذه فكرةُ الكتاب، وهذه قصَّته؛ إذ جمعنا الله تعالى - في تأليفه - وله الحمد والمنة، وجعل البحث العقديَّ قاسماً من بين القواسم المشتركة الكثيرة بيننا، وله الثناء الحسن؛ وتتوارد الأفكار على منهج معالجة الموضوع بيننا، وعلى الوصول إلى وَحدة في تناول الوحدة. لا تلك الوحدة القاتلة للفوارق، ولكنها الوحدة الجامعة المؤسَّسة على جلال التوافق، وجمال التنوع.

فقد حوى الكتاب في شطر منه دراسة " أصول الإيمان " التي عليها تُبنى الوحدة، وبحث كيفية رجوع الأمَّة إليها باعتبارها سبباً للوحدة "ونحن في ذلك نقرُّ بتقليد المذهب في الفروع، لا في الأصول؛ ونعتبر المذهبية دليلاً على سماحة الإسلام، وعلى سعته؛ لا حجَّة على تشتُّت الدين وأهله"، ونفرِّق بين "أصول الدين" الجامعة، و"أصول المذهب" المشروعة.

ولقد تضمَّن الكتاب في شطره الثاني " مقالات في تحليل واقع الأمَّة "، وموقفها من أصول إيمانها، من خلال دراسة نماذج من التصرفات والتصورات، وتقديم تصحيح لها، في حدود السجالِ العلميِّ، تحت راية الفكر السمح المنفتح على التداول والحوار.

كما سجلنا استثماراً من بين ثنايا مضمون الكتاب قوائمَ نحسبها " قواعد كليَّة " منهجية في التعامل مع البحث العقديِّ، وحصراً لجملة من " الأخطاء المتعلقة بالمنهج " عند دراسة العقيدة وعلم الكلام، وأتممنا كلَّ هذا " بمسرد مفاهيمي " في الموضوع.

هذا، ونسأل الله تعالى القبول والمغفرة من الزلل والتقصير، وأن يكون لهذا السِّفر ما بعده من سفَر، وأن يفتح له أفئدة أهل العلم والعمل، فنكون بذلك قد أسدينا - جميعاً - معروفاً جميلاً إلى هذه الأمَّة الخيِّرة، عسانا نقوم ببعض واجبنا نحو ديننا وأهلينا وأوطاننا.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

د. مصطفى وينتن  ـــــــــــــــــــــ  د. محمد باباعمي

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.