مقترحات للنهضة

الأربعاء, June 13, 2012

تحديد خطوات العمل هو المرحلة الفاصلة لتعبيد الطريق نحو تحقيق النهضة، ولأن بناء الفرد ومحو أميته ومن ثم بناء المجتمع هو الهدف الرئيس للنهضة، ولأن الاعتراف بوجود المشكلة هو بداية طريق الإصلاح، فإننا نستعرض عبر السطور التالية عددًا من المقترحات التي تحقق النهضة.. ومن بينها رد الاعتبار للمعلم، وتعزيز فلسفة الإبداع سواء لدى الطالب أو في المناهج، وكذا تحقيق التوازن بين أعداد الملتحقين بالتعليم الجامعي والمهني، مع زيادة الميزانية المخصصة للتعليم والبحث العلمي.. ونفصل ذلك فيما يلي.

«التعليم فرصة للإنقاذ».. تحت هذا العنوان جاء كتاب الأكاديمي المصري د.حسام بدراوي مؤكدًا على أهمية كليات التربية في إعداد وتدريب المعلمين في إطار متشابك ومتكامل، وضرورة العمل على مواجهة التحديات التي تواجه كليات التربية، وكذا التنسيق بين أساتذة المواد التخصصية والمواد التربوية، في ضوء وحدة هدف إعداد المعلم الكفء القادر على تحقيق المعايير القومية، إلى جانب التواصل بين الطلاب والأساتذة، والالتزام بالساعات المكتبية، والاهتمام بالإرشاد الأكاديمي. 

ونظرًا لخصوصيتها، شدّد د.بدراوي على ضرورة وضع سياسات محددة لتطوير كليات التربية، تشمل وضع رسالة محددة وواضحة، في ضوء طبيعة واحتياجات المجتمع الذي تخدمه، هذا إلى جانب تطويع برامج وممارسات العمل بهذه الكليات حسب نظام الساعات المعتمدة، بما يعمل على توحيد النظامين التكاملي والتتابعي، مع فتح مسارات بين كليات التربية والكليات الأخرى، وكذلك تطوير نظم القبول بها من خلال وضع وتطبيق اختبارات قبول موضوعية لاختيار الطلاب، على غرار اختبارات القدرات الخاصة.

ونوه بأنه من الضروري تحفيز الشباب- من طالبي العلم والمعرفة- على الدخول في مهنة التدريس، وهذا في المقام الأول مسؤولية الدولة في أن تجعل هذه المهنة جذابة، وتجعل لها، بالإضافة إلى عائدها المادي المناسب المحفز، عائدًا اجتماعيًّا يلبي الاحتياج إليها، ويسوق لقيمتها.

ونادى بدراوي بضرورة وجود شراكة مؤسسية بين كليات التربية ووزارات التربية والتعليم في تكوين المعلم وتنميته المهنية أثناء الخدمة، وإيجاد توازن بين متطلبات سوق العمل في الداخل والخارج، وبين أعداد المقبولين فيها، الأمر الذي يتطلب العديد من الدراسات الديموغرافية حول النمو السكاني، والاحتياجات النوعية للمدارس الواجب إنشاؤها أو تطويرها لتلائم هذا النمو، مع تدعيم البحوث التربوية وربطها بالقضايا التعليمية الحقيقية التي يعانيها المجتمع.

البحث العلمي

وعن الركن الأساسي الذي طالما اهتم به خبراء التعليم وهو البحث العلمي، قال بدراوي إن التوجّه نحو مجتمع المعرفة يتطلب تطوير استراتيجية قومية شاملة، تحدد الأولويات، وتعمل على زيادة الاستثمارات في مجال البحث والتكنولوجيا، وتشجيع قيام المشروعات البحثية المشتركة بين الجهات المتعددة، بهدف ربط مخرجات البحث باحتياجات المجتمع والصناعة وخدمة أهداف التنمية.

وأوضح أن تحقيق الطفرة المرجوة يرتبط بتقييم مخرجات البحث العلمي موضوعيًّا، باستخدام معايير عالمية تهتم بقيمة الرسائل العلمية والبحوث المنشورة، والمشروعات التعاقدية، وعدد براءات الاختراع، والعائد المباشر والاجتماعي للبحث العلمي، وأثره في الإنتاجية العامة للدولة، أيضًا تعظيم الاستفادة من الموارد البشرية المتاحة في مؤسسات البحث العلمي، والتطوير عن طريق زيادة البعثات الخارجية والإشراف المشترك، وإنشاء مراكز التميز العلمي داخل الجامعات، وجذب الباحثين للعمل في وحدات البحوث بالقطاعات الإنتاجية.

بعثات خارجية

ورأى خبراء التعليم أن الاهتمام بإرسال البعثات عامل مهم في السعي نحو النهضة، ولهذا شواهد على مختلف الأزمنة وفي أماكن عديدة على المستويين العربي والعالمي، وعن هذا قال محمد عمر في كتابه «حاضر المصريين أو سر تأخرهم» إن التاريخ الحديث لمصر يؤكد أن النهضة والتنوير في العهود المختلفة كانا يتوافقان بشكل أو بآخر مع الانفتاح على العالم، وإرسال المبعوثين للتعليم، والحصول على المعرفة والتبادل الثقافي.

 وأضاف أن نظام التعليم المصري الحديث بدأ من عهد محمد علي باشا، الذي أنشأ الكثير من مدارس الهندسة والطب والقانون واللغات، وكان في ذلك الوقت يتم إرسال الطلبة المتميزين إلى غربي أوروبا، وخاصة فرنسا، ليتلقوا تعليمهم العالي ويحصلوا على شهادات ودرجات علمية تساعد في تطوير نظام التعليم في مصر، وفي عام 1908 تم إنشاء أول جامعة وطنية سميت بعد ذلك بجامعة فؤاد الأول، واستمر إرسال الطلبة ليتموا تعليمهم العالي في الخارج وخاصة في إنجلترا، وفي عام 1953 بعد قيام الثورة سميت بجامعة القاهرة، ومنذ ذلك الحين تشجع مصر إرسال الطلبة وأعضاء هيئة التدريس إلى الجامعات ومراكز البحوث في الخارج، وخاصة إلى الولايات المتحدة للمساهمة في تطوير التعليم والبحث العلمي. 

الجودة والتخصص

ووجد البعض أن النهضة تحدث عند مراعاة تحديد هدف التعليم وفقًا للفترة والزمن والمجتمع الذي نعيش فيه، وأن يكون التعليم من أجل أهداف اقتصادية أو أهداف مرتبطة بالعمل، وعن ذلك يؤكد، العميد السابق لكلية التربية جامعة بورسعيد، د.محمود متولي أهمية أن يكون التعليم من ضمن أهدافه الرئيسية القدرة على الإسهام في التجارة العالمية، وأن يستجيب لاحتياجات الاقتصاد التي تشتمل على المهارات الفنية، والمهارات الخاصة بالعمل ضمن فريق العمل الجماعي، وهذا يحتاج إلى طلاب يعرفون كيف يتفاوضون مع الناس.. وكيف يصبحون متخصصين.

 وباعتبارها أحد معايير تقييم العملية التعليمية، يؤكد د.متولي أن الجودة تتمثل في التعليم الذي يُمكِّن المتعلمين من تخطي المحدودات المفروضة.. وحدد عناصرها في: القيم، السلوك العملي، الاتجاهات، وأكد أنها عناصر ضرورية في العملية التعليمية إلى جانب مهارات ما بعد المعرفية، التي تسهم في نقل المعارف وتقديم حلول غير مألوفة للمشكلات الجديدة.

 كما أكد على ضرورة امتلاك التلاميذ- منذ دارستهم الأساسية وحتى مرحلة البلوغ- كفاءة في ثلاثة مجالات رئيسية، أولها: أن يكونوا قادرين على استخدام أدوات التعامل بفاعلية مع البيئة، مثل تكنولوجيا المعلومات، وأيضا الأدوات الاجتماعية والثقافية مثل استخدام اللغة، وثانيها: الاشتراك مع غيرهم على اختلاف خلفياتهم في مجموعات غير متجانسة، وأخيرًا تحمل المسؤولية الخاصة بإدارة حياتهم الخاصة، وشغلها لموقع ما في البيئة الاجتماعية الأكبر، والعمل باستقلالية.

 كما أكد د.متولي على ضرورة تواصل الأجيال، وأن نعطي المعلم وعقل الإنسان قيمتها، وضرورة توفر الإمكانات التعليمية والترفيهية من مسارح وملاعب وأنشطة، بجانب العلوم النظرية، كما يطبق في كل الدول المتقدمة.. أيضًا ضرورة وجود مشرفين اجتماعيين وتربويين، مبررًا ذلك بأن الأسرة العربية لم تعد قادرة على التواصل مع المدرسة، بعدما كانت شريكًا أساسيًّا في العملية التعليمية لأبنائها.

 وأكد على ضرورة توظيف الوسائل التعليمية القائمة على الخيال كجزء من العملية التعليمية إلى جانب الوسائل الآلية، فـ«نحن في حاجة إلى ثورة الحداثة، والفلسفة الخاصة بالنظام التعليمي، وخلق مواطن مشارك، يكون حارسًا للمجتمع دون تعصب أو إرهاب».

 بداية جديدة

 «أن نبدأ من جديد في عالم التربية».. تلك كانت الخطوة الأولى التي وضعها المستشار الاقتصادي د.محمد رضا طلبة، ضمن مقترحاته بشأن النهضة التعليمية، معتبرًا أن قضية التربية أصبحت تكتسب آفاقًا جديدة، مشيرًا إلى أن النهضة التعليمية يجب أن تتمركز حول أربعة محاور رئيسية وهي: «أن تعرف، أن تكون، أن تعمل، وأن تتواصل».

 وأوضح د. طلبة أن المحور الأول يعني أن نربي الجيل على اكتساب المعرفة، وهذه تختلف بصورة جذرية في عصر المعلومات عما سبقه من عصور، وذلك وفقًا لستة جوانب رئيسية وهي: التحول من ماذا نعرف إلى كيف نعرف، ومن تراكم المعلومات إلى زيادة المعارف، ومن التخصص إلى الاندماج المعرفي، ومن سلبية الاستقبال إلى إيجابية البحث والاكتشاف، ومن الظاهر البسيط إلى الأكثر تعقيدًا.. وأخيرًا من التفكير الخطي إلى المنظومات المعرفية.

 بينما المحور الثاني يعني أن نمكن الجيل ليعمل من خلال تأهيله لمطالب المجتمع، وتزويده بالمهارات المطلوبة في مجتمع المعلومات، واكتسابه لكل مهارات التعامل مع الوسيط الإلكتروني، والحوار عن بعد، ومهارات التفاعل مع المنظومات، بالإضافة إلى مهارات العمل الجماعي، والعمل أثناء الحركة، وفي المنزل، لأن في عصر المعلومات تنهار السدود بين المدرسة ومؤسسات الإنتاج، ويصبح التعليم هو القدرة على اكتساب المهارات والخبرات من المهد إلى اللحد.

 وتابع: المحور الثالث للنهضة التعليمية أن نعاون الفرد على إنجاز ذاته، وهذا يقتضي أن نقوم بتحولات مهمة في مجال التربية، والعمل على تنوع الأنشطة التربوية ما بين فنية وأدبية ورياضية وثقافية واجتماعية، حتى نواجه الاهتمامات المتباينة للمتلقي.

 وأكد د. طلبة على ضرورة أن يبدأ النشاط التربوي من حيث يريد الطفل، وذلك من خلال عمل يأتيه بنفسه أو بمشاركة غيره، ومن ثم تضيف ثورة المعلومات للتربية أبعادًا جديدة، وتتحوّل بمقتضاها العملية التربوية من العام إلى الخاص، بحيث يرتكز الجهد على احتياجات كل متعلم.. مبينًا أن الطفل أصبح بلا جدال هو مركز العملية التربوية في إنجاز الذات، لذلك لابد من تقوية ملَكة الحكم على الأمور لديه، وهذا يتحقق من خلال النظم الخبيرة وتنمية الشعور بالمسؤولية.

 والخطوة الأخيرة عند طلبة هي تخليص المتعلم من نزعات التعصب، خاصة أن التربية في عصر المعلومات تعتمد على التواصل مع الآخر، والتعرف إلى حضارات الآخر، لذلك لابد من تشجيع مهارات الحوار، والتصدي لظاهرة العنف، وتقوية المهارات في اكتشاف الآخرين، ومعرفة القواسم المشتركة بين البشر، وبذلك يمكن استعادة النهضة التعليمة، وتتحول إلى مشروع وطني حضاري ينبع من خصوصية وطننا العربي، ودوره التاريخي في حياة العالم.

 إعداد المعلم الكفء.. وزيادة استثمارات البحث.. وتدعيم البحوث التربوية.. أهم محاورها

 ثلاثة مجالات رئيسة ينبغي توافرها في التلاميذ ليكونوا قادرين على التفاعل مع بيئتهم

 

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

3 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.