معرض بيروت للكتاب يحتفي بالصغار "روائيون ومثقفون: أدب الطفل منبع الوعي "

السبت, December 5, 2015
كاتب المقالة: 

ربما تكون الثقافة الأهم والفاعلة في المجتمع هي تلك الثقافة الأولى، التي تتوجّه للإنسان في بداية وعيه ومن ثم تتوجه إلى محيطه الواسع، إن ثقافة الطفل تنمو في لغة الكبار، ومن يكتب الأدب الموجه للطفل لا شك في أنه يمثل حالة ثقافية مسؤولة يمكن أن تكون أساس الوعي الثقافي والمعرفي والعلمي في حياة الأجيال الطالعة.

أدب الطفل قد يكون من أصعب الأنواع الأدبية، وهو كذلك حتماً، ذلك أنه يحتاج إلى وعي معرفي فكري مكثف، وقدرة على توظيف الشفافية والرهافة والبراءة في إطار جامع، يمتح من براءة الطفل.

في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب (59) القائم حالياً في وسط بيروت، تخصص مساحة كبيرة لدور نشر مخصصة لأدب الطفل. وتكاد تكون هذه الدور منافسة لدور نشر أخرى تهتم بالموسوعات والرواية والشعر والتاريخ والفلسفة وسواها من الكتابات التي تحرك وعي الإنسان وفكره. وفي جولة واسعة قامت بها «الخليج» في أنحاء المعرض، يتضح المشهد أكثر، حيث بدت دور النشر التي تهتم بثقافة الطفل كغابة خضراء مرتبة ومنظمة. إذ تبرز كتب متنوعة الشكل والمضمون، بألوانها الناطقة بالبراءة والجمال، تبرز كصور ولوحات فنية تجذب نظرات الأطفال وهي تتجول في المساحة الواسعة بين أجنحة المعرض. وتحاول هذه الكتب أن تثير وعي الطفل من خلال لغة مبسطة.

في المعرض توقيعات لكاتبات، يتحلّق حولهن جمهور ثقافي، وكل واحد ينتظر دوره للحصول على كتاب. وفي جناح دار المؤلف، وقعت سناء شباني كتابها الذي ينتمي إلى أدب الطفولة، ويحدث الأمر نفسه في دور نشر أخرى، وتقول شباني: «لقد أنجزت العديد من الكتب الموجهة للطفل، وقد أخترتها بصيغة أدبية مبسطة لتكون في متناول وعي الطفل الذي سيقرأ. وأشعر بالكثير من الهدوء والطمأنينة عندما أكتب أدباً من هذا الطراز، الكتابة القصصية الموجهة للطفل هي كتابة فاعلة تساعد في توطيد علاقة الطفل بوعيه».

الفنانة التشكيلية غنى حليق تكتب قصصاً للأطفال، وأصدرت العديد من القصص التي تستهدف الطفل في بداية وعيه، وتقول: «منذ مدة طويلة وأنا أكتب من وحي الطفولة، أكتب القصة والرواية التي تحاكي براءة الطفل وتجذبه إلى مناخات صافية تساعده على تلمس ثقافة أولى فاعلة في كيانه وعقله، وقد اخترت أدب الطفل عن سابق وعي، ذلك أنني شعرت بأهمية الكتابة التي تساهم في تأسيس وعي الأطفال، كتابة القصة أو الرواية التي تحاكي وتدغدغ عقل الطفل ليست بالمهمة البسيطة أبداً، كما يتوهم البعض. إن الكتابة الموجهة للطفل صعبة، من حيث كيف يمكن مقاربتها لتكون أداة اتصال بوعي الطفل، ولغة هادئة وفاعلة في تحضير وتفسير وشرح المعنى لعقل طفل ما زال في طور التشكل والوعي. ولأجل كل هذا انطلقت، بكتاباتي للطفولة، من أرضية وأساس الفعل الفني للوحاتي. أي أنني رسمت للطفل، بالكلمات والقصص والروايات، صورته بما تمثّل من تفاصيل تتشكل في حياته وفق نمو عمره، وجعلته يقرأ ألوان حضوره، ويتعرف إلى أشكال حركاته، ويتلمّس فرحه بيديه وعينيه. حاولت أن أقدم كلماتي للطفل على هيئة مرآة. أردت لكتبي أن تكون مرآة الطفل في مرحلة أولى من وعيه وحياته».
الكاتبة شيرين كريدية، مديرة دار «أصالة»، التي فازت بجائزة الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال يمتد جناحها في المعرض على مساحة واسعة، تزينه الكتب الكثيرة والعناوين الجاذبة، وتكتب كريدية القصص التي تعطي وتمدّ الطفل بوعي هادئ وسليم، وتقول: «ثقافة الطفل أمر حيوي إذا عرف كاتب أدب الطفل أن يقاربه من زاوية حيوية، ولا بد أنه سيقدم للطفل ما يحتاجه من ثقافة مبسطة تساعده على سلوك أفق المعرفة المبكرة، أدب الطفل هو العنوان العريض الكبير في نشاطنا وكتاباتنا، فدار أصالة متخصصة بنشر كتب الأطفال، وننتهج أسلوباً خاصاً في هذا السياق، له أسسه العلمية والثقافية التي تعتمد على أصول هي في أساس وعي الطفل. وكذلك أنا أكتب أدباً للطفل أحاول من خلاله وضع اللمسات الصافية على لون الحياة التي يعتمدها الطفل في تكوين وعيه وبدايات حياته، أدب الطفل هو من أساس الأدب المؤثر في الثقافة المكتوبة، لذلك أعطينا كل الأهمية لكتاب الطفل، من حيث المضمون والموضوع والأسلوب، وكذلك نهتم بشكل الكتاب وأناقته، ليكون جاذباً للطفل، فالشكل أيضاً هو أمر حيوي في كيفية تقديم الثقافة لهذه الشريحة البشرية الأساسية في المجتمع فعين الطفل هي اللحظة الأولى التي تبدأ بالظهور في خريطة الوعي الأول».

الدكتور حسن عجمي المتخصص في الفلسفة، قارئ محترف لأدب الطفل، يقول، «أشعر بنوع من الحاجة إلى التعرف إلى أدب الطفل، ذلك أن الكتابة، بمختلف أنواعها، هي لغة يمكن من خلالها الدخول إلى تفاصيل وعي آخر، وعي جديد مثير ولافت ويقدم الصورة التالية لحياة قائمة ومفتوحة على تنوعات واحتمالات وتفاصيل لا يمكن حصرها. ومن يكتب في مواضيع عميقة كالفلسفة، يحتاج إلى مدخل من باب آخر إلى أعماق ما يحاول إثباته في كتاباته ومؤلفاته، ويأتي أدب الطفل، هنا، كمادة تنويرية تضيء الفكرة أكثر وتجعلها في مساحة وضوح جلي».

الروائية نهاد عارف الجمال أيضاً قارئة ومتابعة لأدب الطفل، وهي تتابع وتبحث دائماً عن كتابات من هذا القبيل لتحصل على محرّض يدفعها لكتابة قصة أو رواية، وتقول: «أجد متعة كبيرة في قراءة أدب الأطفال، خصوصاً القصائد والأشعار التي تتوجه للطفل. فكلما قرأت نصاً أو قصيدة من هذا النوع، أشعر بأنني وصلت إلى ما يساعدني على ابتكار موضوع رواية أو قصة. فالكتابة بالنسبة لي لا تأتي من فراغ، وأكثر ما يجعلني أرى وأكتب وأبتكر هي تلك الكتابات التي تأتي وتولد في مساحة اولى، مساحة الطفولة، فكيف إذا كانت هذه الكتابات قادمة من رحم الأدب، الذي هو عنوان ثقافتي التي أمارسها دائماً؟». 

المصدر: 
الخليج
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.