معرض الكتاب في الرياض بين ذاكرتين: الرقيب والمرأة

الثلاثاء, March 19, 2019
كاتب المقالة: 

المرأة السعودية تحضر في معرض الرياض الدولي للكتاب مؤلفة ومشاركة وعارضة وزائرة، الأمر الذي يجعل من الماضي حالة من حالات الاستذكار.

جاء معرض الرياض الدولي للكتاب الذي افتتح فعالياته الأسبوع الماضي في ثوب مختلف متطلع إلى مستقبل تكون فيه للمرأة دورها المحوري، وتكون فيه حرية النشر والقراءة بعيدة عن مقص الرقابة. وفي سبيل الوقوف على واقع المعرض بشكل لصيق وواقعي، توقفت “العرب” مع مجموعة من الكتاب السعوديين المهتمين لاستشراف حالات تطور المعرض خلال السنوات الأخيرة التي شهدت قفزات واضحة، انعكست من جرّاء سرعة التحولات الاجتماعية التي كوّنت واقعا ثقافيّا مختلفا عن السابق.

تحت شعار “الكتاب بوابة المستقبل” انطلق هذا العام معرض الرياض الدولي للكتاب متخذا من المستقبل ثيمة له، حيث يقدّم الكتاب باعتباره الركيزة الأولى لفتح أبواب المستقبل عبر فهم الحاضر ومعرفة أدواته التكنولوجية والمعرفية والفكرية، هذا الشعار التنويري يطرح العديد من الأسئلة المتعلّقة بطبيعة الكتب المتاحة في المعرض، وعلاقتها بالرقابة، وموقف المنظمين من تنوّع الكتب وحضورها بحرية للقارئ.

من جانب آخر تحضر المرأة في المعرض مؤلفة ومشاركة وعارضة وزائرة، الأمر الذي يجعل من الماضي حالة من حالات الاستذكار، حيث كانت المرأة -لوقت قصير جدا- معزولة وغير مرئية في الفعاليات الثقافية السعودية.

منع الكتاب وتغييب المرأة كانا عنوانين كبيرين في معارض الرياض السابقة، حيث تغيب الكثير من العناوين العربية والعالمية تحت مقص الرقيب القاطع، وأيضا تغيّب المرأة بعيدا عن الفعاليات الثقافية جراء تسلّط جماعة الصحوة الإسلامية المتشددة.

الآن، ومع رؤية 2030 التي لامست السياسي والاقتصادي كما لامست الثقافي والاجتماعي، هل تجاوزت السعودية هذين التابوهين، وهل استطاعت الرؤية أن تعبّد طريقا ثقافيا جديدا يحضر فيه الكتاب والمرأة دون رهاب أو خوف.

المرأة والتفاؤل

يرى الكاتب حسن مشهور أن تقييم المجتمعات الحضارية لا يكون إلا على ضوء قبولها للفكر والفكر المضاد. يقول “التنوع والاختلاف في الرؤى والأطروحات هو ما يسهم في تطور الجوانب العقلية والفكرية للمكون البنيوي للمجتمع، ويأتي معرض الرياض الدولي للكتاب هذا العام بما يحويه من كتب وإصدارات على اختلاف أنواعها ليثير أسئلة وجودية نلحظ تشكلها حينما نطالع المتاح من الكتب التي تعرض في هذه التظاهرة الثقافية التي تتكرر في الرياض مرةً في كل عام”.

ويتابع “المراقب الجيد يدرك بأن ليس كل ما ينشر سيتاح له التواجد على منصات عرض دور النشر. ونعم نحن مع الرقابة على تلك الإصدارات التي تتعارض مع الثابت الوطني والعَقَدي، لكن على الجانب الآخر نلحظ بأن هناك من الإصدارات الفكرية ما لا يتم التصريح بتواجده بالمعرض على الرغم من عدم تعارضه مع الثوابت، والأمر في تقديري خاضع هنا لمزاجية الرقيب ليس إلا”.

وعن حضور ومشاركة المرأة في المعرض يعلّق مشهور “تأتي مشاركة المرأة هذا العام كمؤلفة ومشاركة وزائرة لتبرز للجميع ذلك التحول السوسيولوجي ذا السمة الإيجابية التي صار إليها المجتمع السعودي، وهو من الأمور التي تُسْعِد. إذ أن عقود الوصاية والمصادرة التي كانت تمارسها الراديكالية الصحوية بحق المرأة السعودية قد أسهمت إلى حد بعيد في تقزيم الدور الريادي للمثقفة السعودية. لكن جملة التحولات الإيجابية التي طالت الداخل السعودي، نتاج الجهد الإصلاحي الذي انتهجته القيادة السعودية، هو ما أنصف المرأة وأعاد لها مكانتها الإيجابية”.

وتعلّق الشاعرة ازدهار أبوالليرات قائلة “بعد أخذ جولة سريعة في ويب سايت معرض الرياض الدولي للكتاب والبحث في دور النشر المشاركة، وقائمة الكتب المعروضة، يتضح بأن العلاقة بين بعض الدور والرقابة مازالت غير صحية. ومن ناحية أخرى لوحظ رفع مستوى مشاركة النساء في المعرض من خلال تكريمهن أو حضورهن ضيفات شرف أو مشرفات في المعرض وبالطبع زائرات. وتعدّ هذه المشاركة تحقيقا لهدف من أهداف رؤية السعودية 2030 وهو تمكين المرأة واستثمار طاقتها”.

وفي نظرة تفاؤلية ناحية المستقبل تذهب الكاتبة هنادي الوادعي إلى أن السعودية لم تكن جديدة، بل هي في حالة تمخض طويل أنجبت طفلا متكاملا بعد طول انتظار. تقول الوادعي لـ”العرب”، “ها هي أغلب الكتب التي كنا نتوق لرؤيتها مسبقا فوق المنصات موجودة اليوم بعدما كنا نختارها خلسة، ونقرأها خلسة، ونخبئها خلسة، صارت في المتناول”. وتضيف “في شعار تربوي ممتاز لهذا الطفل ‘اقرأ ما تشاء، وخذ مصدرك ممّن تشاء'”. ولن يقدر على تربية الطفل ثقافيا إلا كلا الوالدين دون أن نختلف على أن للمرأة الدور الأكبر.

الكتاب والتحديات

في الجانب المتفائل نفسه تقول الشاعرة ملاك الخالدي “بعد اليوم الأول من المعرض بدا لي التنوع في الكتب المعروضة لافتاً، ثمة كتب فكرية وأدبية لكتّاب وأدباء من أطياف واتجاهات متباينة، كما أن هناك كتباً تجاوزت الحظر السابق وهذا بفضل ولي العهد السعودي الأمير محمد ين سلمان في ‘رؤية 2030’، التي جاءت لتفتح للمتلقي رؤى وفلسفات وأفكارا تأخذ بيده ليكون فردا متفاعلاً مع حاضره، متطلعا ومقبلا لغد مضيء ومُشاركاً في بناء مستقبل وطنه”.

وترى الخالدي أن المرأة حاضرة أيضا، فهي -بحسب تعبيرها- “الدينامو” المُحرك للمعرض، والمُنظّمة والمُشاركة الفاعلة في النشاط الثقافي والتطوعي.
من جانبها تؤكد الروائية أميرة المضحي على أن اختيار شعار المعرض “الكتاب بوابة المستقبل”، والذي تشرف عليه وزارة الثقافة المستقلة مؤخرا عن وزارة الإعلام، والتي يقودها وزير شاب يحمل على عاتقه الترويج للثقافة في البلاد كقوة ناعمة بما يتطابق مع رؤية 2030 له دلالة هامة، فالكتاب -والكلام للمضحي- هو الوسيلة الأولى والأهم لتحرير العقل من كل ما علق به من أوهام وجهل وتخلف. تقول “لا يوجد إنسان عربي عاقل لا يدرك أن العربي في مآزق متتالية نتيجة الجهل، وحتى يخرجوا منها ليس أمامهم سوى القراءة والكتب، وإعمال العقل الذي ينتج عنها، فالكتاب شهادة الحياة والبقاء للمجتمعات في ظل كما يحدث في العالم”.

وتتابع “أمام معرض الكتاب هذه السنة تحديات كبيرة، فكل معارض الكتب تحاول الترويج لفكرة القراءة، لكن الأهم هو الترويج لفكرة أن الكتاب ضرورة وليس ترفا، وأن القراءة الجيدة ضرورة قصوى لإعمال العقل والتفكير والوسيلة الوحيدة للخروج من حالة التخلف”.

رفع مستوى مشاركة النساء في المعرض من خلال تكريمهن أو حضورهن ضيفات شرف أو مشرفات أو زائرات

ويؤكد في هذا السياق الشاعر خالد الكديسي على أن “الكتاب هو مفتاح المعرفة وجسر الحضارات الذي يربط بعضها ببعض، وحين يأتي شعار المعرض مواكبا للرؤية المستقبلية للسعودية فهو يؤكد أهمية الكتاب والمعرفة بالنسبة إلى الإنسان لمواكبة العصر الذي يعيشه”.

ويوضّح الروائي سامي الطلاق في مداخلته مع “العرب” أن الخطاب التنويري للأمم يجب أن يكُون حِصانهُ الكتاب. وعن مشاركة المرأة. يقول “أظنُّ أن المرأة كانت حاضرة دوما بكتبها دون شخصها، نتذكر رجاء الصانع مثلاً لروائية اكتسحَت المبيعات برواية وحيدة، المناخ الذي تُتيحه الأوضاع الاجتماعية الإصلاحية سينعكس على الارتياح العام للعارض كونه ناشرا بالدرجة الأولى”.

ومن جانبها تقول الشاعرة بثينة اليتيم “في ظل تواجد قارئ له ذائقته المتطلبة أعتقد أن معرض الرياض تحديداً له حضوره النوعي، سأهب الأمر حسن ظني ولحصيلة المناسبة شيئا من الإيجابية، فقد استطاع الكتاب الآن أن يتواجد متجاوزا نسبة من الحدود الرقابية”.

وتضيف متسائلة “المعرض بما يحمل من تفاصيل، سواء من كتب ودور نشر ومرتادين ومنظمين هو فرصة لإلقاء نظرة فاحصة على جغرافيا الواقع الثقافي وتضاريسه ومتغيراته”.

زكي الصدير

المصدر: 
جريدة " العرب"
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

8 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.