دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

مشكلات إسلامية للحوار

الأحد, July 29, 2012
كاتب المقالة: 

ثمة مشكلات أساسية في فهمنا للواقع أدت بالمجتمع الإسلامي إلى ما نعيش فيه هذه الأيام ومنها عدم إدراك البعض أن الإسلام ليس وجهة نظر، إنما هو أصل للتاريخ الذي نعيشه، وأن نشأة الحضارة الإسلامية ترتبط بهذا الأصل، ما يعني أن المسلمين جميعاً هم صناعة تاريخهم، أكثر مما هم صناعة عقيدتهم، لأن كل الأفكار التي نشأت في المجتمع الإسلامي كان هذا النشوء عندها بقوة العقيدة، في الوقت الذي كانت حضارتنا في مختلف مراحلها هي صناعة تاريخنا .

هذا ما يدعونا اليوم للتساؤل حول مدى دقة من يعتبرون أنهم على الطريق الصحيح لمجرد أنهم يأخذون النص ويطبقونه للوصول إلى الآخرين، على أساس أن نهتم بالدنيا لنربح الجنة فقط، علماً بأن القرآن الكريم يحدثنا عن مدى قدرتنا على احتواء العالم الذي نعيشه، ولذلك فإن فقهاء الإسلام قسموا المجتمع الإسلامي إلى أهل استجابة، وأهل دعوة، فأهل الاستجابة يسعون إلى صلاح الدنيا ليربحوا الآخرة، في ما يتحول دورنا عندما نكون أهل دعوة لتصبح مسؤوليتنا تجاه الآخرين أكثر من مسؤوليتنا تجاه أنفسنا وسعينا للجنة، وهذا الواقع جعل الفرق الإسلامية منقسمة بين منطق سياسي، هو أساساً منطق غربي تريد هذه الفرق أن تعبّر عن نفسها من خلاله من منطلق العودة إلى العهد الأول، وهذا عملياً تناقض تاريخي، ومن جهة أخرى جاءنا من لا يستطيع بناء أفكار جديدة من منطلق الإسلام وحضارته التاريخية وحوّلنا إلى مجتمع يسير به التاريخ ولا يسيّره هو .

 

فنحن لا نتعاطى مع العصر الحاضر بمقتضياته، من باب الدخول به ومحاولة مواجهته بدل مواجهة الآخر، لأننا نعيش الالتزام بالأساس، وهذه المشكلة عانتها من قبل الحركة القومية، ومن قبلها الليبرالية، عند تقديم نفسها كعناوين لتاريخنا وحضارتنا وعيشنا، بحيث إننا بدل أن ندرك الحقيقة إدراكاً صحيحاً فنحن نتعالى عليها، مع أننا لا نصنع الحدث وإنما الحدث يصنعنا .

 

وحتى حينما نتعاطى مع السياسات الدولية فنحن نعتمد الأفكار كما تجري دراستها في الكتب حين تلفت نظرنا، ولا نعيش الأفكار من التجربة، لذا نرى دائماً الحركات الإسلامية حين تتحدث عن قيام المجتمع الجديد فإنها تعتمد النماذج غير الإسلامية، فأفكار الإسلاميين هنا لا تنطلق من الرؤية والتجربة، لأن الواحد منهم في أعماقه ينطلق من أفكار المكتبة الغربية التي استوردها أو التي هي نتاج الأزهر أو الجامعة وبالتالي فكلاهما يتساويان في إدراك الوجود المسلم المقيّد بتاريخ أكثر مما هو يصنع التاريخ .

 

فاليوم مثلاً يتحدثون عن الحوار بين الأديان في حين أن المشكلة ليست هذا الحوار، والقضية الإسلامية في الحوار بين الإسلام والأديان الأخرى انتهت منذ دعوة أهل الكتاب إلى كلمة سواء بيننا وبينهم، وهي دعوة لا تتكرر، وقد حسمت مرّة واحدة، بأن بني الأمر على أساس الشهادة بأننا مسلمون وانتهى الأمر .

 

نحن مثلاً عندما نتحدث اليوم عما نسميه الإعجاز القرآني وننشئ له محطات ومؤسسات وكتباً وشخصيات بات لها مقامها الفكري المحترم، فكأننا أدركنا فجأة أننا خارج التاريخ لذا نخوض في القرآن من أجل أن نثبت أننا ما زلنا ضمن التاريخ، نثور لأن الآخر أساء للقرآن بكلمة أو صورة أو فعل بينما نحن من أساء إليه لأننا لا نعمل به في حياتنا، فنحن نلعب بعقول الجماهير من دون مرتكزات فغيرنا يصنع الفعل أو الإثارة ونحن نصنع ردات الفعل، أي أننا نعيش الانقسام كيف يمكن أن نكون مسلمين؟ وكيف يمكن أن يكون الإسلام الأساس في حياتنا؟

 

نحن نعيش اليوم تحت ما يسمى بعالم الجغرافية، حيث كل العالم الإسلامي غير مستقر، لأن كل البوابات التي تصل إليها “إسرائيل” في المنطقة يجب ألا تستقر، لأنه في الاستقرار يستعيد الإنسان قدرته على العيش في هذا العالم من دون أن يتحول إيمانه إلى مشكلته أكثر مما هو حل لمشكلته ولمشكلة العالم، فالمسلم اليوم يحاول أن يحافظ على دينه لأنه فقد قدرته على تغيير العالم، بينما في الاستقرار يمكنه العودة إلى جذوره المتراكمة فيصبح قادراً على رؤية العالم بالصورة التي يستطيعها .

 

يبقى أن نقول إن قوتنا ليست في السلاح الأقوى لأن أكبر الدول المشترية للسلاح لا تحارب لأنه ليس لديها قضية، بل المشكلة كيف نبني بأنفسنا موقفاً له علاقة بأنفسنا، أي كيف نكون حركة في التاريخ لا حركة خارج التاريخ .

 

* وزير سابق نائب رئيس المجلس

 

الشرعي الإسلامي الأعلى في لبنان

دار الخليج

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

12 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.