دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

مدخل إلى "الظاهرة القرآنية" لماك بن نبي

الأحد, May 1, 2016
كاتب المقالة: 

الظاهرة القرآنية كتاب نفيس للمفكر الإسلامي الكبير المرحوم مالك بن نبي كتبه باللغة الفرنسية وصدرت طبعته العربية بمقدمة ضافية للأستاذ محمود شاكر، ويسر "دعوة الحق" أن تنشر مقدمة الأستاذ محمود شاكر مع توطئة للدكتور عبد السلام الهراس الذي عاشر المؤلف أثناء إقامته بالقاهرة وأخذ عنه وكان أول من عرف بفكره في المغرب على صفحات هذه المجلة

محمود شاكر...شخصية فذة في ميدان الفكر والقلم والمواقف المشرفة، وهو من أعلام تاريخنا المشرق الذين يلتزمون بميثاق شرف الكلمة لذلك لذلك أوقف حياته على إحياء التراث الإسلامي والعربي تأليفا وتحقيقا وإنشاء وتوجيها واشرافا وارشادا، وحماية ودفاعا، وهو رجل معارك وصراع لا يعرف للسكوت معنى ولا يلتمس لأصحابه ولا لنفسه عذرا إذا دعا واجب الجهاد والذود عن حرمة لغة القرآن وقيم الإسلام، وقد عرف محمود شاكر باعراضه، في اباء وشمم، عن الإغراءات السخية والعروض الشهية موثرا السير في الموقف الذي اقتنع به والخط الذي التزمه رغم ما يحفه من إرهاب وتسلط ووعيد وما يجره عليه من عنت وإرهاق وتنكيل . .......
وأعداء الإسلام والعربية يحسبون لقلمه ألف حساب وقد أذاقهم به من الغصص والحنضل ما أرغمهم على الإنزواء في جحورهم ملتجئين إلى الانكباب على الدس والوقيعة والتآمر مع من يملكون السيف والسجن كما هي مواقفهم دائما من أحرار الفكر وأصحاب الكلمة المقدسة: كلمة الحق !
ولد الأستاذ محمود شاكر بالأسكندرية في 10محرم سنة 1327الموافق لفبراير سنة 1909 في جو علم وتقي، وهو صعيدي مغربي قرشي النسب.
اجتاز المرحلة الإبتدائية بالأسكندرية وأنهىالمرحلة الثانوية بالقاهرة وحصل على شهادة التوجيهي (الباكولوريا) شعبة العلوم ولكنه غير اتجاهه فالتحق بكلية الآداب عند ميلادهها سنة 1926 درس على أهم أساتذة العصر ومنهم طه حسين ونيللنو المستشرق الإيطالي والشيخ مصطفى عبد الرازق، وأحمد أمين، وعبد الحميد العبادي، ومن رفائقه الأول: محمد مندور ومحمد فؤاد حسين، وخليل نامي، والشيخ المكي الناصري والحاج امحمد بنونة.   
وقد أثرت قضية طه حسين في حياته تأثيرا كبيرا وهي الأساس الأول في تحويل اتجاهه، وقد كان أول من تصصدى لحواره والرد عليه داخل الجامعة وخارجها، كما تأثر باتصاله بالكاتب الإسلامي الكبير مصطفى صادق الرافعي الذي رأى فيه صورة خالصة لمسلم القلب والنفس ومثال الكاتب الملتزم المجاهد.
إن شخصية محمود شاكر متعددة لجوانب لا تستطيع مئات الصفحات أن تفي بحقوقها، أنه شيخ مدرسة الأصالة والتجديد والإحياء والبعث، وله فضل كبير على أمتنا الإسلامية بما قدم لها من خدمات جلي.
تعرفت على محمود شاكر أنا وأستاذي مالك ابن نبي خلال سنة 1957، في بيته بالقاهرة فرأيت كيف يعرف الرجال اقدار بعضهم وكيف يتجاوب أبطال المعركة عندما يتلاقون في ميدانها، وكان لهذا التعارف دفع قوي وتأثير جميل في نشاط مالك بن نبي بما دعم به محمود أخاه ورفيقه في الجهاد وبما سانده به من تشجيع أدبي كبير كان له أبعد الآثار في أثر وترويج مؤلفات مالك بن نبي في مصر وخارجها.
وفي بيت أستاذنا محمود شاكر تعرفنا على شخصيات هامة وعلى طلاب نبغاء جاءوا جميعا يأخذون الأدب والعلم من منابع صافية وغنية وعميقة ومخلصة.
وقد رغب مالك إلى أخيه محمود شاكر أن يقدم له الترجمة العربية لكتابه «الظاهرة القرآنية» ولقيمة هذه المقدمة وحاجة طلاب الأدب والبحث إليها وددت لو يبسط أستاذنا محمود شاكر القول في بعض جوانبها الهامة وينشرها على حدة لتأخذ مكانتها ككتاب مستقل بين آثاره القيمة مثل:
1 ـ أباطيل وأسمار
2 ـ المتنبي
3 ـ القوس العذراء
وغير ذلك من مجهوده العلمي العظيم في ميدان التحقيق والكتابة. وفق الله كاتبنا الكبير وأطال حياته في عافية وصحة وسلامة.
د. عبد السلام الهراس
هذا كتاب «الظاهرة القرآنية»
وكفى، فليس عدلا أن أقدم كتابا هو يقدم نفسه إلى قارئه. وبحسب أخي الأستاذ مالك بن نبي وبحسب كتابه أن يشار إليه وأنه لعسير أن أقدم كتابا هو نهج مستقل. أحسبه لم يسبقه كتاب مثله من قبل، وهو منهج متكامل يفسره تطبيق أصوله. كما يفسره حرص قارئه على تأمل مناحيه. ولا أقول هذا ثناء، فأنا أعلم أن رجلا أثنى على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: «ويلك! قطعت عنق صاحبك»، قالها ثلاثا. ومالك أعز علي من أن أقطع عنقه بثنائي أو أهلكه بإطرائي.
ولكن أحسبني من أعرف الناس بخطر هذا الكاتب، فإن صاحبه قد كتبه لغاية بينها، ولأسباب فصلها. وقد صهرتني المحن، دهرا طويلا، فاصطليت بالأسباب التي دعته إلى اتخاذ منهجه في تأليف هذا الكتاب ثم أفضيت إلى الغاية التي أرادها، بعد أن سلكت إليها طرقا موحشة مخوفة. وقد قرأت الكتاب وصاحبته، فكنت كلما قرأت منه فصلا أجدني كالسائر في دروب قد طال عهدي بها، وخيل إلي أن مالكا لم يؤلف هذا الكتاب إلا بعد أن سقط في مثل الفتن التي سقطت فيها من قبل، ثم أقال الله عثرته بالهداية فكان طريقة إلى المذهب الصحيح هو ما ضمنه كتابه من بعض دلائل إثبات إعجاز القرآن، وإنه كتاب منزل، أنزله الذي يعلم الخبء، في المسوات والأرض، وإن مبلغه إلى الناس، صلى الله عليه وسلم، رسول صادق قد بلغ عن ربه ما أمره بتبليغه، وان بين هذا الرسول الصادق وبين الكلام الذي بلغه حجازا فاصلا، وأن هذا الحجاز الفاصل بين القرآن وبين مبلغه، حقيقة ظاهرة، لا يخطئها من درس سيرة رسول الله فاحصا متأملا، ثم درس كتاب اله بعقل يقظ غير غافل.
وهذا المنهج الذي سلكه مالك، منهج يستمد أصوله من تأمل طويل في طبيعة النفس الإنسانية، وفي غريزة التدين في فطرة البشر، وفي تاريخ المذاهب والعقائد التي توسم بالتناقض أحيانا. ولكنها تكشف عن مستور التدين في كل إنسان. ثم هو يستمد أصوله من الفحص الدائب في تاريخ النبوة وخصائصها، ثم في سيرة رسول الله، بأبي هو وأمي، منذ نشأته إلى أن لحق بالرفيق الأعلى. ثم في هذا البلاغ الذي جاء ليكون بنفسه، دليلا على صدق نفسه، أنه كلام الله، المفارق لكلام البشر من جميع نواحيه.
وفي خلال هذا المنهج تستعلن لك المحنة التي عاناها مالك، كما عانيتها أنا، وكما عاناها جيل من المسلمين في هذا القرآن. بل إنك لتجد المحنة مائلة في «مدخل الدراسة» وهو الفصل الذي استفتح به كتابه، حيث صور لك مشكلة الشباب المسلم المتعلم في هذا العصر، وما كان قاساه وما يزال يقاسيه، من العنت في إدراك إعجاز القرآن، إدراكا يرضاه ويطمئن إليه.
وهذا «العقل» الحديث الذي يفكر به شباب العالم الإسلامي، والذي يريد أن يدرك ما يرضيه ويطمئن إليه من دلائل إعجاز القرىن، هو لب المشكلة، فإن «العقل» هبة الله لكل حي، ولكن أساليب تفكيره كسب يكتسبه من معالجة النظر، ومن التربية، ومن التعليم، ومن الثقافة، ومن آلاف التجاري التي يحياها المرء في هذه الحياة. فينبغي، قبل كل شيء، أن نتدبر أمر هذا «العقل» الحديث في العالم الإسلامي، لأن فهم هذا «العقل»، هو الذي يحدد لنا طريقنا ومنهجنا في كل دراسة صحيحة، نحب أن نقدمها إليه حتى يطمئن ويرضى.
فمنذ أول الإسلام، خاضت الجيوش الإسلامية معارك الحرب في جميع أنحاء الدنيا، وخاض معها العقل الإسلامي معارك أشك هولا حيث نزل الإنسان المسلم. وتقوضت أركان الدول تحت وطأة الجند المظفر، وتقوضت معها أركان الثقافات المتباينة تحت نور العقل المسلم المنصور، وظلت الملاحم وميادين الثقافة، حتى كان هذا العصر الأخير.
انبعثت الحضارة الأوروبية، ثم انطلقت بكل سلاحها لتخوض في قلب العالم الإسلامي، أكبر معركة في تاريخنا وتاريخهم. وهي معركة العالم الإسلامي ولم يتقص أحد آثارها فينا. ولم يتكفل بدراستها من جميع نواحيها من يطبق أن يدرس، ولست أزعم أني سأدرسها في هذا الموضع، ولكن سأدل على طرف منها، ينفع قارئ هذا الكتاب، إذا صح عزمه على معاناة دراسة الحريص المتغلغل.
لم تكن المعركة الجديدة بين العالم الأوروبي المسيحي، وبين العالم الإسلامي معركة في ميدان واحد، بل كانت معركة في ميدانين: ميدان الحرب، وميدان الثقافة. ولم يلبت العالم الإسلامي أن ألقى السلاح في ميدان الثقافة، فقد بقيت المعارك فيه متتابعة جيلا بعد جيل، بل عاما بعد عام، بل يوما بعد يوم. وكانت هذه المعركة أخطر المعركتين، وأبعدهما أثرا، وأشدهما تقويضا للحياة الإسلامية والعقل الإسلامي. وكان عدونا يعلم ما لا نعلم. كان يعلم أن هذه هي معركته الفاصلة بيننا وبينه، وكان يعلم من خباياها ما لن نعلم، ويدرك من أسرارها ووسائلها ما لا ندرك. ويعرف من ميادينها ما لا نعرف، ويصطنع لها من الأسلحة ما لا نصطنع، ويتحرى لها من الأسباب المفضية إلى هلاكنا ما لا نتحرى أو نلقي إليه بالا. وأعانه وأيده أن سقطت الدول الإسلامية جميعا هزيمة في ميدان الحرب. فسقطت في يده مقاليد أمورها في كل ميدان من ميادين الحياة، وصار مهيمنا على سياستها واقتصادها وصحافتها، أي سقطت في يده مقاليد التوجيه الكامل للحياة الإسلامية، والعقل الإسلامي.
وميادين المعركة الثقافة والعقل، ميادين لا تعد، بل تشمل المجتمع كله في حياته، وفي تربيته، وفي معايشه، وفي تفكيره، وفي عقائده، وفي آدابه، وفي فنونه، وفي سياسته، بل كل ما تصبح به الحياة حياة إنسانية، كما عرفها الإنسان منذ كان على الأرض. والأساليب التي يتخذها العدو للقتال في معركة الثقافة، أساليب لا تعد ولا تحصى، لأنها تتغير وتتبدل وتتجدد على اختلاف الميادين وتراحبها وكثرتها. وأسلحة القتال فيها أخفى الأسلحة، لأن عقل المثقف يتكون يوما بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة، وهو يتقبل بالتربية والتعليم والاجتماع، أشياء يسلمها بالألف الطويل، وبالعرض المتواصل، وبالمكر الخفي، وبالجدل المضلل، وبالمراء المتلون، وبالهوى المتغلب، وبضروب مختلفة من الكيد الذي يعمل في تحطيم البناء القائم، لكي يقيم العدو على أنقاضه بناء كالذي يريد ويرجو.
وقد كان ما أراد الله أن يكون، وتتابعت هزائم العالم الإسلامي في ميدان الثقافة جيلا بعد جيل، وكما بقيت معارك الحرب متتابعة سرا مكتوما لا يتدارسه قادة الجيوش الإسلامية وجندها حتى هذا اليوم، بقيت أيضا معارك الثقافة على تطاولها، سرا خافيا لا يتدارسه قادة الثقافة الإسلامية وجندها بل أكبر من ذلك: فقد أصبح أكثر قادة الثقافة في العالم الإسلامي وأصبح جنودها أيضا، تبعا يأتمرون بأمر القادة من أعدائهم، عارفين أو جاهلين إنهم هم أنفسهم قد انقلبوا عدوا للعقل الإسلامي الذي ينتسبون إليه، بل الذي يدافعون عنه أحيانا دفاع غيرة أو إخلاص.
لم يكن غرض العدو أن يقارع ثقافة بثقافة، أو أن ينازل ضلالا بهدى، أو أن يصارع باطلا بحق، أو أن يمحو أسباب ضعف بأسباب قوة، بل كان غرضه الأول والأخير أن يترك في ميدان الثقافة في العالم الإسلامي، جرحى وصرعى لا تقوم لهم قائمة، وينصب في أرجائه عقولا لا تدرك إلا ما يريد لها هو أن تدرك، ولا تبصر إلا ما يريد لها هو أن تبصر، ولا تعرف إلا ما يريد لها هو أن تعرف، فكانت جرائمه في تحطيم أعظم ثقافة إنسانية عرفت إلى هذا اليوم، كجرائمه في تحطيم الدول وإعجازها مثلا بمثل. وقد كان يبغي ويريد.
وقد فصل مالك في «مدخل المدرسة» محنة «العقل» الحديث في العالم الإسلامي، على يد أمضى أسلحة العدو في تهديم بعض جوانب الثقافة، بل أهم جوانبها، وهو سلاح «الاستشراق» سلاح لم يدرسه المسلمون بعد، ولم يتتبعوا تاريخه، ولم يكشفوا عن مكايده وأضاليله، ولم يقفوا على الخفي من أسرا مكره، ولم يستقصوا أثره في نواحي حياتهم الثقافية؛ بل في أكثر نواحي حياتهم الإنسانية.. كيف..؟.. بل كان الأمر عكس ما كان ينبغي أن يكون، فهم يتدارسون ما يلقيه إليهم على أنه علم يتزوده المتعلم، وثقافة تشتريها النفوس، ونظر تقتفيه العقول، حتى كان كما قال مالك: «إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين، قد بلغت درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصورها» وتفصيل أثر هذا الإشعاع في تاريخنا الحديث، وفي سياستنا وفي عقائدنا، وفي كتبنا وفي أدياننا وفي أخلاقنا، وفي مدارسنا، وفي صحافتنا، وفي كل أقوالنا وأعمالنا، شيء لا يكاد يحيط به أحد».
وهذا الإشعاع، كما سماه مالك، كان من أعظم الأسباب وأبعدها خطرا في «العقل» الحديث، الذي يريد أن يدرك دلائل إعجاز القرآن إدراكا يرضى عنه ويطمئن إليه. وهو الذي أوقع الشك في الأصول القديمة التي قامت عليها أدلة إعجاز القرآن، بل أكبر من ذلك، فإنه قد أتى أساليب غاية في الدهاء والخفاء، أفضت إلى تدمير الوسائل الصحيحة التي ينبغي أن يتذرع بها كل من درس نصا أدبيا، حتى يتاح له أن يحكم على جودته أو رداءته، فضلا عن بلاغته أو إعجازه.
وقد ذكر مالك في «مدخل الدراسة» تلك القضية الغربية التي عرفت بقضية «الشعر الجاهلي»، والي أثارها المستشرق مرجليوت في بعض مجلات المستشرقين، ثم تولى كبرها طه حسين، في كتابه «في الشعر الجاهلي»، يوم كان أستاذا للأدب العربي بالجامعة المصرية. ولن أذكر هنا تلك المعارك التي أثارها كتاب «في الشعر الجاهلي»، ولكني أذكر، كما ذكر مالك، أن هذه القضية بأدلتها ومناهجها، قد تركت في «العقل» الحديث في العالم الإسلامي، أثرا لا يمحى إلا بعد جهد جهيد، والعجب أن مرجيليوت قد أتى في بحثه بزيف كثير، كان هو الأساس الذي بنى عليه هذا «العقل»، وقد حاول مئات من رجال الفكر أن يزيفوا الأدلة والمناهج، ولكن هذا الزيف بقى بعد ذلك طابعا مميزا لأكثر ما ينشره الطلبة والأساتذة إلى يومنا هذا. ولا تحاكم مرجليوت وأشياعه إلى رأيك ونظرك، بل دع محاكمته إلى مستشرق مثله، هو آربرى، يقول في خاتمة كتابه «المعلقات السبع» وذكر أقوال مرجليوت وفندها: «إن السفسطة ـ وأخشى أن أقول: الغش ـ في بعض الأدلة التي ساقها الأستاذ مرجليون أمر بين جدا، ولا تليق البتة برجل كان، ولا ريب من أعظم أئمة العلم في عصره وهذا حكم شنيع، لا على مرجليوت وحده، بل على كل أشياعه وكهنته وعلى ما جاءوا به من حطام الفكر».
ولكن العجب عندي بعد ذلك أن مالكا ارتكز على ذكر هذه القضية، وعلى أثرها في العقل الحديث، ثم ينطلق منها إلى نتيجة أخرى فقال: «وعلى هذا فالمشكلة بوضعها الراهن تتجاوز في مداها نطاق الأدب والتاريخ، وتهم مباشرة منهج التفسير القديم كله، ذلك التفسير القائم على المقارنة الأسلوبية، معتمدا على الشعر الجاهلي كحقيقة لا تقبل الجدل وعلى أية حال، فقد كان من الممكن أن تثور هذه المشكلة تبعا للتطور الجديد في الفكر الإسلامي، وإنما بصورة أقل ثورية، فمنهج التفسير القديم يجب أن يتعدل في حكمة وروية، لكي يتفق مع مقتضيات الفكر الحديث».
ثم قال: «لقد قام إعجاز القرآن حتى الآن على البرهان الظاهر على سمو كلام الله فوق البشر. وكان لجوء التفسير إلى الدراسة الأسلوبية لكي يضع لإعجاز القرآن أساسا عقليا. فلو أننا طبقنا نتائج فرض مرجليوت. لانهار ذلك الأساس، ومن هنا توضع مشكلة التفسير على أساس هام بالنسبة لعقيدة المسلم، أعني: برهان إعجاز القرآن في نظره».
ثم أمضى إلى هذا الحكم: «والحق أنه لا يوجد مسلم، وبخاصة في البلاد العربية ـ يمكنه أن يقارن موضوعيا بين آية قرآنية، وفقرة موزونة أو مقفاة من أدب العصر الجاهلي. فمنذ وقت طويل، لم نعد نملك في أذواقنا عبقرية اللغة العربية، ليمكننا أن نستنبط من مقارنة أدبية نتيجة عادلة حكيمة».
وأنا أحب أن أناقش هذه المقالة حتى أعين القارئ على أن يضع كتاب «الظاهرة القرآنية» في مكانه الذي ينبغي له، وحتى تتبين له معالم الطريق الذي يسير فيه وهو يقرأ هذا الكتاب، وحتى يستفيد من أدلته وبراهينه قوة تعينه على أن يضع أساسا يقيم عليه عقيدته وإيمانه.
ولا أدري ما الذي ألجأ أخي مالكا إلى ذكر «تفسير القرآن» ومنهجه القديم في هذا الموضع؟.. إنه إقحام لباب من علوم الإسلام قائم برأسه لا يمسه فرض مرجليوت من قريب أو بعيد. وعلم تفسير القرآن كما أسسه القدماء، لا يقوم على مقارنة الأساليب، اعتمادا على شعر الجاهلية أو شعر غير الجاهلية، وإذا اقتضتنا الحاجة أن ندخل تعديلا على منهج التفسير القديم، فإنه عندئذ تعديل لا علاقة له البتة بالشعر الجاهلي، لا من قبل الشك في صحته، ولا من قبل مقارنة الأساليب الجاهلية بأسلوب القرآن. وكل ما عند القدماء من ذكر الشعر الجاهلي في تفسيرهم، فهو أنهم يستدلون به على معنى حرف في القرآن، أو بيان خاصة من خصائص التعبير العربي، كالتقديم والتأخير والحذف وما إلى ذلك، وهذا أمر يصلح له شعر الإسلام وغاية علم تفسير القرآن، كما ينبغي أن يعلم، إنما هو بيان معاني ألفاظه مفردة، وجملة مجتمعة، ودلالة هذه الألفاظ والجمل على المباني، سواء في ذلك آيات الخبر والقصص، وآيات الأدب، وآيات الأحكام، وسائر ما اشتملت عليه معاني القرآن. وهو أمر عن «إعجاز القرآن» بمعزل.
أما الأمر المرتبط بالشعر الجاهلي، أو بقضايا الشعر جميعا، والمتصل بأساليب الجاهلية وغير الجاهلية، وأساليب العربية وغير العربية ومقارنتها بأسلوب القرآن، فهو علم «إعجاز القرآن»، ثم «علم البلاغة».
ولا مناص لمتكلم في «إعجاز القرآن»، من أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في هذه المسألة، وأن يفصل بينهما فصلا ظاهرا لا يتلبس، وأن يميز أوضح التمييز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينهما:
أولاهما: أن: «إعجاز القرآن» كما يدل عليه لفظه وتاريخه، وهو دليل النبي صلى الله عليه وسلم على صدق نبوته، وعلى أنه رسول من الله يوحى إليه هذا القرآن، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف «إعجاز القرآن» من الوجه الذي عرفه منه سائر من آمن به من قومه العرب، وأن التحدي الذي تضمنته آيات التحدي، من نحو قوله تعالى: «أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون». (سورة هود: 13، 14).
وقوله: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا».
سورة الإسراء: 88)
إنما هو تحد بلفظ القرآن ونظمه وبياته لا بشيء خارج عن ذلك. فما هو بتحد بالإخبار بالغيب المكنون، ولا بالغيب الذي يأتي تصديقه بعد دهر من تنزيله، ولا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب، ولا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم والبيان.
ثانيهما: أن إثبات دليل النبوة، وتصديق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله، كما نزلت التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب الله سبحانه، لا يكون منها شيء يدل على أن القرآن معجز، ولا أظن أن قائلا يستطيع أن يقول أن التوراة والإنجيل والزبور كتب معجزة، بالمعنى المعروف في شأن إعجاز القرآن، من أجل أنها كتب منزلة من عند الله. ومن البين أن العرب قد طولبوا بأن يعرفوا دليل نبوة رسول الله، ودليل صدق الوحي الذي يأتيه، بمجرد سماع القرآن نفسه، لا بما يجادلهم به حتى يلزمهم الحدة في توحيد الله، أو تصديق نبوته، ولا بمعجزة كمعجزات إخوانه من الأنبياء. مما آمن على مثله البشر وقد بين الله في غير آية من كتابه أن سماع القرآن يقتضيهم إدراك مباينته لكلامهم، وأنه ليس من كلام بشر، بل هو كلام رب العالمين وبهذا جاء الأمر في قوله تعالى: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون». (سورة التوبة 6).
فالقرآن المعجز هو البرهان القاطع على صحة النبوة، أما صحة النبوة فليست برهانا على إعجاز القرآن.
والخلط بين هاتين الحقيقتين، وإهمال الفصل بينهما في التطبيق والنظر، وفي دراسة «إعجاز القرآن»، قد أفضى إلى تخليط شديد في الدراسة قديما وحديثا، بل أدى هذا الخلط إلى تأخير علم «إعجاز القرآن» و«علم البلاغة»، عن الغاية التي كان ينبغي أن ينتهيا إليها.
وحسن أن أزيل الآن لبسا قد يقع فيه الدارس لكتاب «الظاهرة القرآنية»، ففي «مدخل الدراسة»، وفي بعض فصول الكتاب ما يوهم أن من مقاصده تثبيت قواعد في «علم إعجاز القرآن»، من الوجه الذي يسمى به القرآن معجزا. وهو خطأ، فإن منهج مالك في تأليفه دال أوضح الدلالة على أنه إنما عنى بإثبات صحة دليل النبوة، وبصدق دليل الوحي، وأن القرآن تنزيل من عند الله، وأنه كلام الله لا كلام بشر، وليس هذا هو «إعجاز القرآن» كما أسلفت، بل هو أقرب إلى أن يكون بابا من «علم التوحيد»، استطاع مالك أن يبلغ فيه غايات بعيدة، قصر عنها أكثر من كتب من المحدثين وغير المحدثين؛ فجزاه الله عن كتابه ونبيه أحسن الجزاء.
أما مسألة «إعجاز القرآن»، فقد بقيت خارج هذا الكتاب، وهي عندي أعقد مشكلة يمكن أن يعانيها «العقل» الحديث، كما يسمونه، حتى بعد أن يتمكن من إرساء كل دعامة يقوم عليها إيمانه بصدق نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبصدق الوحي، وبصدق التنزيل. وأيضا فهي المسألة التي ترتبط ارتباطا وثيقا بقضية الشعر الجاهلي، وبالكيد الخفي الذي اشتملت عليه هذه القضية، بل إنها لترتبط ارتباطا لا فكاك له بثقافتنا كلها، وبما ابتلى به العرب في جميع دور العلم، من فرض منهاج خال من كل فضيلة في تدريس اللغة وآدابها. بل إنها لتشمل ما هو أرحب من ذلك، تشمل بناء الإنسان العربي أو المسلم، من حيث هو إنسان قادر على تذوق الجمال في الصورة والفكر جميعا.
ومعرفة معنى «إعجاز القرآن»، وما هو، وكيف كان، أمر لا غنى عنه لمسلم ولا لدارس، وشأنه، أعظم من أن يتكلم فيه امرؤ بغير تثبت من معناه، وتمكن من تاريخه، وتتبع للآيات الدالة على حقيقته. وأنا لا أزعم أني مستقصيه في هذا الموضع، ولكني مستعين بالله، فذاكر طرفا مما يعين المرء على معرفته.
وذلك أن رسول الله صلى الله عليم وسلم، بأبي هو وأمي، حين فجئه الوحي في غار حراء، وقال له: «اقرأ»، فقال: « ما أنا بقارئ»، ثم لم يزل به حتى قرأ: «اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم».
رجع بها وهو يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: «زملوني زملوني»، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. وذلك أنه قد أتاه أمر لا قبل له به، وسمع مقالا لا عهد له بمثله، وكان رجلا من العرب، يعرف من كلامها ما تعرف، وينكر منه ما تنكر ـ كان هذا الروع الذي أخذه بأبي هو وأمي، أول إحساس في تاريخ البشر، بمباينة هذا الذي سمع، للذي كان يسمع من كلام قومه، وللذي كان يعرف من كلام نفسه. ثم حمى الوحي وتتابع، وأمره ربه أن يقرأ ما أنزل عليه على الناس على مكث. فتتبع الأفراد من عشيرته وقومه، يقرأ عليهم هذا الذي نزل إليه. ولم يكن من برهانه ولا مما أمر به أن يلزمهم الحجة بالجدال حتى يؤمنوا إنما هو إله واحد، وإنه هو لله نبي، بل طالبهم بأن يؤمنوا بما دعاهم إليه، ويقروا له بصدق نبوته، بدليل واحد هو هذا الذي يتلوه عليهم من قرآن يقرؤه. ولا معنى لمثل هذه المطالبة بالإقرار لمجرد التلاوة، إلا أن هذا المقروء عليهم، كان هو في نفسه آية فيها أوضح الدليل على أنه ليس من كلامه هو، ولا من كلام بشر مثله. ثم أيضا لا معنى لها البتة إلا أن يكون كان في طاقة هؤلاء السامعين أن يميزوا تمييزا واضحا بين الكلام الذي هو من نحو كلام البشر، والكلام الذي ليس من نحو كلامهم.
وكان هذا القرآن ينزل عليه منجما، وكان الذي نزل عليه يومئذ قليلا كما تعلم، فكان هذا القليل من التنزيل هو برهانه الفرد على نبوته. وإذن فقليل ما أوحى إليه من الآيات يومئذ، وهو على قلته وقلة ما فيه من المعاني التي تتامت وتجمعت في القرآن جملة كما نقرؤه اليوم، منطو على دليل مستبين قاهر، يحكم له بأنه ليس من كلام البشر. وبذلك يكون دليلا على أن تاليه عليهم، وهو بشر مثلهم، نبي من عند الله مرسل.
فإذا صح هذا، وهو صحيح لا ريب فيه، ثبت ما قلناه أولا من أن الآيات القليلة من القرآن، ثم الآيات الكثيرة، ثم القرآن كله، أي ذلك كان، في تلاوته على سامعه من العرب، الدليل الذي يطالبه بأن يقطع بأن هذا كلام مفارق لجنس كلام البشر، وذلك من وجه واحد، هو وجه البيان والنظم.
وإذا صح أن قليل القرآن وكثيره سواء من هذا الوجه، ثبت أن ما في القرآن جملة، من حقائق الأخبار عن الأمم السالفة، ومن أنباء الغيب، ومن دقائق التشريع، ومن عجائب الدلالات على ما لم يعرفه البشر من أسرار الكون إلا بعد القرون المتطاولة من تنزيله، كل ذلك بمعزل عن الذي طولب به العرب، وهو أن يستبينوا في نظمه وبيانه انفكاكه من نظم البشر وبيانهم، من وجه يحسم لقضاء بأنه كلام رب العالمين. وههنا معنى زائد، فإنهم إذا أقروا أنه كلام رب العالمين بهذا الدليل، كانوا مطالبين بأن يؤمنوا بأن ما جاء فيه من أخبار الأمم، وأنباء الغيب، ودقائق التشريع، وعجائب الدلالات على أسرار الكون، هو كله حق لا ريب فيه، وإن ناقض ما يعرفون، وإن باين ما اتفقوا على أنه عندهم أو عند غيرهم حق لا يشكون فيه. وإذن فإقرارهم من وجه النظم والبيان أن هذا القرآن كلام رب العالمين، دليل يطالبهم بالإقرار بصحة ما جاء فيه من كل ذلك، أما صحة ما جاء فيه، فليست هي الدليل الذي يطالبهم بالإقرار بأن نظم القرآن وبيانه، مباين لنظم البشر وبيانهم، وإنه بهذا من كلام رب العالمين. وهذا أمر في غاية الوضوح.
فمن هذا الوجه كما نرى طولب العرب بالإقرار والتسليم، ومن هذا الوجه تحيرت العرب فيما تسمع من كلام يتلوه عليهم رجل منهم، تجده من جنس كلامهم لأنه نزل بلسانهم، لسان عربي مبين، ثم تجده مباينا لكلامها، فما تدري ما تقول فيه من طغيان اللدد والخصومة. وإنه لخبر مشهور. خبر تحير النفر من قريش، على رأسهم الوليد بن المغيرة. لقد ائتمرت قريش يومئذ حين حضر الموسم، لكي يقولوا في هذا الذي يتلى عليهم وعلى الناس قولا واحدا لا يختلفون فيه، وأداروا الرأي بينهم في تاليه على أهل المواسم، وتشاوروا أن يقولوا: كاهن، أو مجنون، أو شاعر، أو ساحر، فلما آلت المشورة إلى ذي رأيهم وسنهم وهو الوليد بن المغيرة، رد كل ذلك بالحجة عليهم، ثم قال: والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناة؛ وما أنتم بقائلين من هذا شيئا لا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا: (ساحر جاء بقول يفرق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته).
فهذا التحير المظلم الذي غشاهم وأخذ منهم بالكظم، والذي نعته الوليد فاستجاد النعت، كان تحيرا لما يسمعون من نظمه وبيانه، لا لما يدركون من دقائق التشريع، وخفي الدلالات، وما لا يؤمنون به من الغيب، وما لا يعرفون من أنباء القرون التي خلت من قبل.
وحمى الوحي وتتابع عاما بعد عام، وأقبل صلى الله عليه وسلم يلح جهرة فيقرأ القرآن عليهم وعلى من طاف بهم من العرب في بطن مكة، وفي مواسم الحج والأسواق، وهبت قريش تناوئه وتنازعه، وتلج في اللدد والخصومة، وفي الإنكار والتكذيب، وفي العداوة والأذى، فلما طال تكذيبهم وإنكارهم، على ما يجدون في أنفسهم من مثل الذي وجد الوليد، ومن مثل الذي آمن عليه من آمن من قومه العرب؛ صب الله عليهم، من الوحي ما هالهم وأفزعهم كانوا يتحيرون في هذا الذي يتلى عليهم، وظل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ثلاثة عشر عاما والمسلمون قليل مستضعفون في أرض مكة، وظل الوحي يتتابع وهو يتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ثم بعشر سور مثله مفتريات. فلما انقطعت قواهم، قطع الله عليهم وعلى الثقلين جميعا منافذ للدود والعناد، فقال: «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» وكذلك كان!
فكان هذا البلاغ القاطع الذي لا معقب له، هو الغاية التي انتهى إليها أمر هذا القرآن، وأمر النزاع فيه، لا بين رسول الله وبين قومه من العرب فحسب، بل بينه وبين البشر جميعا على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، لا.. بل بينه وبين الإنس والجن مجتمعين متظاهرين. وهذا البلاغ الحق الذي لا معقب له من بين يديه ولا من خلفه، هو الذي اصطلحنا عليه فيما بعد، وسميناه «إعجاز القرآن».
وهذا الذي اقتصصته لك، تاريخ مختصر أشد الاختصار، ولكنه مجزئ في الدلالة على تحديد معنى «إعجاز القرآن» بالمعنى الذي يفهم من هذا اللفظ على إطلاقه، ومجزئ في الدلالة على هذا «الإعجاز». من أي وجوه الإعجاز كان إعجازا، وإنه ليكشف عن أمور لا غنى لدارس عن معرفتها:
الأول: أن قليل القرآن وكثيره في شأن «الإعجاز» سواء.
الثاني: أن الإعجاز، كائن في رصف القرآن وبيانه ونظمه، ومباينة خصائصه للمعهود من خصائص كل نظم وبيان في لغة العرب، ثم في سائر لغات البشر، ثم بيان الثقلين جميعا، إنسهم وجنهم متظاهرين.الثالث: أن الذين تحداهم بهذا القرآن قد أوتوا القدرة على الفصل بين الذي هو من كلام البشر، والذي هو ليس من كلامهم.
الرابع: ان الذين تحداهم به كانوا يدركون أن ما طولبوا به من الإتيان بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، هو هذا الضرب من البيان الذي يجدون في أنفسهم أنه خارج من جنس بيان البشر.
الخامس: أن هذا التحديث لم يقصد به الإتيان بمثله مطابقا لمعانيه، بل أن يأتوا بما يستطيعون افتراءه واختلاقه، من كل معنى أو غرض، مما يعتلج في نفوس البشر.
السادس: أن هذا التحدي للثقلين جميعا إنسهم وجنهم متظاهرين، تحد مستمر قائم على يوم الدين.
السابع: أن ما في القرآن من مكنون الغيب: ومن دقائق التشريع ومن عجائب آيات الله في خلقه، كل ذلك بمعزل عن هذا التحدي المفضى إلى الإعجاز، وإن كان ما فيه من ذلك كله يعد دليلا على أنه من عند الله تعالى، ولكنه لا يدل على أن نظمه وبيانه مباين لنظم كلام البشر وبيانهم، وأنه بهذه المباينة كلام رب العالمين، لا كلام بشر مثله.
فهذه أمور تستخرجها دراسة تاريخ نزول القرآن، ومدارسة آياته في جدال المشركين من العرب في صحة الآيات التي جاءتهم من السماء، كما جاءت سائر آيات الأنبياء ومعجزاتهم، وحسبك في بيان ذلك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من نبي إلا وأوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحي إلي، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة، فالقرآن هو آية الله في الأرض، آيته المعجزة من الوجه الذي كان به معجزا للعرب، ثم للبشر، ثم للثقلين جميعا.
وكل ما ليس يقع في ضبط هذه الأمور المتعلقة بمعنى «إعجاز القرآن» وكل اختلال في تمييزها وتحديد ما تقتضيه في العقل والنظر، سبيل إلى انتشار أغمض اللبس، وأبلغ الخلل في فهم معنى «إعجاز القرآن»، من الوجه الذي صار به القرآن معجزا للعرب، ثم لسائر البشر على اختلاف ألسنتهم، ثم للثقلين جميعا متظاهرين.

المصدر: 
مجلة دعوة الحق
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

5 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.