دار الفكر

آفاق معرفة متجددة

محمد عدنان سالم.. سبق عقلُه عملَه ناشر تنويري ديمقراطي معاصر

الثلاثاء, May 8, 2018
كاتب المقالة: 

آخر ما حظي به المفكر السوري ورائد النشر في العالم الإسلامي محمد عدنان سالم، صاحب دار الفكر السورية، تكريم رفيع المستوى في الجزائر، حيث توج بوسام العالم الجزائري في طبعته العاشرة، وذلك في حفل نظم على شرفه بقاعة الأوبرا بالجزائر العاصمة، بحضور مستشار رئيس الجمهورية محمد بوغازي، ووزراء وشخصيات علمية ووطنية.

وذلك بسبب الجهود التي بذلها من أجل جمع ونشر أعمال المفكر الجزائري مالك بن نبي الكاملة، وإصدارها في أربعة مجلدات، عن دار الفكر التي يديرها في سورية، وذلك بعد 44 سنة على رحيله، بعدما ترك بن نبي أثراً كبيراً في الأجيال، خصوصاً جيل الشباب السوري.

كان محمد عدنان سالم من المعجبين بفكر مالك بن نبي، فهو أساساً، مهتم بالفكر والمفكرين في حياته، لم يكن مجرد ناشر يقوم بأعمال تجارية، إنما مثقف كبير من أركان مثقفي الأمة العربية، استطاع أن يتوجه بمنشوراته لمناقشة الرأي والرأي الآخر، مهموماً بإشكاليات الفكر العربي وأزماته، وقد أدار ســــلسلة حوارات أطلقها من دار الفكر، تحت عنوان سلسلة "حوارات لقرن جديد"، كان ذلك عام 1998، وهو من المؤمنين بأهمية احتكاك الأفكار والآراء وترويجها، بعيداً عن الفكر الأحادي.   

القراءة

كان موضوع القراءة في مقدم اهتماماته، وقد ألف في ذلك كتاباً بعنوان "القراءة أولاً" صدر عن دار الفكر، في طبعات ثلاث؛ فهو يرى أن القراءة من أولويات حياة الإنسان، لا تقل أهمية عن ضرورة الأكل والشرب، وهي مقياس لتحضر الشعوب، ورمز للتقدم، ومنبع من منابع العلم والمعرفة، وهي التي تحدد معالم هوية المجتمع، على أن الشعب الذي لا يقرأ، في رأيه، لا يستطيع أن يعرف نفسه ولا غيره.

كان سالم مهتماً في مؤلفاته وإصدارات دار الفكر، بالموضوعات الساخنة والراهنة في الثقافة العربية والعالمية، فتنوعت موضوعات الدار بين الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع والإسلام، وشارك في الكتابة عنده كتاب متنوعو المشارب والاتجاهات، من الإسلامي إلى الماركسي، واستقطب كُتّاباً من المشرق والمغرب العربيين، وكان مهتماً بالأطفال والشباب إلى جانب الأجيال الأخرى.

التراث

وفي الوقت الذي اهتم بكتب التراث والإسلام، كان اهتمامه الأبرز بكتب تضيء المستقبل، وتهتم بالإبداع والعلوم، بمسؤولية تامة وتبعاً لمعايير مدروسة، فهو لم يتعامل مع التراث بتقديسه، إنما أراد دائماً أن يكون التراث أساساً يعتمد عليه في اللحاق بركب العلم الحديث والتطلع نحو المستقبل، كان يرى أن يعتصر التراث ويمخضه ليستخرج منه ما ينفع البشرية، بعيداً عن التعامل معه كسلعة مربحة في سوق تطلبه، وبعيداً عن التهافت عليه من أجل الهروب من الواقع، أو من أجل الوقوف عنده وحسب.. فقد كان يدعو إلى التنقيب في كنوز التراث، وإلى صونه بصفته جذوراً لشجرة المستقبل، وكان يذهب إلى التراث وعيناه مفتوحتان على المستقبل، يأخذ منه ما يدفع إلى الإبداع.   

دار الفكر

بعدما عاش محمد عدنان سالم نشوة الاستقلال عام 1946 ومرحلة البناء، ثم عناصر نكبة فلسطين عام 1948م، وانخرط أثناء دراسته الجامعية في الحراك الطلابي، متأثراً بالحياة الجامعية الثقافية الفوّارة في جامعة دمشق، وبالصراع الأيديولوجي الذي كان محتدماً وجارفاً في ذلك الوقت، بتياراته المختلفة، وعندما تخرَّج من كلية الحقوق عام 1954، وبعدما أمضى خدمته الإجبارية في الجيش؛ لم تقنعه المحاماة ولم يمارسها إلا ستة شهور من العامين (1956-1957) تأثر بعدها بأفكار الشيخ محيي الدين القليبي التونسي الذي استقبله سالم في منزله لفترة طويلة؛ وكان الشيخ معروفاً باستنهاض الشباب العربي والمسلم للدفاع عن تاريخه وحضارته وحقه في الوجود، ودفعه للجهاد في فلسطين ومقاومة الاحتلال حيثما كان. تحت هذا التأثير اتجه إلى ممارسة البناء الثقافي مؤسساً دار الفكر عام 1957، وتابع العمل فيها مع محمد الزعبي وأحمد الزعبي، تحت شعار:" افعل الممكن إلى أقصى حد ممكن".  

وضعت دار الفكر منذ أيامها الأولى خطوطاً عريضة لأهدافها، انحصرت في نقاط هامة وعلى رأسها:   

تزويد المجتمع باحتياجاته المعرفية للصغار والكبار، الحوار والفكر المستنير المحترم للتراث والآخر، احترام حقوق الملكية الفكرية لتشجيع الإبداع، تبني الأعمال المجددة والمستشرفة للمستقبل. وفي مجال التطبيق اعتمدت الدار على معايير أساسية لم تخرج عنها، هي معايير الإبداع والعلم والحاجة، ومعايير التدقيق اللغوي لكل كتاب، ومعايير التخطيط للمستقبل، وهندسة الأبحاث والأفكار، وغلفت كل ذلك بمضمون الحديث الشريف: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

وما لبثت المطبعة اليدوية التي بدأت الدار تجربتها بها أن تطورت، فاستقدم الأستاذ سالم مطبعة آلية، وتطورت دار الفكر في مجال الطباعة مع الأجهزة الحديثة، ثم خطت خطوة نوعية في مجال الطباعة، فأدخلت إلى دمشق، بل إلى سورية لأول مرة في تاريخ طباعتها أجهزة للصف التصويري الضوئي في السبعينيات، وكانت السباقة بعد ذلك إلى اعتماد الطباعة الحاسوبية، وعلى إثر ذلك، توسعت اتصالات الدار وصلاتها، فقامات بأعمال نشر مشتركة مع مؤسسات عديدة، كالمعهد العالمي للفكر الإسلامي، ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي، ودار صادر في بيروت، ومعهد غوته الألماني.

وقد بلغت منشوراتها حتى اليوم أكثر من ألفين وخمس مئة عنوان، وقد تجاوز عدد مؤلفيها 500 مؤلفاً للكبار و100 مؤلف للأطفال، من أشهر الكتّاب في الوطن العربي والعالم.

وغطت جميع أنواع المعرفة، واهتمت بالأحداث الجارية وبهموم الأمة، هذا غير السلاسل والموسوعات والنشر الإلكتروني. وقد باتت الدار من المؤسسات الكبرى على مستوى العالم العربي، وقد بلغ رأسمالها في ميزانية العام 2016 (4.255.319$).

أقامت دار الفكر الكثير من الأسابيع الثقافية لتقدم تفاعلاً بين المؤلفين والقراء، وتكرم من يستحق التكريم من كتّابها، فهي تؤمن بالثقافة التي تتحرك على الأرض في صميم المجتمع وتعيش قضاياه، لا الثقافة النخبوية. وبالتفاعل بين منتجي الأفكار وقرائها، لقناعة صاحبها بأهمية الثقافة كشرط من شروط إيقاظ الأمة وبنائها وتحصينها، وتعميم فكرة الحوار المتعدد الثقافات فيها. وقد اهتمت بالمعرفة كرافعة للمجتمع في عالم باتت المعرفة فيه مقياساً حضارياً، وتقنيات الاتصال تصل إلى عمق نسيج المجتمع.  

الاتجاه الإلكتروني

وتابعت الدار مسيرتها في العصر الإلكتروني، عندما علم محمد عدنان سالم أن عصر الكتاب الورقي بدأ بالانحدار، فأنشأ المواقع:" فكر" www.fikr.com ،" فرات" www.furat.com  وكانت من أوائل المواقع الإلكترونية العربية على الشبكة التي تقدم العروض على الكتب للقراء، وموقعاً لحماية الملكية الفكرية www.arabpip.org  وموقعاً للأطفال يعنى بآمالهم وتطلعاتهم "عالم زمزم" www.zamzamworld.com  وموقعا للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي www.bouti.com وآخر للدكتور وهبة الزحيلي www.zuhaili.com ، وموقع "تحت الرماد" www.undreash.com .

وعندما عَلِمَ أن أطفالنا تحولوا من قراءة الورق إلى قراءة الشاشات التي تسحرهم بألوانها وأشكالها وألعابها؛ أسس شركة أفكار Afkar Media لتقديم الألعاب الجادة للأطفال تراعي انتماءه وخصوصيته. فكانت لعبة (تحت الرماد) وهي أول لعبة عربية بصناعة سورية، وأصدرت الدار عدداً من الكتب والبرمجيات والألعاب ثلاثية الأبعاد.

وبالتوازي مع التحول الإلكتروني في دار الفكر، أعلن محمد عدنان سالم موقفه من الكتاب الإلكتروني العربي الراهن، معتبراً أنه ليس بخير، ويغلب على الكتب الإلكترونية العربية حالياً كونها مقرصنة من كتب ورقية، ونتيجة لعدم سيادة قوانين حماية الملكية الفكرية في أغلب أنحاء العالم العربي، فإن جميع أطراف عملية النشر (المؤلفون ودور النشر والموزعون) لا يفضلون خوض تجربة إصدار كتب إلكترونية؛ لأن مصيرها أن تنتشر بشكل مجاني بين القراء ويخسر الجميع، كما يشير إلى وجود إشكالية كبيرة في قارئات الكتب الإلكترونية عند استعمالها مع الكتب العربية.

مبادرات

تواصل دار الفكر أنشطتها الثقافية والإعلامية عبر مهرجانها الثقافي السنوي المواكب لليوم العالمي للكتاب، وعبر ندواتها وحفلاتها للتوقيع. وقامت بمبادرات عدة لتمتين علاقة القارئ بالكتاب، منها:

1-بنك القارئ النهم: أنشئ عام 1996 لتشجيع الشباب على القراءة؛ وصل عدد المشتركين فيه إلى 14000 مشترك، في 94 دولة، وأعطيت جائزة سنوية لأفضل قارئ.

2-الإحياء الثقافي (الإعارة المجانية للكتب): أنشأتها الدار كمكتبة للاستبدال والإعارة المجانية وتشجيع الجيل الجديد على القراءة وبناء مجتمع قارئ.

3-الأسبوع الثقافي: تُقيمه الدار سنوياً بمناسبة اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، وفيه تقدم جائزة للمؤلف المبدع وجائزة للرواية، وتدعو إليه المفكرين والكتّاب والفنانين للتحدث في موضوع يعتمد شعاراً سنوياً للدار، وقد كان هذا التقليد لــــــ 10 مواسم ثقافية.  

4-الطفل والكتاب: اهتمت الدار بفئة الأطفال؛ فخصصت قسماً يُصدر كتباً موجهة لهم، تراعى فيها الجوانب المعرفية والإدراكية للطفل (القيم والمبادئ الأخلاقية).    

لم يكتف محمد عدنان سالم بدار الفكر، التي لم تتسع لكل طموحاته، فأسس مع شريكه عبد الرحيم مكاوي " الدار السودانية للكتب"، وغدت من الدور الشهيرة هناك. كما كان له في اليمن مساهمات بتأسيس دار للنشر انبثقت عن دار الفكر، وكان لها شأنها؛ عرفت باســــــم "دار الحكمة اليمانية"، ومنذ قامت دار الفكر في الخمسينيات تطلع مؤسسوها إلى الآفاق، إذ لم تكن دمشق لتسعهم.. فسرعان ما افتتحوا مكتباً لهم في القاهرة أيام الوحدة مع مصر، وكذلك في الجزائر، وتفرع عن الدار: دار الفكر المعاصر في بيروت، ودار الفكر المعاصر في دبي.

هموم الناشرين

وتبلور نشاط محمد عدنان سالم في عالم النشر وعلاقاته الطيبة بالناشرين بأن رأس اتحاد الناشرين السوريين (1991-2011م)، وشغل منصب نائب رئيس اتحاد الناشرين العرب (1995-2006م)، ورئيس اللجنة العربية لحماية الملكية الفكرية (1995-2006م)، ثم رئيس الجمعية السورية للملكية الفكرية (2008-2010م)، ثم رئيس الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال (2008-2011م).

وكانت له آراء مهمة في صناعة النشر وهموم الناشر العربي، بل كان يتطلع دائماً على مستقبل صناعة النشر في ظل التحولات الخطيرة والمتسارعة، وتحولها من وعائها الورقي إلى أوعيتها الإلكترونية.

إذ رأى ضرورة تسليط الضوء على أهمية تطوير الكتاب الورقي، ودعمه باللون والصورة وبراعة الإخراج، وربما بإضافة الصوت والحركة لتثبيت قدمه في المنافسة، وخوض معركة إعادة الكتاب إلى الأيدي، التي تراخت عن حمله بعد مغادرتها مقاعد الدرس، لتنخرط في أمية لاحقة، لم تعد مقبولة في عصر الانفجار المعرفي المتنامي والمتسارع، وهو من الداعين إلى بناء مؤسسات التوزيع؛ الكفيلة بإراحة الناشر، والأقدر على توفير أقنية الإيصال، والتغلب على كل مشكلات الرقابات المتباينة، والقرصنة المستشرية.

ودعا سالم الناشر العربي إلى أن يكون له مشروعه الثقافي الواضح، وأدواته الفنية والعلمية والمتطورة، كما دعا الناشرين إلى مزيد من التلاحم والتعاون والتخطيط لإنقاذ سفينتهم من الغرق، وضمان مستقبل آمن لمهنة صناعة النشر.

واستشرف في مستقبل النشر؛ أن الناس سوف يقترب بعضهم من بعض، ويتعارفون، وتتمازج الحضارات، وسوف تسقط المسافات والأبعاد والحدود وسائر القيود، وسيلوذ الإنسان بالقراءة؛ طوق نجاة يعصمه من الغرق في طوفان المعلوماتية الهادر من حوله. وسيذهب ورق الكتاب، ومداد الكاتب، ومقص الرقيب، وتعليمات الوصي، وقوانين المطبوعات، وقوالب (الأيديولوجيات) إلى متاحف التاريخ مع الديناصورات.

 وسينكسر احتكار الحقيقة والمعرفة، وينعم الناس بنعمة الاختلاف، وتتعدد الخيارات أمام المتلقي، فلا يبقى أسير الصوت الواحد، والرأي الواحد، بل سيصغي إلى الصوت الآخر ويتفهم الرأي الآخر، ويسود الحوار.    

شهادات في محمد عدنان سالم

ناشر مثقف؛ صاحب رؤية وخبرة كبيرة اكتسبها على مدى ستين عاماً، مكنته من التمييز بين الغث والسمين فيما ينشره، وبما ينفع أمته. 

وهو ناشر تنويري؛ يقف ضد التطرف بكل أشكاله؛ وهو ناشر ديمقراطي؛ يؤمن بالنقد والاختلاف والاعتراف بالآخر؛ ينشر لكل الكتّاب على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم، وهو ناشر عصري؛ يؤمن بضرورة الأخذ بالأساليب الحديثة في النشر؛ ويدعو إلى النشر الإلكتروني وعبر شبكات الإنترنت.

وهو ناشر عالمي؛ تفوق محلياً وعربياً ثم اتجه دولياً، إلى ترجمة كتبه من العربية إلى العديد من اللغات الأجنبية، وعرّب كتباً أجنبية.

محمد رشاد / رئيس اتحاد الناشرين العرب

استطاع الأستاذ عدنان سالم الناشر للكتاب؛ أن يمنح حركة النشر معناها الحضاري والثقافي، وإذ كنت من متابعي جهوده فإنني أرى فيه أكثر من ناشر في المفهوم التجاري، فقد أنشأ مع إصداراته صلة بالقارئ، تحثه على القراءة وتعرفه بقيمتها في مسار رسالة ثابتة، إنها رسالة تبليغ الثقافة الإسلامية لقارئ أوعى من مؤلف، ومفكر أوسع من مقتبس وناقل.   

عمر مسقاوي/ الوصي على تراث مالك بن نبي

لقد رأيت في أخي الأستاذ عدنان واحداً ممن سبق عقلُه عملَه، وغلب طموحُه إمكانه، واتّسع فكره، واستنار عقله، وتشعّبت ثقافته. فصاحب المكتبة أصبح صاحب مشروع (اقرأ).. والناشر أصبح صاحب رسالة ترصد السرقات الفكرية.. وصاحب الفكر أصبح صاحب دعوة وداعية، وصاحب مؤلَّفات تمتع وتثقّف.. وصاحب الدعوة أصبح صاحب موسم ثقافي؛ يشجع على القراءة ويكافئ عليها، ويشجع الإبداع الأدبي ويخصّه بالجوائز، ويقيم المحاضرات والندوات والحوارات، ويكرم العلماء.

مازن المبارك / عضو مجمع اللغة العربية

 

المصدر: 
مجلة الناشرون العرب
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.