دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

محل "أبو جميل" في غزة.. ذاكرة ثقافية وكنوز أدبية وتاريخية‎‎

الخميس, August 12, 2021
كاتب المقالة: 

يمثل هذا المحل بالنسبة للرجل الستيني عالمه الخاص، وينظر إليه في غزة على أنه "ذاكرة سوق الزاوية التاريخية والثقافية"، لموقعه المميز الملاصق للمسجد العمري الكبير أقدم مساجد غزة، وتحيط به مبان أثرية مضى عليها أكثر من ألف عام

غزة – يمسك الستيني سليم الريس كتابا ويقلب صفحاته بين راحتيه برفق وكأنه يداعب طفله المدلل، قبل أن يناوله لطالبة جامعية بحثت عنه مطولا في مكتبات حديثة ولم تجده إلا لدى "محل أبو جميل" في سوق الزاوية التاريخي بقلب غزة القديمة.

الريس (60 عاما) -الذي يُعرف بين زبائنه من مثقفي غزة بـ"أبو جميل"- حكاية ممتدة منذ 35 عاما مع الكتب القديمة والمقتنيات التاريخية وما تسمى "الأنتيكا" بدأت كهواية في صغره وتحولت إلى مهنة.

بداية الحكاية

كان الريس طفلا في العاشرة من عمره عندما بدأ تعلقه باقتناء الكتب القديمة والوثائق والمقتنيات التاريخية، ويقول للجزيرة نت "كنت أذهب إلى كل مكان في فلسطين من أجل شراء الكتب والأنتيكا، خصوصا لمدينة الخليل بالضفة الغربية، والتي كانت تصنف عاصمة للكتب يجلبها التجار من الأردن ودول عربية أخرى".

وظل الريس متعلقا بهذه الهواية حتى منتصف العشرينيات من عمره، ليقرر أن يحول محلا صغيرا ورثه عن أسرته إلى متجر أصبح مزارا للسياح والمثقفين والباحثين عن كتب وإصدارات قديمة ومقتنيات نادرة ووثائق تاريخية.

ويمثل هذا المحل بالنسبة للرجل الستيني عالمه الخاص، وينظر إليه في غزة على أنه "ذاكرة سوق الزاوية التاريخية والثقافية"، لموقعه المميز الملاصق للمسجد العمري الكبير أقدم مساجد غزة، وتحيط به مبان أثرية مضى عليها أكثر من ألف عام.

ويقول الريس إنه عايش لحظات من الرعب عندما وقع انفجار ضخم في السوق وهز أرجاء مدينة غزة خلال عيد الأضحى المبارك، فمحتويات المحل أثمن من أن تقدر بثمن ولا يمكن تعويضها.

وكانت فرحة الريس غامرة وصفها بأنه كمن "ولد من جديد" عندما توجه في الصباح إلى المحل ليجده سليما سوى من أضرار أصابت واجهته جراء الانفجار الذي أوقع أضرارا جسيمة في السوق وكأنه "زلزال" ضرب المنطقة.

كنوز أدبية وتاريخية

لا يمكن للعين أن تميز بنظرة واحدة محتويات محل "أبو جميل" الذي تعج جنباته بالكتب وإصدارات أدبية من مجلات وصحف، ومصنوعات خشبية ونحاسية، وأدوات كهربائية تتدلى من السقف ومعلقة على الجدران، وعلى الزائر أن يتنقل بين جنباته بحذر شديد.

ويحافظ الريس على عاداته اليومية بفتح المحل في الصباح الباكر، ويقضي فيه ساعات نهاره وحتى المساء رغم أنه يشكو انخفاض أعداد الزوار والزبائن بسبب انقطاع السياح عن غزة، والأوضاع الاقتصادية المتردية منذ فرض الحصار الإسرائيلي قبل 15 عاما.

35 عاما قضاها سليم الريس بين الكتب والمقتنيات الأثرية والتاريخية (الجزيرة)

وبينما كان "أبو جميل" يشرح بألم تدهور الأوضاع في غزة بسبب الحصار وأثره على مناحي الحياة كافة قطعت حديثه طالبة جامعية تبحث عن مجموعة كتب قديمة تريد أن تهديها لصديق.

وقف "أبو جميل" يساعد هذه الطالبة في البحث عن مبتغاها، وكم كانت سعادتها كبيرة عندما عثرت على ديوان قديم للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، وسيرة ذاتية لأديب عالمي.

"أبو جميل" ليس متخصصا في الأدب، فهو يحمل شهادة متوسطة في اللغة الإنجليزية، لكنه واسع المعرفة ويتمتع بثقافة كبيرة في مجالات مختلفة اكتسبها من "إدمان القراءة" منذ عقود طويلة.

وتقول الطالبة العشرينية ندا أبو ارجيلة للجزيرة نت "جئت لمحل العم أبو جميل وأنا متأكدة أنني سأجد ما أبحث عنه"، وأضافت وهي تجول بنظرها بين جنبات المحل "هنا يمكنك العثور على ما لا تتوقع".

 

وقاطعها "أبو جميل" بالقول "كنت أحتفظ بشعار نحاسي نادر لوزارة السياحة الفلسطينية في عهد الانتداب البريطاني يعود لعام 1935، وأصر أحد الزبائن على شرائه، وتوجد لدي مقتنيات متنوعة مصنوعة قبل نحو 150 سنة".

وأمسكت أبو ارجيلة بمصباح نحاسي يعمل على الكيروسين، وابتسمت قائلة "هذا أقدم من إسرائيل التي تحاول تزييف تاريخنا".

مثقف من نوع خاص

ويقول وزير الثقافة الفلسطيني الدكتور عاطف أبو سيف إن مقتنيات محل أبو جميل "تشكل تاريخا فلسطينيا نادرا"، ولا يمكن تخيل سوق الزاوية دون أن تتذكر محل "الأنتيكا" الشهير لأبو جميل، فالمحل المكتظ بالكتب والمجلات والمقتنيات الأثرية والتراثية، والمحل الذي تتراكم وتتكوم الأشياء فيه بعفوية وانتظام منقطعي النظير لا يمكن أن يفوت صاحبه شيء، فهو لن يمضي وقتا طويلا وهو يبحث لك عما تريد.

يبيع سليم الريس كتبا ومقتنيات قديمة في مكتبته المعروفة في سوق الزاوية التاريخي بقلب غزة القديمة (الجزيرة)

وعقب وقوع انفجار سوق الزاوية كتب أبو سيف في صفحته الرسمية على فيسبوك متحدثا عن ذكرياته مع "محل أبو جميل"، وقال "أعرف المحل منذ طفولتي، لكنني دخلت أول مرة باحثا عن كتب ومجلات ربما قبل ربع قرن من الزمن عام 1996، يومها اشتريت مجموعة كتب صدرت في غزة قبل عام 1967 أذكر منها مجموعة "غزة من الخلف" لفوزي العمري (مواليد يافا 1932)، وبعد ذلك لم انقطع عن أبو جميل، وعقب ذلك وجدت عنده مجموعة ثمينة من الكتب الأصلية منها مثلا رواية "سكة الحجاز" لجمال الحسيني وإصدارات متعددة لخليل السكاكيني".

وأضاف الوزير الفلسطيني "نحن شعب نفتخر بمنجزنا الأدبي والثقافي.. تحية للصديق أبو جميل لأنه يحافظ على جزء من ذاكرتنا"، ووصفه بأنه "مثقف من نوع خاص، لا يتباهى بالمعرفة الكبيرة التي يمتلكها".

المصدر: 
الجزيرة
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

4 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.