مثقفون يروون قصصا من «ذاكرة الطفولة» في أيام العيد

الجمعة, July 8, 2016
كاتب المقالة: 

يأتي العيد وتخرج من الذاكرة مشاهد بهية وشجية من الماضي، تشكل قصصا تحمل في طياتها الكثير من المواقف السعيدة والطريفة والبريئة.

«الجسر الثقافي» غاص في ذاكرة عدد من المثقفين والكتاب السعوديين والعرب لينبش بعض تفاصيل تلك القصص، لنفترش ساحاتها ونتشارك معانيها بكل ما تحمله من مواقف.

صورة للذكرى

بداية تحدثت الكاتبة الإعلامية فاطمة القحطاني قائلة «يتقدم بنا العمر وتبقى ذكريات الطفولة عالقة بأذهاننا، قد ننسى بعض الأحداث التي حدثت لنا قبل عدة سنوات، إلا أن تلك الفترة الرائعة من أعمارنا تبقى في ذاكرتنا بسبب اشتياقنا لها وأمنياتنا بأن تعود، ولكن بالطبع من المحال ان يرجع بنا الزمن».

وتتابع القحطاني: «يوم العيد يختلف في طفولتنا لأنه السعادة الكاملة التي نترقبها كل عام، ونفرح عند الاعلان الرسمي من التلفاز ان غدا هو يوم عيد الفطر المبارك وقبلها بأيام كنا قد أكملنا استعداداتنا له بتجهيز ملابس جميلة تخيطها أمي الغالية، وكعك العيد بالتمر اللذيذ الذي تصنعه والدتي كل عيد، وترصه بصحون كبيرة حتى يتم توزيعه على الجارات، ويقدم منه للضيوف الزائرين، فيما يأخذنا والدي مع إخوتي الى استديو تصوير في يوم العيد لالتقاط صورة للذكرى كانت أبيض وأسود ولكنها في نظري كانت تحمل كل ألوان الحياة الزاهية فيما انا كنت دوما الطفلة الخجولة من الكاميرا».

فنون العيد

ولخّص محمد البريكي مدير بيت الشعر في الشارقة مرحلة الطفولة في عيد الفطر قائلا «كانت طفولتنا أكثر فطرية لأن البيئة كانت غير معقدة، فكنا نمارس شغبنا ولهونا مع القليل من الالعاب الشعبية، فلا أنسى المرجيحة (المريحانة) التي كانت أبرز ألعابنا وكانت تعلق في أكبر شجرة سدر في الحي ويلتقي أطفال الحي للعب عليها، ومن الطقوس الجميلة التي أثرت في مسار حياتي الاجتماعي هو مرافقة أبي للسلام على الأرحام وأهل الحي بعد صلاة العيد مباشرة، ثم الذهاب إلى ذبح الأضاحي، ولا أنسى مشاركة أهل الحي في فنون العيد الشعبية التي تمارس خلال أيام العيد الثلاثة من بعد صلاة العصر إلى المغرب، وهناك طقس جميل يمارس أول يوم وهو دفن اللحم في تنور كبير يجمع شواء مجموعة من البيوت ويستخرج اللحم في ثاني أو ثالث ايام العيد، والاجمل فيه عملية المشاركة من جمع للحطب وسعف وجريد النخل وبعض أوراق الشجر التي تستخدم لحفظ اللحم واعطائه نكهة مميزة».

وأضاف: «لقد ساهم المجتمع بشكل كبير في جعل تلك اللحظات كبيرة، فمن منا لا يشعر بالفرح عند الحصول على العيدية، والتي تجعل الاطفال يطيرون مباشرة إلى أقرب بقالة ليشتري لعبه، كما لا أزال أتذكر حلويات العيد التي نتحصل عليها من خلال مرورنا على بيوت الحي ونحن نردد بعض العبارات التي ورثناها عن أجدادنا من خلال العادات والتقاليد ويقدمها لنا أهل (الحارة) بمحبة كبيرة لأنهم يرون أن بهجة العيد مرتبطة بتلك الابتسامة على وجه الأطفال التي تضيء الكون وتجعل له معنى وتمنحه قيمة جمالية».

عمر الزّهورِ

ومن تونس تقص لنا الشاعرة والناقدة أسمهان الفالح قائلة «يختزن العيدُ بالنّسبة لي عمرًا من الذّكرياتِ، أو لنقل محطّةً أنختُ فيها رَكْبَ الطّفولةِ المُحمّلِ بقصصٍ جمعتْ إلى الفرحِ الشّجنَ، وإلى الأملِ الألمَ، وإلى الرّجاءِ القُنوطَ... مشاعرُ متداخلةٌ وأحاسيسُ متزاحمةٌ تمورُ بداخلي وتضطرِبُ كلّما نفّضتُ الغبارَ عن الذّاكرةِ المنهكةِ لتتوهّجَ الأحداثُ أمامَ ناظريَّ متلاحقة متسارعة.

آه.. كم كنتُ وأنا في عمر الزّهورِ، أتوقُ إلى أيّام العيدِ لما كان لهَا من وقعٍ خاصّ في نفسي تلاشَى أو كادَ مع مرورِ الزّمنِ، وتعقّدِ الظّروفِ الحياتيّة، وتناوبِ الخطوبِ والملمات».

وأضافت الفالح: «ولعلّي لا أنسَى ليالي العيد البهيّةِ حيثُ تزدانُ المدينةُ وشوارعُها وأنهجُها وأزقّتُها بأبهى الحُلل من راياتٍ ملوّنةٍ، وأعلامٍ مرفرفةٍ، وأضواء متلألئةٍ ومشاتلَ ياسمينٍ جُلِبتْ للغرض، ورُصّفتْ بشكلٍ متناسقٍ هُنا وهناكَ، والطّرقاتُ تعجّ بالمارّة، وهرجُ الأطفالِ يملأ المكانَ. أمّا المنازلُ فلا تهدأ أو تسكنُ، فهذا يجرّبُ ملابسَ العيدِ، وتلك تخضّبُ يديْها بالحنّاءِ، وأؤلئك َيجهزّونَ الحلويّاتِ ويرسلونها إلى المخبزةِ كي تنضجَ، ثمّ يقضونَ وقتا طويلاً في ترصيفهَا داخل علبٍ بمقاسات متباينةٍ».

تحضيرات العيد

وعادت الذاكرة للقاص محمد ال باشا لمواقف مليئة بالطرافة فقال: «لعل أبرز ما في ذاكرتي الان هي تحضيرات العيد والتي تسبقه بعدة ليال، وباعتبار أن والدتي لم تنجب اناثا فنحن الستة ذكور كنا نقوم بمساعدة والدتنا وخدمتها، بدون ان نقصر على نفسنا في التسلية واللعب، حيث حولنا عملية غسيل المنزل لـ(يوم عالمي للعب والنظافة) من خلال ابتكار الملعب الصابوني اثناء غسيل السجاد».

واضاف ال باشا: «كما كنا ايضا نساعد الوالدة في التحضير لصناعة بسكويت الذي يحترق جزء كبير منه اذا غابت والدتنا عنه، ومن المواقف التي لا انساها انشغالي بتحضير كعكة قرأت طريقة تحضيرها بشكل خاطئ، فبدل ان اضع ثلث كأس زيت وضعات ثلاث كاسات زيت، فكانت التعليقات بأنها لذيذة ولكنها مليئة بالزيت وانا واخواني نضحك على الموقف، فيما ليلة العيد عادة كنا نقضيها على لعبة الاتاري».

ملامح مختلفة

شارك الشاعر عواض العصيمي بالحديث عن العيد بقوله «أعتقد أن استقبال العيد يأخذ منحى تأملياً هادئاً عند الإنسان، فكلما تقدم بالسن تبدو له ملامح العيد أقرب إلى ملامح رجل أنضجته الأسفار وعركته يد الزمان، هذا هو الرسم المقارب لمعنى العيد عندي، أنا وهو تقريباً في نفس العمر، والنظرة المتريثة هي نفسها، ولا شك أن الحديث سيشوبه بطء وركاكة، لكني عندما أعود إلى سنوات الصبا أفقد تماماً هذه الملامح في العيد، وتتبدى لي ملامح جدا مختلفة، في ذلك الزمن أراه يرفل بطلاقة فائضة ورحابة أكبر في التعبير عن السعادة والفرح».

ويرى العصيمي أن العيد ينبع تصوره من داخل التراكم الذي عاشه المجتمع في معاوداته عبر الزمن، وقال: «العيد عند صغار السن أشد نضارة لأنه لم يتكرر كثيراً في أعمارهم، وهم يحبونه على الوجه الذي يحيونه على هذا الأساس، عيد على شكل (تلبيسة) الحلوى جميل وله بريق خاطف، وله حفاوة الهدية الغالية، وله إشراقة العناق الدافئ. أما عند الأجيال الأكبر سناً فهو ذلك الزائر المألوف الذي يأتي كل عام بملامح الصحبة المستمرة التي يسهل توزيعها على أصدقاء المرحلة بكل ما فيها من حكايات ومفارقات».

المصدر: 
اليوم
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.