دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

لقاء مع المفكر المصري المستشار طارق البشري

السبت, February 27, 2021
كاتب المقالة: 

كيف يمكن قراءة احداث ايلول / سبتمبر التي ضربت الولايات المتحدة الامريكية في عقر دارها.. وماهي انعكاسات هذه الأحداث على العالم العربي؟وبالتالي كيف ستكون طبيعة العلاقة بين الغرب والإسلام في أعقاب هذه الأحداث وعلى ضوء الهجوم الشرس على العرب والمسلمين واتهامهم بالإرهاب؟

وكيف يمكن فهم الجهاد الآن.. هل اختلف عن مفهومه في الماضي؟وما حكم العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة؟

وأين حقوق الإنسان من معاملة أسرى القاعدة وطالبان؟!!وهل يمكن قراءة موقف أوروبي خارج الموقف الأمريكي من العرب والمسلمين؟

  

هذه النقاط شكلت اهم المحاور في لقاءنا مع المستشار طارق البشري النائب الأسبق لرئيس مجلس الدولة المصري

*كيف تنظر إلى أحداث 11 سبتمبر/2001..وكيف تفسر انعكاساتها على العالم العربي؟

بداية يجب ان نسجل ان قراءتنا لأحداث ايلول /سبتمبر ليس معناها اننا نؤيد هذا الحدث ولكننا نحاول ان نقرأه ونحلله ليس بشكل عاطفي إنما بشكل استقراء تاريخي للأحداث.

 ان ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001 وفي الايام التي تلته مباشرة كشفت لنا ثقوبا في سياسة الولايات المتحدة لم تكن ظاهرة من قبل بهذه الطريقة، ففيما يتعلق بسياسة الامن الامريكي اثبت الحدث طبعاً أن هذا الأمن لاينحصر في شبكة الصواريخ وقوى الدفاع النووي، فمن الممكن أن ينتهك هذا الأمن من داخلها، وهو ماتم فعلا، وأن الولايات المتحدة ليست معصومة من أية قوى معارضة لها يمكن أن تتحدى هذا الأمن عند اللزوم وان تخلق القدرة على هذا التحدي لها.

من الملاحظات المهمة التي يجب رصدها ايضا ما ظهر خلال الأسبوعين الأوليين على الحدث حيث برز بوضوح أن القرار الأمريكي ليس بالدقة التي كنا نتصورها، فالارتباك الذي حدث في القرار الأمريكي على اعلى المستويات لم يكن أحد يتخيل او يتوقع   أن يكون بهذا الشكل وبهذه الدرجة.. كنا نتصور دائماً ان القرار الأمريكي رصين يرتكز على نوع من الدراسات الضخمة والجادة التي تقف وراءه وتدعمه ليظهر بشكل واقعي ودقيق، ولكن ماتم فضح ضعف ورقة القرار الأمريكي، ففي الفترة ما بين 11 ايلول / سبتمبر إلى 7 تشرين اول /أكتوبر تردد الامريكان في كل قراراتهم حتى تصريحات رئيس الجمهورية كانت تتغير كل يومين مرة حسب الحكاية.. واسم العملية ترددوا فيه واخذوا يغيروه كل ثلاثة أيام مرة، هذه كلها تبين الشروخ وعلينا ان نلحظها.

 النقطة الثانية المفروض الانتباه إليها أن الولايات المتحدة لم تكن مهمتها سهلة هذه المرة في جمع العالم على أساس الانتقام من هذا الحدث، لأنه لكي تصل إلى أفغانستان كان لا بد لها من أن تتخذ خطوات كثيرة بالنسبة لباكستان وبالنسبة للصين وبالنسبة لروسيا وأتصور أن هناك تنازلات تمت لهذه الجهات في هذه النقاط مقابل مشاركتهم في الحرب او سماحهم بها، فهي لم تدخل هذه الحرب بقوتها الذاتية وانما دخلت بقوى الآخرين المشاركة لها ومن شارك بالعملية بشكل او بأخر لا بد ان يستفيد من النتائج .

وبرأيي ان الفترة الاصعب هي الفترة الراهنة وما سوف يليها أي ما بعد عملية اقتحام أفغانستان، فالحكم دائما أكثر صعوبة من الغزو، الحكم يحتاج إلى استمرارية وإلى استرضاء للناس أو الضغط عليهم، فالعمليات العسكرية هي أسهل المراحل فالولايات المتحدة الامريكية قوة كبيرة ولابد ان يصل هدفها العسكري بالغزو الى نهايته، وإذا القت قذيفة او أطلقت صاروخ فلابد ان يصل.. لكن بعد ذلك.. مسألة الاستمرار هنا المشكلة , وكيفية الاستمرار لن  تحددها أمريكا وحدها, وبرأيي ان مافعلته الولايات المتحدة في افغانستان ليس بالحدث البسيط لقد أثارت بصنيعها هذا منطقة كانت كامنة بصراعاتها وتناقضاتها , ولاشك ان هذه الصراعات ستظهر  في المستقبل القريب ولن تنتهي بسهولة , لدينا  الصين مثلا , أياً كانت علاقة الولايات المتحدة والصين لا يمكن أبداً لبلد  بحجم الصين ولا بحجم روسيا ان يقبلوا ببساطة خطر وجود دولة كبرى طامعة في العالم اليوم على حدودهم  بهذه الطريقة سواء اليوم أو غدا، فضلا عن وجود مشكلة طبيعية , فالمنطقة نفسها جبلية وهي  مليئة بالقبائل ومليئة بالأعراف المختلفة , وهنا ستظهر كل الصراعات وستكبر من خلال هذه التنوعات وقد تؤدي هذه الصراعات الى تغيير خارطة المنطقة بالكامل، فالمسالة ليست بالسهولة التي تبدو,  والانتصار الأمريكي ليس بالسهولة الذي يبدو أنه تحقق خلال الاشهر الماضية  .

* كيف ترى انعكاس أحداث سبتمبر / ايلول على الخطاب الإسلامي بشكل عام وعلى الحركات الإسلامية بشكل خاص؟

ينبغي التمييز بين أثر الأحداث في خطاب الهيئات الإسلامية الرسمية، أي الجهات التي تتبع الحكومات الاسلامية او تنفعل بالمواقف الحكومية الرسمية، وبين أثر هذه الاحداث في الهيئات الاسلامية الشعبية والاهلية، التي تتميز نسبيا عن تأثير حكوماتها فيما تتخذه من قرارات ومواقف.

اما الجهات الاولى ذات الاتصال الوثيق بالحكومات العربية والاسلامية، فان الغالب منها بدا يفكر ويدعو الى تعديل الخطاب الاسلامي الصادر من مجتمعاتنا ليصير أكثر ليونة ومرونة وليحاول ان يتقدم للذهن الامريكي والحضارة الغربية بشكل عام بانه خطاب يتفق مع الكثير مما يتفهمه العقل الغربي وانه خطاب يتصف في اساسه بالمسالمة، فهو خطاب دفاعي يبتغي ان يتبنى اسس الموقف الفكري الغربي ومسلماته وان يبرر ما فيه اختلاف عن ذلك الموقف الغربي.

اما الجهات الاخرى , وهي تتكون اساسا من التوجهات الاسلامية الشعبية سواء كانت احزابا وطنية او حركات ثقافية وفكرية , فان الهجوم السياسي والفكري الذي تشنه اجهزة السياسة الرسمية الامريكية على المسلمين والاسلام , هذا الهجوم استفز لدى هذه الجهات روح المقاومة وروح التقارب بين بعضها البعض للدفاع عن الحوزة ازاء التهديدات السياسية والعسكرية الامريكية وازاء مناصرة الامريكيين للصهاينة في سياستهم العدوانية على العرب وعلى فلسطين ، وازاء تبني مفكرين سياسيين ذوي عزوة سياسية رسمية و تبنيهم مفاهيم صراع الحضارات ونجاحه مع الحضارة الاسلامية .وبالتالي هناك موقفان  بالنسبة للخطاب الاسلامي وليس موقفا واحدا .

 

*اشرت الى نهوض في الخطاب القومي اثر احداث سبتمبر .. كيف ؟

إزاء العدوان الصهيوني على فلسطين، وخطر ضياع الحق العربي فيها، وازاء عدوان الولايات المتحدة على شعوبنا العربية الاسلامية، وإصرارها على التدخل في شؤوننا السياسية الداخلية.. ازاء كل ذلك مما نحياه في هذه المرحلة، فان أي خطاب وطني مقاوم للعدوان ويبغي صده يتوقع ان ينتعش.

المهم في هذا المجال ليس الانتعاش فهو متوقع، ولكن المهم هو كيف ندير تياراتنا الوطنية كلها، الرسمي منها والوطني بأسلوب يمكن من تآزرها جميعا في مقاومة العدوان الحاصل، سواء العسكري او السياسي او الثقافي.

 

* وماهي اولويات الحركات الاسلامية على ضوء الوضع الحالي؟

اظن اننا نقف هنا ازاء اولويات غير مختلف عليها ابدا في هذه المرحلة، وهي تتعلق باتخاذ مواقف المواجهة والمقاومة للعدوان الاسرائيلي على فلسطين والشعب الفلسطيني، انها قضية الساعة وقضية هذه المرحلة التاريخية التي نحياها الان، وهي قضية كل العرب وبخاصة العرب المشارقة وقضية كل المسلمين، وبخاصة من وسط اسيا حتى شمال افريقيا.

 

* كيف تتوقع طبيعة العلاقة مع الغرب  بعد هذا الحدث؟

السياسة الأمريكية اليوم مجمعة للمسلمين، فعبر هذا التحدي الذي تواجه به الإسلام والمسلمين في العالم اجمع تقوم بشكل غير مباشر بتجميع المسلمين وايقاظ   شعور الانتماء الواحد فيهم، ففي الثمانينات مثلا كان هناك نوع من أنواع التوزع الذي عشناه ما بين الخوف على أفغانستان من الغزو الروسي لها وما بين الخوف على فلسطين من الغزو الصهيوني وأيهما أولى في حشد الدفاع عنه.

اليوم أصبحت المسألة واحدة ما تواجهه أفغانستان هو ما تواجهه فلسطين، والعدوان على فلسطين هو ذاته وبنفس القوة السياسية في أفغانستان، والتوحد الموجود بالنسبة لشعوبنا العربية أو الإسلامية أصبح اليوم اكثر قربا عما كان، و مشكلتنا القادمة هو كيفية إدارة المقاومة الشعبية ضد أمريكا والصهيونية، هذه المشكلة الأساسية.

واؤكد هنا ان العنف في مقاومة العدوان هو حق طبيعي للشعوب، لكن كيف يمارس؟ يمارس بعنف شعبي ضد المعتدي في داخل الأرض المحتلة وهذا الوضع لا بد أننا سنلتزم به، و اذا حاولنا الإستقراء لحركات التحرر وحركات المقاومة الشعبية التي لجأت للعنف على مدار التاريخ الحديث نلحظ انها لزمت بذلك، وان ممارسة العنف الان في خارج إطار الإقليم المعتدى عليه أو البلد المعتدى عليها، فان هذا يوقعنا في فخ العولمة..  العولمة تقول بكسر الحدود والفواصل ما بين البلاد مع بعضها بعض، وبهذا تضيع علينا مبدأن أساسين ومهمين جداً عشنا بهم بوصفنا شعوب معتدى عليها، وهما: مبدأ حق الأمم في تقرير المصير، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وهذان المبدآن يعطيان حصانة على المستوى النظام الدولي يجب إن نتمسك بها، وبالتالي فاستخدام العنف في غير الأرض المحتلة يعني كسر هذين المبدأين، وبالتالي يعني الوقوع في فخ العولمة، وهي من المحاذير التي يجب ان نهتم بها .

 

* هذا يوجهني لسؤال آخر حول مفهوم   الجهاد الان.. هل اختلف عن مفهومه في الماضي ام انه اكتسب بعدا اخر؟

يبدو لي أن مفهوم الجهاد في عصرنا الحاضر تركز في معنى المقاومة ضد العدوان الاجنبي، حيث اخذ يأخذ شكل الدفاع عن الحوزة ورد العدوان عن الجماعة الإسلامية في أي بلد من البلاد التي يعيشون بها، هذه الترجمة المعاصرة لمفهوم الجهاد التي نحياها اليوم في ظل الظروف العربية والدولية، وهي تؤكد ان مفهوم الجهاد قد يختلف وتتنوع اساليبه في كل عصر وفي كل حقبة من حقب التاريخ، ـ ففكرة الجهاد اساسا لا تختلف اليوم عن فكرة الاستقلال الوطني وفكرة التحرير في الفكر السياسي المعاصر.

 

ونحن نلاحظ هذه الضغوط على الجماعة الإسلامية باعتبارها تنتمي إلى دول مقهورة في هذا العالم، نرى انه من المطلوب الدفاع عن استقلال هذه الدول وحمايتها وحماية هذه الجماعة من ناحية عقائدها وتراثها، وهذا هو الجهاد في هذه المرحلة التاريخية التي نعيش فيها منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وهي مرحلة لم تنته بعد، وإذا أردنا أن نسمي هذا العصر الذي تعيش فيه الامة العربية والاسلامية   كما كان القدماء في أوروبا يسمونها.. عصر النهضة.. وعصر الإصلاح.. وعصر التنوير..، يمكن القول اننا نعيش عصر الاستعمار ومقاومة الاستعمار، فلا يوجد قضية من قضايانا على مدى مئتي سنة الماضية إلا كانت مرتبطة بهذا الامر وهو التحفز لوجود خطر خارجي، والخطر الخارجي محقق او وشيك التحقق.

إذا مفهوم الجهاد في هذه المرحلة التي نعيشها هو حفظ الذات وحفظ الجماعة من الناحية السياسية والعقائدية والحضارية وحفظ ثرواتها من الناحية المادية.

وكما اسلفت لا تختلف فكرة الجهاد عن فكرة الاستقلال الوطني وفكرة التحرير في الفكر السياسي في هذه المرحلة التاريخية.

 

* ضمن هذا المفهوم هل يمكن اعتبار ماحدث في سبتمبر - اذا كان الذين قاموا به اسلاميين -  نوع من الجهاد ؟

أؤكد من جديد ان مناقشة الموضوع لا تعني تأييد ما حدث وإنما هي محاولة لفهمه ووضعه في سياقه الصحيح.

 ان ما حدث في ايلول/ سبتمبر نوع من العمل غير مسبوق في حركات التحرر التي عرفناها خلال القرنيين الماضيين وما قبلهما الا في النزر اليسير من الامثلة، وفي ذات الوقت فله أثاره السلبية البالغة الخطورة علينا، ومن خلال استقرائنا لأنشطة حركات التحرر وحركات الاستقلال سواء في البلاد الإسلامية. اوفي بقية البلاد الغير إسلامية من الصين إلى كوبا إلى غيرها على مدى القرنيين الماضيين كان العنف يستخدم ضد المحتل الأجنبي وعلى الأرض التي يمارس عليها الاحتلال , اما ماحدث في سبتمبر فهو اسلوب جديد له أخطاره الشديدة لأن جزء من تحصننا عالمياً هو في مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية وفي حق تقرير المصير هذان مبدأ ن سائدان عالمياً ويراد من قوى العولمة الحديثة أن تسحقهما وتفنيهما تماماً، ومن هنا  لا نجد خلال العشرة أو الخمسة عشرة سنة الماضية اية  إشارة إلى هذين المبدأين، وأصبح الفكر السياسي الذي يراد أن يروج في  مراكز البحوث والمعاهد العلمية الآخذة عن الفكر الغربي اليوم أنه لا يوجد داخل وخارج وان  العالم اصبح قرية واحدة وجماعة واحدة لكي يبرر  للدول العدوانية عدوانها على شعوبنا بهذه الطريقة والتدخل في شؤونها .ولذلك علينا ان ننتبه الى وجوب قصر جهادنا ومقاومتنا على حدود الأراضي المحتلة أو المعتدى عليها .

* بغض النظر عما فعلت طالبان والقاعدة، هل ترون في معاملة الاسرى– أسرى طالبان والقاعدة  يعتبر خرقا كاملا لكل المواثيق الدولية وحقوق الانسان في العالم. كيف ننظر الى هذه المسألة؟

أمريكا لا يهمها المواثيق الدولية.. القوة هي الأساس بالنسبة لها، وبطبيعة الحال نحن لانتكلم عن الشعب الامريكي، بل عن السياسة الأمريكية التي لا تعرف إلا القوة ولا تعرف حقائق موضوعية، تعرف فقط ما هو المفيد للسياسة الأمريكية وماغير مفيد.. وما هو مفيد لهم فهو واقعي وهو حقيقي.. وما هو غير مفيد فهو باطل.. وهكذا تجري الامور عندهم دائماً, لقد حددوا القاتل وحددوا مرتكبي أحداث سبتمبر قبل إن يبدؤوا بالبحث   , فالأحداث وقعت في الحادي عشر من سبتمبر و خلال 24 ساعة أو 48 ساعة التالية قالوا إن هناك اربعين الف  خيط يجري فيها التحقيق , وهناك 25 الف محقق يعملون لكشف هذه القضية , وبعد 24 ساعة فقط قالوا أن فلانا هو  الذي ارتكب هذا الحادث واخذوا يعدوا العدة لغزو  بلد، المسألة  في ذهن السياسة الأمريكية ليست ما هو حقيقي وموضوعي وما هو غير حقيقي  وما هو صادق وما هو غير صادق المطلوب عند الأمريكان ما هو نافع لسياستهم  وما هو غير نافع , و النافع لهم أن يتهموا أفغانستان بهذا الاتهام لان لهم مصالح كبيرة  في هذه المنطقة وهم يريدونها  لهذا سارعوا بإخراج ملف أفغانستان بمناسبة الحادث الخاص في نيويورك, بمعنى ان الملف كان معدا سلفا , والخطوات كانت مدروسة ولا تنتظر الا حادثا ملائما لاستغلاله للقيام بما اضمروه سابقا , وبالتالي اخذوا يعملون سريعا على الملف .

وهذا لايمنع من القول انهم ربما قد عرفوا الفاعل الحقيقي   او مازالوا يبحثون عنه، ولكن هذا له علاقة بوضعهم وامنهم الداخلي وبالتالي سوف يحتفظون بهذه المعلومات سرا لنفسهم.

اذا نظرنا اليوم الى حرب الخليج الثانية نجد انهم اتخذوا منها ذريعة ليكون لهم موقع في الخليج، وهذا ماحدث فعلا وصار لهم موقع عسكري هام في هذه المنطقة، وبعد ذلك استغلوا أحداث البلقان ليكون لهم وجود فيها ايضا، فالبلقان مهمة جدا والصرب مهمة في علاقتها بروسيا. روسيا من أيام بطرس الأكبر حتى اليوم يهمها الوصول إلى المياه الدافئة، والصرب واحدة من المناطق الأساسية في السياسة الروسية التقليدية سواء السياسة الروسية أيام البلاشفة أو السياسة الروسية اليوم.  فالأمريكان أرادوا اليوم أن يكون لهم وجود في هذه المنطقة وكان لهم ما كان، بعدها لا ننسى أنهم كانوا وراء تشكيل حلف بغداد في الخمسين من القرن العشرين في المنطقة لكي يشمل منطقة وسط آسيا، وبديل حلف بغداد اليوم هو ما يحصل الان في فلسطين وأفغانستان، وبعدها منطقة البترول في الخليج العربي ووجوده خلال فترة العشر سنوات..  يعني هذه السياسة مستمرة، ومن الممكن ان نراها ايضا في منطقة إندونيسيا عندما ينتهوا من وسط آسيا، أي ان نفس السياسة التي حصلت في أيام الأربعينيات والخمسينيات لتطويق العالم بقواعد أمريكية هو الذي يحصل الآن وانما بشكل اكثر تجبراً مما كان، والتوازنات الدولية أصبحت مواتية لهم بأكثر مما كانوا يتصورون، القواعد العسكرية التي قامت في الأربعينيات والخمسينيات لم يكن مقصود فيها فقط تحزيم الاتحاد السوفيتي وشل فاعليته، كان المقصود فيها أيضاً مواجهة حركات التحرير ومواجهة حركات الاستقلال في هذه البلاد.

* هل هناك قراءة للموقف الأوروبي خارج الموقف الأمريكي ؟

العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة علاقة فيها قدر من التميز وقدر من الصراعات لكن في إطار المشاركة،  وفي إطار أن أوروبا قابلة وراضية أن تكون شريكة أصغر للولايات المتحدة في قيادة العالم وفي سياسة العالم وفي إتباع سياسة دولية واحدة، أوروبا تحاول أن تنسحب من مسؤولية البطش الأمريكي عند اللزوم إن وجدت ان علاقاتها  بدول ما ترتبط بهذه المسؤولية وان هذه العلاقات سوف تتضرر ,ولكن إذا لم تجد لدينا الصدى اللازم الذي يجعلها تعيد حساباتها  في علاقتها معنا سوف ترضى في النهاية على السياسة الأمريكية .

 

* إذا رجعنا لمسألة الجهاد وما يتم من عمليات استشهادية في فلسطين. كيف ننظر الى هذه العمليات من منظور إسلامي؟

من وجهة نظر الوضع العلماني هي عمليات بطولية، و من وجهة نظر إسلامية هي عملية استشهادية وجهاد في سبيل الله والجماعة والوطن وفي كل سبيل نبيل، وأتصور أن هناك فتاوى شرعية في هذا الشأن فيما عدا بعض من قال أن هذه عمليات انتحارية لا تجوز، إلا أن الرأي السائد في الفتاوى الشرعية هو أنها عمليات استشهادية، ولنذكر سيدنا الحسين في كربلاء حيث كانت قلة قليلة جداً في مواجهة جيش جبار. والقرآن الكريم يقول: " إن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين " فالقلة تغلب الكثرة.. هل هذا كان استشهاد أم انتحار هذا في القرآن. واريد ان الفت هنا الى   الدعوات لوقف العمليات والمقاومة واؤكد إن تهدئة الجانب الفلسطيني هي تهدئة لصالح إسرائيل ولصالح استبقاء الهيمنة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، وإن وقف العمليات الاستشهادية معناه تسليم العرب في مواجهة إسرائيل، واستبقاء الاحتلال على أرض عربية وإسلامية.

 

*كيف تقرأ الوضع الفلسطيني الآن عل ضوء هذه المتغيرات؟

الوضع الفلسطيني على أفضل ما يمكن ان شاء الله فيما يتعلق بتماسك الجماعة الفلسطينية وقدرتها على المقاومة وقدرتها على البقاء إلى هذا الحد الأسطوري، وفي الحقيقة هم يقومون بالواجب الكفائي، ونحن إذا لم نقم بماهو مفروض علينا سنكون جميعاً آثمين أمام الله سبحانه وتعالى، بالنسبة لما يحدث في القدس سنسأل جميعاً يوم القيامة ماذا صنعتم من أجل القدس؟ وليس دون الشهادة ما يبرئ ذمة المسلم في هذا الوقت. القدس مقدمة لنا وأكثر من هذا أن فلسطين كلها قدس.. القدس ليست في الحرم من قال إن القدس هي مجرد المسجد الأقصى؟!  نحن نعرف أن المسجد حرم وأن مكة كلها حرم وأن مكة لها قبلة يعني، البيت قبلة لمن هم مصلين في المسجد والمسجد كله قبلة لمن يصلي خارج المسجد ومكة كلها قبلة لمن يصلي خارج مكة..  هكذا الوضع بالنسبة للقدس المسجد والقدس الشريف.. فلسطين كلها أرض القدس.

* هل تتوقع أن يتم ضرب إحدى الدول العربية قريبا من قبل أمريكا مباشرة أو من قبل الصهاينة، ولاسيما اننا نسمع تهديدات يومية عن النية لضرب هذه الدولة او تلك؟

لايردع الامريكان والصهاينة عن ضرب أي بلد إلا شعوره أن رد الفعل سيكون عنيفاً ضدهم وأنهم سيخسرون إذا فعلوا ذلك..

 

* هل هذا ممكن ضمن هذا الواقع العربي؟

هو غير مستبعد، أمريكا في جبروتها الكاملة تخرج علينا في زينتها كما خرج قارون من قبل ولا تشعر ان أحد يمكن ان يقف ضدها، وهذا يعني النهاية.

انظر إلى شراسة حكم الاتحاد والترقي في سوريا في نهاية الحكم التركي، كان أشرس ما يمكن في فترات الحكم العثماني لسوريا ولكنها كانت النهاية بالنسبة لهم.. كذلك كان البطش الفرنسي في الجزائر فترة ماقبل الاستقلال من أقصى ما يمكن لفترات الحكم الفرنسي في الجزائر ولكن أيضاً كانت النهاية.. هنا البطش وشدة البطش والقوة الشديدة ليست من الشروط والدلائل على القوة بل هي دليل على النهاية. ونأمل هذا ان شاء الله.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

11 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.