لقاء مع القراء (1): كورونا هذبنا جميعا!

الاثنين, July 27, 2020
كاتب المقالة: 

الأديبة الفلسطينية رنى سنداحة تواصلت معي بواسطة الفاكس، فأنا -كما يعرف بعض قرائي- ممنوعة، للأسف، بأمر طبيب العيون، من معاقرة التواصل بالكمبيوتر. وبعد استفسارها عن صحتي وابني، قلقاً علينا من وباء كورونا، كتبتْ بطرافة: «كورونا هذبنا جميعاً»، وهذا صحيح: لا سهر.. لا مطاعم.. لا طائرات نرحل بها للسياحة أو إلى وطن القلب، وغير ذلك من الممنوعات الكثيرة.

«رادار» أفانين والإصغاء له

الحاسة السادسة، الحدس، كلها أصوات داخلية أحببت تشبيه الفنانة التشكيلية أفانين كبة (العراق، كندا) لها بـ«الرادار». وهو اسم عصري علمي للحدس: «نوع من الذبذبات والترددات يدركها ويتحسسها الإنسان» كما قالت.
أما سلام عادل (ألمانيا) الذي يعتقد أن الله تعالى منحنا قدرات خارقة لكن البعض لا يلتقط الإشارة، فمضيفاً.. يقول السيد المسيح عليه السلام: «لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا فينتقل».

نجم الدراجي: يضبطني بالجرم المشهود!

أشعر بالدهشة أحياناً حينما يفك قارئ ما أتوهمه قطباً لجرحي تخفيه، كما في روايتي «فسيفساء دمشقية»، حيث تتحدث بطلة الرواية الطفلة عن موت أمها. وفي روايتي «يا دمشق وداعاً» حيث تروي فجيعتها بموت والدها.. وكنت أظن أن الأحزان ارتدت ما يكفي من «الأقنعة الروائية»!
ويبدو أننا حين نكتب نمارس رقصة (ستربتيز) التعري لأعماقنا وجراحها جرحاً بعد آخر، موتاً بعد آخر، فجيعة بعد أخرى.. ولن أنسى نجم الدراجي زودني بصورتين، واحدة لاستوديو الفلوجي الشعبي للتصوير وذلك في النجف، وكنت قد مررت به في إحدى زياراتي للعراق الحبيب وتوقفت أمام عبارة بخط اليد في واجهته المغبرة تقول «الحياة فقاعة فصورها قبل أن تنفجر» ووجدتها شعراً مقطراً، وصدرت بها كتابي «اعتقال لحظة هاربة» دون أن أدري أنها لشيخ المصورين في مدن الفرات.
العبارة الجميلة طائر مسحور يطير بين القارات بجناحي الإبداع.. وفي الترجمة الإنكليزية لكتابي «اعتقال لحظة هاربة» تصدرت عبارة الفلوجي الصفحة الأولى!

الكروي داوود ومحمد حاج ومنتهى

محمد حاج، يرى أن الحدس حقيقة «لا نتنبه لها ،لكنها تأتينا فجأة لتنبهنا»، ويروي ما حدث له عن رحيل والده وشقيقته، وشعرت بالذنب حين كتب يشكرني على تذكيره بهذه القصص المؤلمة التي عاشها ولا تنسى.. وكذلك منتهى، التي ترى أن نهاية حياة والدي كانت جميلة لأنه ختمها بصلاة الصبح.. أما الكروي داوود فيرى أنه «لا حدس ولا حاسة سادسة. إنها رحمة من الله تعالى».
أما غسان إبراهيم، فيشكرني على ما أكتبه وما سبق أن كتبته، وذلك جميل ومشجع..
فرحلتي مع القلم طالت وأتساءل أحــــياناً: ترى، كم كيلومتراً قطعها قلمي على الورقة؟ كم من آلاف الأميال عاماً بعد آخر، كتاباً بعد آخر؟
أجل! كم كيلومتراً قطعها قلمي على الورقة مثل شهاب راكض في السماء وهو يحــــترق وسيأتي يوم ينتــــهي فيه إلى رمـــاد. وحتى ذلك اليوم، سيظل قلمي يركض على الورقة كما يفعل الآن بسرعة مجنونة!

سوري: تقييمنا السلبي عالمياً

تهزني رسائل أخي العزيز الإعلامي الكبير «سوري» الذي أعرف اسمه ولا أكتبه ما دام اختار أن يوقع لي باسم «سوري» كما عمرو ـ سلطنة عُمان. وحين يدعوني «أختي الكريمة، يا ست الشام الحبيبة» تعيدنا كلماته إلى دمشق.. إلى سوق الحمدية والجامع الأموي، والمسكية وسوق «تفضلي يا ست» والبزورية وطريق الصالحية وشارع أبو رمانة والحلبون وإلى دكان جدي (الآدمي) الذي أتخيل أنه عاصر بناء برج إيفل الباريسي، ولو قال له أحدهم إن حفيدته ستعيش طويلاً قرب ذلك البرج لغضب، فقد كانت ابنته (عمتي) أُميّة، وزوجته (جدتي) أُميّة أيضاً.. تعيدني كلمات سوري إلى الجامعة في دمشق وأنا أذهب إليها أحياناً تحت المطر وأدخل إلى الصف بشعر مبتل.. تعيدني إلى جبل قاسيون، إلى حيث قدت أول سيارة اشتريتها بالتقسيط وكانت مستعملة وعتيقة لكنني فرحت بها..
وأتذكر دمر والهامة والغوطة والسيران على ضفاف نهر بردى..
وأتذكر.. وذاكرتي تمعن في تعذيبي.. أتذكر كيف قدت سيارتي للمرة الأولى إلى بيت عمتي المتزوجة في حمص.. وتوقفت في النبك في منتصف الطريق لشرب الليمونادة الشهيرة هناك.. أتذكر.. أتذكر..
يقول «سوري» في تعقيبه على مقالي «صمت يصم الآذان»: «كم أتمنى أن يقوم فريق من الأطباء العرب بوضع لقاح لهذا الفيروس اللئيم وينقذوا البشرية» لعلها (الدول الأخرى) تغير رأيها في تقييمنا السلبي.
وأشاركه الرأي، فقد حان الوقت لرفض تحويل بلادنا إلى ساحات حروب بين الأمم نحن ضحاياها، وصار من الضروري إعلان قدراتنا العلمية والطبية في زمن الكورونا.

د. محمد شهاب أحمد: قصائد الشعراء عن العناق!

في زمن الأوبئة، أحب الاستماع إلى آراء أهل العلم والطب قبل الشعراء!
في فرنسا، طار رئيس جمهوريتها السيد ماكرون إلى مرسيليا للالتقاء بالبروفيسور الطبيب الشهير راؤلت (ولم يستدعه إلى قصر الإليزيه في باريس) واستمع إلى رأيه في بعض الأدوية وإمكانية إيجاد لقاح ضد هذا الوباء الذي يحصد الأرواح، كما سبق لوباء الكوليرا والإيدز وأخرى كثيرة.
ويذكرنا بسياسة العزل الاجتماعي التي سخر منها الرئيس ترامب في البداية، بل نصح بعلاج بحقن مطهرة زعم أنها للوقاية من المرض. وقرر كثيرون، وأنا منهم، أنه من الأفضل لرجال السياسة ألا (يهرفوا بما لا يعرفوا) وقد توقف (الدكتور!) ترامب مؤخراً عن قتل الناس بنصائحه الطبية، مكتفياً بقتل الفلسطينيين في «صفقة العصر»!!
وأحترم رأي د. محمد شهاب أحمد: «يجب الاستمرار في اتباع طرق الوقاية لفترة طويلة»، وأحاول دائماً ألا أنسى ارتداء القناع الواقي حين أغادر البيت، وأبتعد مسافة متر على الأقل عن أي شخص، وأنسى قصائد الشعراء عن العناق! ووداعاً لزمن التغزل بالعناق في زمن كورونا، وإلى اللقاء مع القراء في الأسبوع المقبل أيضاً.

القدس العربي

 

 

 

 

لقاء مع القراء (2): جمالية الذاكرة الوفية!

 

 

 غادة السمان

 

عمرو ـ سلطنة عمان، الذي استطاع أن يذكرني بما سبق وكتبته ونسيته، وهذا جميل ومؤثر، ويسعد الكاتب حين يجد من يتذكر ما سبق له أن كتبه قبل (ألف عام!) من زمن كوكب الذاكرة… فقد تذكر عمرو في تعقيب له على ما تم نشره لي في «مجلة الشبكة» قبل حوالي نصف قرن، بل وحدد رقم العدد (702) حين طرحتْ المجلة السؤال حول أجمل تعليق يقوله رائد الفضاء الأمريكي «أرمسترونغ» حين يصل إلى كوكب القمر، وتخيلته يقول: «الرحلة الكبرى هي رحيلي عن أحزاني الأرضية، فالأرض هي التي تقطننا ولسنا نحن الذين نقطنها»..
وما زال هذا رأيي… وحتى ولو رافقت رائداً فضائياً إلى المريخ لظلت القضايا في كوكب الأرض تعذبني: القضية الفلسطينية… قضايا سوريا ولبنان والعراق واليمن وليبيا و.. و.. والقائمة تطول..
شكراً لعمرو الذي يملك ذاكرة خرافية، وقد أستعين بها ذات يوم للبحث عن محاورات حولي ومني أحرقتها قذيفة في الحرب اللبنانية ولم أستطع أستعادتها من أي أرشيف آخر لأصدقائي.. ومنها حوار مع بليغ حمدي عني في مجلة «الشبكة» بعنوان: «أشعة أكس التي أحبها بليغ حمدي»!

شكرية الدوس: «ولولة شامية» في روايتي!

تعقيباً على مقالي «هل ثمة حدس»، كتبت شكرية الدوس أن ما جاء في الصفحة 198 من كتابي «يا دمشق وداعاً» هو نوتة جنائزية و«ولولة شامية»، وكم أحببت هذا التعبير من أخت سورية تقول أيضاً: «أنا في إحدى قرى درعا، وأنت بالقرب من برج إيفل هناك في باريس». لا يا عزيزتي، أنا دوماً في سوريا وطني الأم، وأنا قريبة ممن يطالع جرح قلبي ويلتقط موجاتي وذبذبات أحزاني ونوتاتها الجنائزية وأصداء (ولولتها الشامية).

د. أثير الشيخلي: مواطن متلبس بالقراءة!

تعقيباً على ما كتبه نجم الدراجي حول لقائه مصادفة بأديب في مكتبة بغدادية حين كان يريد شراء كتابي الأخير «تعرية كاتبة تحت المجهر» ولم يجده، لكنه وجد مثقفاً تصادف وجوده في المكتبة ذكر له أن خالي هو المرحوم الدكتور أمين رويحة، وهذا صحيح. كان خالي عروبياً، أقام كما ذكر المثقف، لفترة في العراق (ولعلي ورثت عنه حب العراقيين)، وذهب مع المناضلين لتحرير فلسطين بقيادة فوزي القاوقجي، واستشهد العديد منهم وهو يحاول علاجهم من الإصابات برصاص العدو الإسرائيلي.. ولم يعرف د. أثير اسمه، وهنا أجابه في بريد التعقيب على ما أكتبه نجم الدراجي، وذكر له اسم ذلك الكاتب الشهير والشاعر المعروف، لكن د. أثير قال: لو سألته اسمه لأجابك أنه «مواطن متلبس بالقراءة» ووجدت الإجابة جميلة ومختزلة تحمل عنواناً لكتاب لي.

أسامة كلية: وراء كل امرأة خطرة رجل خطِر!

في تعقيبه على مقالي: «هل النساء مفكرات خطرات»، يرى أسامة كلية ـ سوريا ـ ألمانيا، أن التحرر تكاملي؛ أي لن نستطيع تحقيق حرية المرأة وفتح الفرص أمام النساء سياسياً واجتماعياً وفكرياً وثائقياً.. إذ يحتاج ذلك إلى عمل دؤوب، وهنا تقع المسؤولية على كل فرد منا، بل يمكن القول إن وراء كل امرأة خطرة رجلاً خطراً. من طرفي، كتبت دائماً أن المرأة العربية لا تستطيع أن تذوق لقمة من رغيف الحرية إذا لم تكن تلك الحرية متوافرة للرجال والنساء معاً. ولم أفصل يوماً بين تحرير المرأة والرجل، بل تحرير المواطنين جميعاً من القيود التي تحول بينهم وبين حرية القول والعمل.

غدير ماهر وفؤاد مهاني: بلا مجاملة

في تعقيبه على مقالي «هل النساء المفكرات خطرات» يكتب مهاني، دونما مجاملة، أن سيمون دو بوفوار رفيقة جان بول سارتر، كانت تؤمن بالفلسفة الوجودية وتشجع الحرية الجنسية، ولا تؤمن بالزواج؛ فهي خطرة كما سيمون فيل وزيرة الصحة الفرنسية، التي شجعت على (جريمة) هي الإجهاض. الرجل والمرأة معرضان للظلم، والمرأة يقع عليها ظلم أكبر، وياما سجن ظلماً آلاف الرجال لأسباب سياسية أو طائفية. غدير ماهر لا تجامل أيضاً، وتكتب تعقيباً: المرأة العربية مظلومة مرتين، مرة لأنها امرأة، وأخرى لأنها مواطنة كالرجل، وتضيف: «في مجتمعاتنا، كثيرون يعتقدون أن المرأة المفكرة بل القارئة خطرة، فهي على عتبة صغيرة لاكتشاف أكاذيبهم. ومن وجهة نظري، فإن المرأة العربية خطت خطوات كبيرة في درب التحرر الواعي، وأتفق مع أفانين كبة، التي تكتب: ما نحتاجه في الوطن العربي هو حركة نسائية تتبنى مشروع كتاب موسوعة عن النساء والكاتبات والناشطات في السياسة والعلوم والأدب، خصوصاً الرائدات اللواتي تركن بصماتهن.. هذا التفكير المستقبلي أتفق معه ومع الاهتمام بفكر أجيال الصبايا الآتية.

د. أثير الشيخلي: أيضاً وأيضاً لميعة ورنا

ببهجة، استقبل مرصدي الأبجدي تعقيب د. الشيخلي ـ العراق، حول مقالي «إجازة من قاتل محترف»، حيث ضم صوته إلى صوتي في توجيه النداء إلى الشاعرة المبدعة لميعة عباس عمارة، لتعود إلى الكتابة..
ولم ينس نداء مشابهاً إلى قريبتي الحبيبة المبدعة رنا قباني، ولكن لكل منا ظروفه الخاصة والمزاجية، واتفق أيضاً مع د. أثير الشيخلي في انتقاده لمقالات محمد جميح وسواه من الذين تعايشنا فكرياً مع مقالاتهم وسطورهم.
والقارئ، حتى ولو كان كاتباً، يصير أيُّ كاتب آخر يرتاح لسطوره بمثابة صديق يفتقده إذا غاب.
نفتقدك يا لميعة عباس عمارة.. اكتبي.. فالأبجدية صراخ الروح في عالم شبه أصم في زماننا.. ولكن ثمة أصداء لأبجديتنا تبهج القلب ـ تقول مع حسن حسن، معقباً على مقال لي، قائلاً إنه رافق أبجديتي في كتبي «ولحظة حرية» في مجلة الحوادث (المتوقفة اليوم عن الصدور)، وأطلق اسمي «غادة» على ابنته حين ولدت.. أتمنى لها يا أخي أياماً أفضل من زماننا.. زمن الكورونا والهزائم العربية أمام التوحش الإسرائيلي المدعوم من (الرفيق) ترامب.
وختاماً، أشكر القراء الذين يعقبون على مقالاتي، ولم يسمح ضيق المجال بالحوار معهم.. وإلى لقاء آخر عما قريب مع الذين قصرت في وقفة معهم هذه المرة

المصدر: 
رابطة الكتاب السوريين
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

10 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.