لقاء مع الأستاذ محمد عدنان سالم مدير دار الفكر (الجزء الثاني )

الخميس, February 9, 2017
كاتب المقالة: 

*- الناشرون يشكون دائماً من مسيرة الكتاب وتكاليفه وتسويقه. كيف تنظرون إلى هذه الشكاوى من منظار أنكم رأستم اتحاد الناشرين وعرفتم مدى تأثير هذه القضايا على انتشار الكتاب عربياً.

**-صناعة النشر في الوطن العربي، لا تزال في بواكيرها؛ لم تستكمل أدواتها بعد، ولم تترسخ تقاليدها، وتتجذر مؤسساتها.

ولطالما استمعنا إلى الناشرين يشكون ما آلت إليه حال الكتاب من أزمات؛ اضطرتهم إلى تخفيض عدد النسخ التي يطبعونها من الكتاب حتى بلغت ما دون الألف بعد أن كانت تتجاوز ثلاثة الآلاف أواسط القرن الماضي. ويعزون ذلك إلى حالة العزوف القرائي، وقيود الرقابة المتباينة على الكتاب في الوطن العربي؛ ما إن يفتح له باب فيها حتى توصد دونه أبواب، ومن وطأة الرسوم الجمركية الآخذة بالتفاقم تحت مسميات شتى، بعد أن كان معفىً منها جميعاً.

وكل ذلك صحيح، يحتاج منا إلى مزيد من البحث للكشف عن جذور المشكلات بدلاً من الوقوف عند ظواهرها.. تلك الجذور التي تتلخص – في نظري- في الانكفاء إلى الأحادية الفكرية بعد التعدد، سواءً على صعيد الكتاب المدرسي الذي اقتصر على المقررات بعد أن كان يهتم بالمراجع، أو الكتاب الثقافي الذي أصبح يمر عبر بوابة الرقيب الرسمي ويقبع في زنزانته بعد أن كان يتحرك طليقاً، يأخذ طريقه إلى المجتمع، لتتناوشه أقلام النقاد، وتختلف فيه آراء القراء بين مؤيد ومعارض، فتتم محاكمته علناً على الملأ، ويزداد شوق المجتمع للاطلاع عليه.

غير أني- مع ذلك وانطلاقاً من أولوية البحث عن حلول المشكلات في الذات- أدعو الناشرين إلى العمل على الارتقاء بمهنتهم، عبر وضع القواعد الناظمة لها، وترسيخها لتصبح تقاليد متبعة، وحل مشكلاتها، وترميم نواقصها، وعلى رأسها شبكة توزيع منتظمة تريح الناشر من همِّ التوزيع ليتفرغ إلى مسؤولياته في النشر. 

وقد خطا اتحاد الناشرين السوريين بعض الخطوات على هذا الطريق، فأطلق موقعه الإلكتروني www.syrianpublishers.com، وأصدر الوراقة السورية لعام 2008 يرصد من خلالهما الإنتاج الثقافي السوري ويعرِّف به، ويتواصل مع قرائه. والأمل أن يتابع خطواته لسد الثغرات وتذليل الصعوبات، بدلاً من الشكوى والأنين.. 

*- برأيكم هل تستطيع المعارض الدولية والمحلية أن تفي بعض الكتب حقها من الحضور التسويقي للجمهور وهل هناك مسؤولية تلقى على عاتق المؤسسات الإعلامية التي عليها بشكل أو بآخر المساهمة في إظهار هذا النتاج للنور. وبالتالي كيف تنظرون إلى الدور الرسمي في إحياء تبادل الكتاب بالشكل الذي يخدم الغرض المعرفي في تجاوز الحدود؟؟

**- لا شك أن معارض الكتاب وسيلة هامة من وسائل إشاعة روح المطالعة، والتشجيع على القراءة، وتيسير الكتاب للقارئ، وهي تشكل مهرجاناً وعرساً ثقافياً بامتياز، تضفي على زوارها مسحة من نور، تنم عن ارتقائهم، ونهمهم إلى المعرفة، فأنت تنظر إلى رواد معارض الكتاب ، الباحثين عن زهراته المتفتحة لتوها، باحترام بالغ قد لا يتمتع به رواد مراكز التسوق، اللاهثون وراء الاستهلاك المادي فوق احتياجاتهم.

لكن معرض الكتاب السنوي، لا يجوز أن يصبح الموسم الوحيد لتسوق الكتاب وتسويقه، بقدر ما ينبغي أن يكون وسيلةً ترتقي بالكتاب إلى مستوى الحاجة كالرغيف، وتحفز الناس على ارتياد المكتبات بحثاً عن الزاد المعرفي لتغذية العقل والروح.

ينبغي أن توجه معارض الكتاب اهتمامها إلى أولئك الذين يسرحون ويمرحون خارج عالم الكتاب، فلا يعني لهم معرض الكتاب شيئاً، ولا يعيرونه أي اهتمام؛ سواءً أكانوا ممن أدركتهم الأمية اللاحقة بعدما هجروا مقاعد الدراسة، أو كانوا من الأميين فعلاً.. عليها أن تبتكر الأساليب التي تستدرجهم إليها ليغسلوا عار أميتهم بنوعيها، ذلك العار الذي تضاعفت حدته، ولم يعد مقبولاً  في عصر المعرفة الذي تماهت المعرفة فيه مع الإنسان فأصبحت هي الإنسان.

وثمة أمر آخر يجب أن يتنبه منظمو المعارض إليه وهو التطوير والتجديد والابتكار، وتجنب التكرار والاجترار. ففي عصر ثورة المعلومات والاتصالات وتقلباته المتسارعة لم يعد مقبولاً أن تكتفي بإضفاء رقم جديد للمعرض من دون تجديد في مضمونه، فيكون المعرض الثلاثون نسخة طبق الأصل عن المعرض العشرين..

أما عن الدور الرسمي المنشود لخدمة الغرض المعرفي- في إطار معارض الكتاب – فهو في توجيه مؤسسات الدولة إلى تأسيس مكتبات تضعها تحت تصرف موظفيها، تشجعهم على مطالعتها، وتبتكر لهم الأساليب التي تيسر لهم الحصول عليها، ولدينا في مركز البحوث تجربة رائدة في هذا المجال، وبمثل هذه الجهود ينمو جمهور معارض الكتاب، ويكبر معناها، وتشتد الحاجة إليها.

ولا تزال بعض المؤسسات الإعلامية تنظر إلى التعريف بالكتاب بوصفه إعلاناً ينبغي أن يكون مأجوراً فإن عرَّفت به امتنعت عن ذكر اسم ناشره، وهي تعلم أن اسم الناشر جزء من هدية الكتاب، وأن الكتاب ثقافة قبل أن يكون سلعة، وأنه لا يحتمل لذلك أجور الإعلان.. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن معظم مؤسساتنا الإعلامية في سورية؛ المقروءة والمسموعة والمرئية قد تجاوزت هذا المفهوم، وخصصت للكتاب زوايا وبرامج للتعريف به، ولا يزال الكتاب – مع ذلك- يطمع منها بالمزيد.

* هناك شكاوى كثيرة من مضاربة بورصة الكتاب الإلكتروني على الكتاب الورقي.. وكنتم أول من كتب بهذا الخصوص.. كيف ترون أو تقيمون هذا الموضوع الآن من خلال خبرتكم الكبيرة في هذا الميدان.. وهل يعيش الكتاب الورقي أزمة حالية تمنعه من الوصول الكامل إلى يد القارئ..

** منذ أكثر من خمسة عشر عاماً أطلقت للناشرين صفارة إنذار، وحذرتهم من أنهم سيصبحون في عداد المهن المنقرضة، إذا لم يواكبوا التطور، ويمتلكوا ناصية النشر الإلكتروني القادم لا محالة أسرع مما نتصور، مثل سيل عَرِم، تمدّه ثورتا المعلومات والاتصالات بدفقٍ غير محدود من المعلومات؛ تتفجر بها ينابيع الشابكات الإلكترونية (الإنترنت) من الأرض، وتنهمر بها القنوات الفضائية من السماء ، ويرتفع منسوب الحصاد المعرفي الإنساني فوق كل السدود والحدود والقيود، ويتحول السيل العرم إلى طوفان  دونه طوفان نوح، إذ إن طوفان نوح قد انحسر ماؤه استجابة للأمر الإلهي ﴿ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾  [ هود 11/44] فغيض الماء واستوت سفينة نوح على الجودي تفرغ حمولتها من كلٍّ زوجين اثنين لتستأنف الحياة نبضها ونموها من جديد.. لكن طوفان عصر المعرفة مختلف، فهو يعمل طبقاً لأمر إلهي آخر يحثه على الاستمرار بلا قيود، ويحطم له كل السدود، ويقوده بسوط مسؤوليته عن العقل الذي ميزه به من دون سائر مخلوقاته، ويأمره بمواصلة البحث عن الحقيقة التي سبق له أن أضاعها في السماء، واقرأ إن شئت سلسلة الأوامر الإلهية المتلاحقة التي لا تترك فرصة للتوقف ولو للحظة: فليس العلم  حدود ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء 17/85 ].

والعقل مسؤولية سوف نحاسب على تعطيلها ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [ الإسراء 17/36] والحقيقة بعيدة المنال كلما ظننت أنك أدركتها لاحقك الأمر الإلهي ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [ طه 20/114].

والكون كله مسخر لك وهو أمانة بين يديك تصديت لحملها ﴿إِنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [ الأحزاب 33/72] ﴿وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [ لقمان31/27]. وهاهي أشجار الغابات التي أزهقتها في صناعة الورق والأقلام، قد بدأت تئن تحت وطأة فؤوسك، والبيئة التي أرهقتها بأحبارك وكيميائياتك تجأر ضارعة أن تحفظها وتحافظ عليها.

صاحت البيئة فيما يشبه الصراخ:

لقد نقشتَ معلوماتك الأولى على الأحجار، ثم أودعتها سعف النخيل وجلود الحيوانات وألواح الطين، وعندما ضاقت هذه الوسائط باستيعاب معلوماتك، أنجدتك بالورق قطعت له الأشجار؛ رئتي التي أتنفس بها، حتى كدت أختنق.. أفلا بحثت عن أوعية بديلة تستوعب معلوماتك المتفجرة بلا توقف؟!

لقد استجاب الإنسان لنداء البيئة تحت ضغط الحاجة، وليس رفقاً بها.. إنه كان ظلوماً جهولاً! فعل ذلك كلما تضاعفت معلوماته فضاقت بها أوعيته.. كانت معلوماته تتضاعف بوتائر كبيرة تمتد مئات السنين بله آلافها، لكنها اليوم في عصر المعرفة باتت تتضاعف أكثر من مرة في العقد الواحد، حتى ضاق بها الورق..

وكان لا بد لها أن ترحل عنه.

قلت: إنها راحلة لا محالة.. فقالوا: لن تسد الشاشة مسد الورق، ولن يجد فيها الإنسان الألفة والمتعة اللتين كانتا له مع الورق!!

قلت: سيذهب الورق مع الجيل الذي ألفه، ولن نستطيع فرض أذواقنا على جيل جديد تحولت أقلامه إلى فئران يقلب بها الشاشات.. فقالوا لم يستطع الفيديو أن يلغي السينما، ولا الإنترنت أن تلغي الصحيفة، ولسوف يتعايشان!!

قلت: لسوف يتعايشان مثلما تتعايش العربة التي تجرها الخيول على سبيل التراث الشعبي (الفولكلور) مع السيارة، ولسوف يتلاقيان مثل قطارين يسيران في اتجاهين متعاكسين، يتبادلان تحية اللقاء، ثم يتطابقان لحظة ريثما يكمل كل منهما طريقه؛ أحدهما إلى متاحف التاريخ، والآخر إلى مصانع المستقبل.. فقالوا: أضغاث أحلام دونها وقت طويل!!

قلت: لا حرج!! فأحلام اليوم حقائق الغد، لقد هجرت الموسوعة البريطانية الورق إلى الأقراص الممغنطة، وستلحق بها المعاجم والأطالس، وسائر المعلومات تباعاً، وأصبحنا نسمع عن مدينة بلا ورق ومكاتب بلا ورق، وتذكرة طائرة بلا ورق.

وقال لي شاب من جيل الشاشات: لقد حققت حلمك، فأنا الآن لا أستخدم الورق. فحاروا جواباً.

وقلت: سارعوا إلى امتلاك ناصية عصر المعلومات قبل أن يلفظكم عجزكم خارج المهنة لتقودوا عربات الخيول.

ثمة إشكالات كثيرة وصعوبات جمة ستواجهكم اهتموا بتذليلها بدلاً من التشبث بقديمكم والبكاء على أطلاله!!

 * أسابيعكم الفكرية الثقافية تعتمد على مناقشة قضايا مهمة، وتتشارك مع الأحداث برؤية وإيضاح ضروري للجمهور القارئ.. وكما عرفت أن القدس موضوع أسبوعكم القادم. ماذا تريدون القول من خلاله. وبخاصة أنكم تدعون خيرة مفكري الوطن العربي للمشاركة فيه. ولكن ألا ترون معي أن الكثير من النشاطات العامة في المشهد الثقافي يفقد مضمونه ولا يحقق التواصل المأمول منه؟؟

** اليوم الثالث والعشرون من شهر نيسان من كل عام الذي أعلنته اليونيسكو يوماً عالمياً للكتاب؛ كنا أول من لفت النظر إليه على مستوى اتحاد الناشرين السوريين عام 1998، أعددنا له يومها برنامجاً حافلاً استنفرنا له معظم الوزارات والمؤسسات الرسمية والأهلية، طمحنا يومها أن يكون للكتاب عيد مثلما للشجرة عيد، وللمعلم عيد، وللأم عيد، وللحب عيد.. كنا نتوق أن نرى الكتاب يوم عيده في كل يد، وعلى كل شفة، وفي كل مجلس، وعلى كل منبر..

تجاوبت معنا يومها وزارة التربية، فجعلت للكتاب حصة درسية ومهرجاناً يوم عيده، ووزارة الشؤون الاجتماعية فأقامت له عدة ندوات.. حدث ذلك عام 1998 ولم يتكرر، وكاد الحلم يتبدد.

ومن منطلق الشعور بمسؤوليتها الثقافية، قررت دار الفكر الاحتفاء بهذا اليوم على مدى الأسبوع الذي يحيط به.. فكان لها أسبوعها الثقافي السنوي؛ تكرم فيه أحد مؤلفيها، والفائز بجائزتها للرواية،  والأكثر نهماً من قرائها الذي يسجل في القراءة أعلى النقاط، وتعالج فيه القضايا الساخنة الراهنة للأمة؛ تتخذ لها في كل عام قضية تجعلها شعاراً لها تتمحور حوله جهودها وفعالياتها الثقافية على مدار العام، وتخصص له جانباً مهماً من إصداراتها، فتوالت شعاراتها منذ عام 1996 :بدءاً من القراءة، فالإبداع، فالحوار، فالعقل، فالتجديد، فالمعلوماتية، فالمرأة، فالطفولة، فالمستقبل، فعالم بلا عنف، فالحضارة، فالمشترك الإنساني، فاللغة العربية، وها هي القدس قضية الأمة الكبرى ومسؤولية الأجيال، شعار لدار الفكر هذا العام 2009 بمناسبة إعلانها عاصمة للثقافة العربية فيه. 

وتوالى تكريمها للمؤلفين، سنَّت فيه سنَّة حسنة، تذكرهم وتكرمهم في حياتهم، بعد ما كان التكريم مقصوراً على الأموات يُذكرون بعد رحيلهم.. وهكذا استطاعت أن تقتطف البسمة من الدكتور نور الدين حاطوم قبيل رحيله بأشهر عام 2000، ثم توالت تكريماتها لتشمل الأساتذة الكبار الأفذاذ: مازن المبارك، محمد سعيد رمضان البوطي، وهبة الزحيلي، شوقي أبو خليل، حسين عبد الله العمري، جودت سعيد، عبد الوهاب المسيري، محمد عزيز شكري، وليكون مكرمها لهذا العام الأستاذ الدكتور هاني رزق.

ويلاحظ من هذه الأسماء تنوعها تخصصاً ومُقاماً واتجاهاً فكرياً وعلمياً، وفي خطتها المزيد من التنوع.

لقد تميز أسبوعنا الثقافي عن المرأة عام 2002 بعنوان (المرأة وتحولات عصر جديد) وتحت شعار (النساء شقائق الرجال) ليكون بحجم قضية المرأة؛ دعونا له 24 مفكراً لامعاً من خارج القطر، بتوزيع متكافئ بين الجنسين ذكوراً وإناثاً، وبين الاتجاهين الفكريين الإسلامي والعلماني، وبين التخصصين العلمي والفني، فجمعت على المنصة بين فريدة النقاش ومحمد سعيد رمضان البوطي، وبين عفاف شعيب و محسنة توفيق فكان هذا الأسبوع حدثاً ظلت دمشق تعيش أجواءه وتتحدث به زمناً، ووثقته الدار بكتاب اشتمل على كل فعالياته.

وها هي هذا العام تكرم عالماً جليلاً بقامة هاني رزق، ليحمل تكريمها طعماً جديداً ينبع من توجه الدار في تكريمها نحو العلوم الحيوية والتطبيقية، بعد ما كانت مقتصرة فيه على العلوم الإنسانية.

ويجيء هذا التكريم تحت شعار (القدس) ليؤكد دوْر العلوم؛ في معركتنا الثقافية مع عدوٍّ شرس استغل غفلتنا عنها ردحاً من الزمن.

وإنما تنشد الدار من أسابيعها الثقافية هذه التلاحم مع جمهورها القارئ، ليكون ما تقدمه له جهداً تفاعلياً تتلقى فيه منه مثل ما يتلقاه منها، وتقيس فيه نبض تفاعله مع إصداراتها، فدار الفكر تؤمن بالثقافة التي تتحرك على الأرض في صميم المجتمع وتعيش قضاياه ، أكثر من إيمانها بالثقافة النخبوية المنسحبة إلى أبراجها العاجية، وبهذا الإيمان حظيت الدار بثقة الجمهور وتجاوبه معها، واستطاعت أن تحقق التواصل المأمول بين منتجي الأفكار تأليفاً ونشراً، ومستهلكيها قراءةً وتفاعلاً.

*- عندما تقوم دار الفكر بتكريم أعلام في ميدان الفكر والثقافة هل يعني هذا أنها تلفت نظر المعنيين لأهميتهم، أم أن الأمر يدخل في باب مشروعها الخاص؟؟

** تقدم دار الفكر لكل من مكرميها كتاباً يحتوي على مقالات عنه، وتحليلات لمؤلفاته، وبحوث مهداة إليه من كبار زملائه وأصدقائه بتكليف منها، تتابعه على مدار العام، وتصدِّره بكلمة للشيخ طاهر الجزائري تقول:

"اذكروا من عندكم من الرجال الذين ينفعونكم في الشدائد، ودونوا أسماءهم في جريدة لئلا تنسوهم، ونوهوا بهم عند كل سانحة، واحرصوا عليهم حرصكم على أعز عزيز".

وعملاً بوصية الشيخ طاهر الجزائري هذه، ووفاءً بحق هؤلاء الجنود المجهولين الذين يصنعون ثقافة الأمة في مخابر العلم ومراكز البحث خلف الجدران، وبعيداً عن الأضواء التي تصنع النجوم..

سنت دار الفكر سنتها، فكانت هذه السنة مشروعها الخاص الذي تعتز به. 

*ماذا تريدون وماذا تضيفون.. وما هي مشاريعكم الفكرية القادمة على صعيد التقنية المعرفية الإنترنت التي سحبت البساط من تحت الكتاب والحضور الورقي؟؟

** إنهاض الأمة من عثرتها التي طال أمدها فسببت لها إعاقة شبه مزمنة.. إيقاظها من سباتٍ كان شرطاً من شروط تمرير المشروع الصهيوني؛ خُطط لها، فتقبلته ودخلت فيه طواعية.. نقلها من حالة الانفعال والعشوائية وردود الفعل الآنية إلى حالة الفعل والتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.. إقناعها بأهمية الثقافة في بناء الذات وتحصينها ضد اختراقات التمزيق والإضعاف والتفكيك العدوانية.. إرساء ثقافة التعدد والحوار وقبول الآخر وسيلةً لتنمية الفكر الإبداعي الفعال.. ذلك ما تريده دار الفكر.

والدخول بقوة إلى عصر المعرفة، واستثمار تقنيات الاتصال المتفجرة للوصول إلى أعماق النسيج الاجتماعي الشاب في الداخل، وإلى الضمير الإنسانيِّ على اختلاف ألسنته وألوانه في الخارج، لبيان عدالة قضايانا وكشف أضاليل عدونا التي يروم بها قلب الحقائق وتسويق الأكاذيب، وفي مقدمتها أكذوبة حق إسرائيل في اقتلاع شعب من أرضه وإحلال أشتات يهود مكانه.. تلك هي الإضافة الني نرومها. 

*أستاذ عدنان سالم من أنتم في عمر الثقافة المديد الذي رعيتم مشروعه بشكل يفوق أحياناً كل ما يحكى عن مشاريع ثقافية جادة وبوطنية خالصة؟ وهل حققتم ما كنتم ترسونه للثقافة في هذا العمر؟؟

**-شاب ينتمي إلى جيل أواسط القرن الماضي، تخرَّج عام 1954 من كلية الحقوق.. أدرك الاحتفالية الأولى بجلاء المستعمر الفرنسي عام 1946، واحتفظ منها بندبة في قدمه التي داسها حافر حصانٍ شارك في العرض العسكري، ليُذكره دائماً بمتطلبات الاستقلال وأعبائه.. عاش نشوة الاستقلال ومرحلة البناء التي خلع نساء دمشق حليهن في ساحة المرجة ليسهموا في تأسيس الشركات الصناعية، وتسليح الجيش الوليد.. عاصر النكبة التي عاجلت الاستقلال الوليد عام 1948، فأقفرت شوارع دمشق من الشباب الذين يكبرونه سنواتٍ لالتحاقهم بجيش الإنقاذ والمقاومة..

انخرط أثناء دراسته الجامعية في الحراك الطلابي المتأجج بحثاً عن مخرج من التيه المذلِّ الذي دخلت فيه أمته في صراعها مع العدوان الاستعماري الاستيطاني.. لم تقنعه المحاماة خلال فترة التدريب التي مارسها بعد تخرجه، ورأى أن إعادة البناء الثقافي بما يعيد لأمته زخمها الحضاري، ويمكنها من الدخول في دورة حضارية جديدة، تخرج بها من حالة انعدام الوزن، وتحجز لها مكاناً لائقاً في المشهد الحضاري العالمي.. هو الأجدى على المدى البعيد.. بحث عن شريك له من جيله يتفق معه على التطلعات والرؤى؛ فكانت دار الفكر عام 1957، وتابعت رسالتها متجاوزة كل الصعاب، مستهدية بشعار اتخذته منذ البداية: افعل الممكن إلى أقصى حد ممكن.

حوار دكتورة رغداء مارديني... 

 

 

المصدر: 
جريدة تشرين
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 14 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.