لقاء مع الأستاذ محمد عدنان سالم مدير دار الفكر ( الجزء الأول )

الأربعاء, February 8, 2017
كاتب المقالة: 

*-استطاعت منشوراتكم أن تقدم مشروعها الرائد في مناقشة الرأي والرأي الآخر بصورة ديمقراطية وذلك من خلال سلسلة الحوارات. ولكن إلى أين وصل هذا المشروع وهل حقق أهدافه؟

**- كسر احتكار المعرفة، ونفي التفرد بامتلاك الحقيقة، وترسيخ ثقافة الحوار، واحترام الرأي الآخر؛ سماتٌ طبعت المشروع الثقافي لدار الفكر منذ تأسيسها عام 1957؛ انطلاقاً من إيمانها بأن " بارقة الحقيقة لا تنبثق إلا من تصادم الآراء واحتكاكها" وأن الأفكار كائنات حية لا تنمو وتتكاثر إلا بالتعدد والتزاوج، وأن الفكر الأحادي عقيم لا ينجب؛ ومهما تزيَّن أو تعاظم فإن مآله الشيخوخة فالفناء..

وسلسلة (حوارات لقرن جديد) التي أطلقتها دار الفكر عام 1998 على أعتاب القرن الحادي والعشرين، إنما كانت تتويجاً لمشروعها الثقافي الحواري، يحدوها فيه إحساس بخطورة المنعطف الإنساني؛ الذي تتحول فيه البشرية- بسرعة مذهلة- من عصر الصناعة بمنطلقاته وأدواته المادية، إلى عصر المعرفة بمنطلقاته وأدواته الفكرية.. العصر الذي سيقاس فيه تقدم الأمم بما تملكه من معلومات وتنتجه من أفكار، بعدما كان يقاس في عصر الصناعة بما تملكه من مصانع وأموال وترسانات أسلحة.

لقد وضعت الدار لسلسلتها هدفين؛ أولهما تعويد العقل العربي على قبول الآخر والإصغاء إليه والتحاور معه، بدلاً من رفضه المسبق ونفيه.. وثانيهما تدريب الإنسان العربي على إعمال عقله في التحليل والمقاربة والاستنتاج، بعد استرخاء طال أمده، أخلد فيه إلى الراحة، مكتفياً بتلقي المعلومة لقمة سائغة من مطبخ التراث الماضي أو من الحاضر المستورد، من دون أي مشاركة في طبخه في الحالين.

ثم راحت الدار تبحث عن أكثر الموضوعات سخونة وراهنية على الساحة الثقافية العربية والعالمية، وعن أبرز المفكرين والباحثين المتخصصين وأكثرهم تبايناً واختلافاً في الرأي، فتكلف في الموضوع الواحد كاتبين من اتجاهين مختلفين؛ يكتب كلٌّ منهما فيه وجهة نظره مستقلاً عن الآخر. فإذا حصلت على الموضوعين بادلتهما بين الكاتبين ليعقب كل منهما على الآخر وينقده، فإذا حصلت على التعقيبين، أضافت إلى ذلك كله تعريفاً بالمصطلحات وفهرساً عاماً، وقدمته لقرائها ليبدأَ عملهم فيه تمحيصاً وتحكيماً؛ تثرى به الثقافة المجتمعية.

هكذا تنوعت موضوعاتها بين الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والدين والمرأة، وتنوع كتابها؛ مشرباً فكرياً بين علماني وإسلامي وماركسي وليبيرالي، ودينياً بين مسلم ومسيحي، ومذهبياً بين سني وشيعي، وموطناً بين مشرقي ومغربي، وتجاوزت حوار الأفكار إلى حوار الأجيال ، فتحاورت هبة رؤوف عزت مع نوال السعداوي وتبين من سيرتهما الذاتية أن الأولى ولدت عام 1965 العام الذي نالت فيه الثانية شهادة الماجستير في الطب، وإلى حوار الحضارات، فتحاور أحميدة النيفر التونسي مع الأب بورمانس الإيطالي، وتحاور عبد المجيد الشرفي مع مراد هوفمان الألماني، وصدرت حواريتهما باللغتين العربية والإنجليزية.

بلغ عدد حلقات سلسلة الحوارات في نهاية عام 2008 خمساً وأربعين حلقة، وعدد كتّابها ثمانون كاتباً من ألمع المفكرين العرب والأجانب، ولقيت في الساحة الثقافية العربية استحساناً وقبولاً واسعاً، وظلت في عالم النشر مشروعاً متميزاً فريداً غير مسبوق ولا ملحوق حتى الآن، ولا تزال ماضية في مسيرتها، مستفيدة من تجربتها، ومن النجاح الذي حققته في أوساط المثقفين.

*-عرف عنكم الميل لما يسمى طباعة كتب التراث والدين، حتى غصت مكتبتكم بمختلف هذه العناوين.. أين أنتم من طباعة كتب تحليلية تتناول موضوعات هامة في عمق الديانات الأخرى بما يخدم الباحث ويسهل عليه عملية البحث؟

**-لقد صيغ هذا السؤال صوغاً ذكياً، فقد جاء ترتيبه بين سؤاليْ الحوار والإبداع ليؤكد خطله  ويكشف عواره، وجاء بصيغته المبني للمجهول لتوكيد براءة السائل منه وإلقاء تبعته على جاهل بمصطلح التراث ومشتملاته و برسالة دار الفكر الثقافية  ومنهجيتها، أو متجاهل لها يروم طمس هويتها، والتعمية على مشروعها النهضوي التجديدي المستقبلي.

وعلى الرغم من رسوخ قدم الدار في الوسط الثقافي العربي، وصرامة منهجيتها التي أكسبتها ثقة جمهور عريض من القراء؛ يتتبع إصداراتها، ويبحث عنها في معارض الكتاب الدولية، ويتواصل معها عبر موقعها الإلكتروني فكر www.fikr.com  فرات www.furat.com  ..

وعلى الرغم من جوائز الناشر النموذجي، وجائزة أفضل ناشر عربي التي حازتها عام 2003 من الهيئة المصرية العامة للكتاب..

وعلى الرغم من ضآلة نسبة كتب التراث التي لا تجاوز 1% من مطبوعات الدار التي أربت على الألفين، فإن السؤال الغامز المتجاهل ما زال مطروحاً. 

ففي دراسة نشرتها جريدة البعث بتاريخ 2/5/2007 حول صناعة الكتاب في سورية؛ استثنى الكاتب دار الفكر من إهمال دور النشر لعمليات تحرير النصوص، واستثناها كذلك من ظاهرة عجز الناشرين عن التحول إلى مؤسسات للنشر تضمن استمرار وجودها وتطورها.. لكنه رغم ذلك لم يتردد في تصنيفها ضمن ناشري كتب التراث.

ليس نشر التراث بحد ذاته عيباً يقتضينا التبرأ منه ولا تهمة تقتضينا الدفاع لدحضها، إنما العيب في التحوير وقلب الحقائق وتغيير الهوية.

فدار الفكر منذ تأسيسها عام 1957 قدمت نفسها لقرائها بوضوح، وتعهدت بتزويدهم بفكر يضيء لهم طريق المستقبل، وتغذية شعلة هذا الفكر بوقود التجديد المستمر،ووعدتهم أن تختار منشوراتها بمعايير: الإبداع، والعلم، والحاجة، والمستقبل، وأن تنبذ التقليد والتكرار ونشر ما فات أوانه، وأن تنطلق من التراث جذوراً تؤسس عليها، وتبني فوقها، دون أن تقف عندها وتطوف حولها.. سجلت ذلك كله ضمن أغلفة كتبها ليكون بمثابة عقد ملزم لها تجاه قرائها؛ يحاسبونها عليه. وخلافاً لما يؤكده معظم رؤساء تحرير المجلات وبعض الناشرين من إخلاء مسؤوليتهم عن مضامين المقالات والكتب التي ينشرونها، تاركين المسؤولية على عاتق كتّابها ومؤلفيها، فإن دار الفكر تؤكد لقرائها مسؤوليتها تجاههم عما تنشر؛ لثقتها الكبيرة بما تنشر، إذ تخضع كل ما يقدم لها أو تكلِّف به للمعايير الآنف ذكرها...

لقد حسمت دار الفكر أمرها منذ البداية بشأن التراث، فنظرت إليه على أنه جهد الآباء وإبداعهم؛ يحسب لهم وحدهم. وعلى جيل الأبناء –إذا أراد أن يسجله إبداعاً باسمه- أن يعمد إليه بالنقد والتحليل وأن يضيف إليه ويعيد تركيبه ممهوراً ببصمته ومطبوعاً بطابع عصره.

فالتراث لم يقم دفعة واحدة ، وإنما قام على مراحل، كان اللاحقون فيها خلفاً للسابقين، ثم أصبحوا سلفاً لمن بعدهم، لكنهم لم يتوقفوا عن العطاء، ولم يجمدوا عند آراء السلف، بل استدركوا عليهم، وحذفوا وأضافوا، ولم يرضوا أن يلتزم الناس بعدهم بآرائهم، إذا بد لهم ما هو خير منها وأقربُ رشداً.

والسلف بعد ليسوا على فكر واحد، إنما هم مدارس فكرية متباينة، فأي هذه المدارس أحق بالتقديس؟!

فرق كبير بين تقدير التراث وإعظامه، بوصفه اجتهاد الآباء، الذي يتمتع بكل القابلية للصواب والخطأ، ثمرةً لاختلاف الآراء والعقول، الذي امتن الله تعالى به على عباده رحمةً بهم، وتوسعةً لآفاقهم ومداركهم، ووسيلةً لتنمية أفكارهم وترقيتهم. والذي لا يتميز صوابه من خطَئه، ولا يستخرج زُبْدُه ويستبعد غثاؤه إلا بالمخض، ومقابلة بعضه ببعض.

وبين تقديس التراث بوصفه نهاية العلم، وزبدة المعرفة، وتركة الآباء الذين أتقنوا كل شي، وأحاطوا بكل شيء علماً، ولم يتركوا لأخلافهم مجالاً للزيادة فيه، أو الحذف منه، والمقياسَ الذي تعرض عليه الجهود العلمية للمتأخرين فيقبل منها ما كان موافقاً له، ويرفض ما خالفه أو زاد عليه.

إن تقدير التراث، وعيٌ له، ونهل ٌ من موارده، وبناءٌ عليه، ومواصلةٌ للسير بعده، واستمرار في بذل الجهود العلمية، التي- بدورها- ستصبح تراثاً لأجيال قادمة.

أما تقديسُ التراث، والطوافُ حوله، وتحريمُ مخضه خشية إزعاجه، ومنع مناقشته خوفاً من إقلاقه، فهو تعطيل للتراث، وتحنيط للأجداد، وتجميد للعقول، وتثبيط للهمم، وقعود عن الاجتهاد، وتثبيت لحركة الأفكار، وارتكاس في مسيرة الإنسانية ، وتشجيعٌ على الكلالة والعجز والاتكال على جهود الآباء، وتحميلهُم أعباءنا وأوزارنا، وإلزامُهم بالتفكير نيابة عنا، ومطالبتهم بالإطلال علينا من وراء القرون، لحل مشكلاتنا.

هل في هذا القول مبالغة وتهويل؟! وهل فيه مجافاةٌ للواقع، وإجحافٌ بحق العلم والعلماء؟!

لئن كان الأمر كذلك، فما علة تخلفنا وانحطاطنا؟ وما أسباب عجزنا عن اللحاق بركب الحضارة، وقد كنا روادها ؟! وهل تؤتى الأمم إلا من قبل ضحالة أفكارها وخطأ تصوراتها؟! ﴿أَوَ لَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هَذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾[ آل عمران 3/165].

وإن لم يكن في الأمر مبالغة فأين يتجلى التقديس للتراث في جهودنا العلمية الحاضرة؟ 

إنه يتجلى في تقديم التراث لطلابنا وأجيالنا، على أنه العلم، لا على أنه مصدر للعلم، ولقد مضى على الناس زمان، حُددت فيه كتب العلم بجملة من المتون والمنظومات والشروح والحواشي ، من حصَّلها فقد أحاط بالعلم، وكان يقال للطالب: إذا أردت اللغة فعليك بألفية كذا، وإن أردت الأدب فعليك بكتاب كذا، أو كنت تطلب الفقه أو الحديث أو التفسير، فعليك بكتب كذا وكذا.. وكان هذا التراث يُزَيَّن له بوصفه أهلاً للثقة والتقديس، استمد قداسته من مضي الزمان، كما كان الطالب يُحَذَّرُ من الركون إلى الدراسات الجديدة، والعلوم المستحدثة خوفاً عليه من الانزلاق في متاهات الضلال والزيغ.

وهو يتجلى في حُمّى نشر التراث التي انتابت العالم العربي والإسلامي، في الثلث الأخير من القرن العشرين، وأفرزت ناشرين للتراث، لا يهمهم منه إلا التسابق على إعادة طبع العناوين التي يشتد عليها الطلب، تصويراً عن طبعات سقيمة غير موثقة ولا محققة، حتى اهترأت حروفها من كثرة التكرار، وتداخلت صفحاتها من شدة الإهمال، وتسترت عيوبها بأغلفة زاهية مزخرفة بالذهب، فأخذت أمكنتها  على أرفف المكتبات زينة وتبركاً، واحتلت مرتبة الصدارة  في أرقام المبيعات، بعيداً عن أصوات النقد، وأعين النقاد.

كما يتجلى تقديس التراث في حمى التحقيق العشوائي دون اختيار، ولا ترتيب للأولويات، فأعيد تحقيق كتب مطبوعة، دون أية دواعٍ أو تعديلات تسوِّغ الإعادة سوى المنافسة التجارية، وحُققت كتبٌ فات أوانها، ومات موضوعها، وانعدمت جدواها، لمجرد أنها لم يسبق تحقيقها.

هل يوقف التراث زيادة العلم؟ وبتعبير آخر: هل يمكن لتقديسنا للتراث، وعدِّه النموذج الأمثل أن يعكس اتجاه سير البشرية، فيجعل مثلها الأعلى في ماضيها، ويجعل جُلَّ همها أن تقرب حاضرها ومستقبلها من هذا النموذج الذي تحقق في الماضي، ويجعل إحساسها بالخيبة والفشل مستمراً، فالقرون الأولى هي خير القرون، وتتناقصُ الخيرية فيها بعد ذلك، حتى يأتي آخر الزمان، ويعم الفساد، ويذهب العلم؟! 

أنا لا أتحدث هنا عن الثوابت، فثمة قيم ثابتة نزل بها وحي السماء، واستقرت في فطرة البشر، تضيء حياتهم على مر العصور، إنما أتحدث عن العوائق التي تقلب خط سير العلم، فتجعله ناكصاً  متراجعاً بدل أن يكون نامياً متقدماً، وفي طليعتها التقديس للتراث الذي يعني تثبيت العلم، وحصره في القرون الأولى.. أتحدث عنها بوصفها واقعاً نعرف بعض تجلياته ومظاهره من جهة، وبوصفها سبباً من أسباب التخلف  عن اللحاق بركب العلم والحضارة من جهة أخرى.

إن هذا المفهوم للتراث انتكاسي ومناقض للفطرة البشرية استبدلت به دار الفكر، مفهوماً آخر يقوم على اعتصار التراث، ومخضه لاستخراج زبدته ونفي زَبَده.

إن القانون القرآني عن ذهاب الزبد وبقاء النافع للناس، سوف يتكفل بذهاب الأفكار الميتة التي فقدت قيمتها وجدواها، وبقاء الأفكار الحية النافعة إلى أن يأتي ما هو خير منها وأكثر نفعاً ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [ الرعد:13/17].  

إنني أرى في معظم الأعمال الجارية في تحقيق التراث؛ سواءً ما كان منها تحقيقاً مستعجلاً لإدراك متطلبات السوق، وما كان تحقيقاً علمياً مدرسياً يمعن في الشرح والتعليق وإثبات فروق النسخ.. أرى في ذلك نوعاً من التكديس يجعله قاصراً على مرحلة التنقيب والجمع، لا يجاوزها إلى مراحل الانتقاء والتحليل وإعادة التركيب والبناء، التي هي وحدها الكفيلة بإعداد التراث للإفادة منه، وتوظيفه في خدمة الثقافة، في الحاضر والمستقبل.

كما أرى في موجة الإقبال على التراث؛ سواءً أكان تجميعاً عشوائياً، وتحقيقاً له وتعليقاً، من قبل المحققين والباحثين، أم كان تهافتاً على اقتناء كتب التراث من قبل جماهير القراء، ودراستها من قبل طلبة العلم، على أنها القول الفصل ونهاية العلم، نوعاً من تعطيل الأفكار، وإخلادها إلى الراحة وهروبها من الواقع، لائذة بالجهود العلمية للأسلاف. 

ويخيل إليَّ، حين أُرانا نطلب العلم من كتب التراث، لنقف عندها، أننا كمن يحمل مشكلاته المستجدة إلى مراقد الأجداد؛ يسألهم فلا يجيبون، ويستفتيهم فلا يفتون، بل هم يعرضون عنه ساخرين من عجزه وكلالته.

هل أنا، بهذا، أهوِّن من شأن التراث، أو أحط من قدره فأصنَّفَ في عداد خصومه وأعدائه؟! معاذ الله فأنا من أَوْلى الناس بالتراث، وبالدعوة إلى التنقيب عن كنوزه وجواهره، وبالحرص على جمعه وصيانته، بوصفه الأصل الثابت، والجذور المتمكنة في الأعماق، التي تملك القدرة على تغذية سوقها وأفرعها الممتدة في الآفاق.

إنما أنا أبحث عن الطريقة التي تجعلنا نحقق التراث الماضي، وأعيننا مفتوحة على الحاضر والمستقبل؛ نقرأ فكر الأجداد، ونرنو إلى أن نبدع كما أبدعوا؛ نستفيد من تجاربهم، ونتجنب أخطاءهم وعثراتهم، ونضيف لبنات جديدة في بناء الأفكار فوق لبناتهم، تظهر شخصيتنا، وتسوِّغ للتاريخ أن يتوقف عندنا، ليسجل إبداعنا، ولا يتجاوزنا؛ ناعتاً إيانا بالعجز والكلالة..

يجب أن ننشد من التراث زُبْدَهُ، ونعافَ زَبَدَه، والزُّبد لا يستخرج إلا بالمخض، أما الزَّبَدُ فهو الرغوة والفقاعات التي تعلو الزبُّدَ عند المخض، ثم لا تلبث أن تتلاشى وتذهب جفاءً. 

أخلُص من ذلك إلى أن المشروع الثقافي لدار الفكر،شمل كل فروع المعرفة، على تفاوت بينها، وتقصير في بعض جوانبها، تأمل أن تتمكن من تداركه وترميمه، فحصدت من جوائز مؤسسة الكويت للتقدم العلمي جائزة أفضل كتاب مترجم إلى العربية في الفنون والآداب والإنسانيات عن كتاب ( هروبي إلى الحرية) لعلي عزت بيجوفيتش، وجائزة أفضل كتاب مترجم إلى العربية في العلوم عن كتاب (الجراحة التنظيرية 2000 وآفاق القرن الحادي والعشرين) م.منيرو وآخرين ترجمة د.مروان الجبان.وجائزتين لأفضل كتاب مؤلف بالعربية في العلوم، عن كتابَيْ (موجز تاريخ الكون) و (الجينوم البشري وأخلاقياته)، كلاهما للدكتور هاني رزق الذي يشرِّفها أن يكون مكرَّمها لهذا العام 2009، سوف تحتفل بتكريمه في أسبوعها الثقافي من 20-23/4/2009 في المركز الثقافي العربي بالمزة.

*- أين النتاج الإبداعي من (شعر، قصة، رواية) في مشروعكم بما يرسم خارطة للإبداع السوري والعربي والعالمي من ترجمات هامة، كونكم من أهم دور النشر العربية، أم أن الأمر يقتصر على بعض الروايات أو الأعمال الفائزة بمناسبات تخصكم؟ 

وهل لكم (فيتو) معين على نوع ما من منتجي الإبداع بأشكاله حتى لا نرى أسماءها ضمن منشوراتكم؟؟

** أود أولاً أن أسجل اعتراضي على قصر مصطلح الإبداع على مجالات الشعر والقصة والرواية، فهذه مجرد أساليب تشكل القالب الذي يحتضن الإبداع بالإضافة إلى قوالب أخرى كالمقالة والبحث..

أما الإبداع ذاته الذي هو الإتيان بفكرة جديدة على غير مثال سابق؛ فقد يكون نصاً أدبياً، أو نظرية علمية، أو كشفاً جغرافياً، أو صورة فنية، أو برنامجاً إلكترونياً، أو ابتكاراً صناعياً. ولا شك في أن تقديم أي من أنواع الإبداع في قالب قصصي أو روائي أو شعري مقبول؛ يقربه من الذوق الإنساني، ويضفي عليه طلاوة قد تفتقر إليها أساليب البحث الأخرى..

لقد أولت دار الفكر القصة والرواية اهتماماً خاصاً منذ بداياتها، فنشرت في ستينيات القرن الماضي قصصاً لنجيب الكيلاني وعزيزة الأبراشي وقصصاً قصيرة لعلي الطنطاوي، ثم أطلقت جائزتها السنوية المحكمة للرواية؛ اشترطت فيها أن تعالج قضايا اجتماعية جادة؛ فحصدت من خلالها عدداً من الروايات، بأقلام شابة واعدة، بعضها لم يجاوز كتّابها سن العشرين؛ كان أولها (لا أحد يعرف ما أريده)، ثم توالت العناوين (بارقة أمل)، (صدى من مدينة الضباب )، ( لماذا تموت العصافير في بلادي).. ونشرت خارج الجائزة قصصاً وروايات أخرى؛ كان منها (أوراق فتاة حائرة) ( لم أعد صغيرة)، ( بريق في داخلي)، وآخرها (سمية) للدكتور نزار أباظة. كما نشرت ثلاثين حلقة من سلسلتها (روايات من الخيال العلمي) لطالب عمران. ومعظم هذه القصص والروايات أعيد طبعه أكثر من مرة.    أن تختار منشوراتها

 

ومن المؤكد أن للدار معاييرها الخاصة في القبول أو الرفض؛ تنظر من خلالها إلى القصة أو الرواية بغض النظر عن شهرة كاتبها، ومن خلالها استطاعت أن تحظى بثقة قرائها واحترامهم.. وهي معايير تختلف عن متطلبات السوق الهابط من جهة، وعن الدعوة إلى التحرر من القيم الإنسانية العليا بوصفه سمةً من سمات الإبداع وشرطاً من شروطه لدى بعض الكتّاب الحداثيين من جهة أخرى. فهي مع الالتزام في الأدب، ومع الحرية المنضبطة، ومع الاحترام لفكر القارئ، تلتزم تجاهه بتقديم الأسمى والأرقى.. ثمة محكمة  منعقدة لها تمثُل أمامها على الدوام؛ ترعى هذا الالتزام؛ القراء هم قضاتها ومحاموها ونوابها العامون، يتوزعون بينهم الأدوار؛ يتواصلون معها يومياً عبر الهاتف والشابكة واللقاء المباشر؛ يعلقون.. يستحسنون أو يستاؤون أو يسددون أ و يتساءلون؛ هم عمدتنا وعدتنا.

قد يُسخط رفضنا لبعض الأعمال أصحابها، لكن سخط قرائنا أهم عندنا وأجدر أن نتجنبه.

*-تلاحمكم الكبير مع القضايا المصيرية، يؤكد قيمة كبيرة لكم في هذا المضمار واستغلال حضوركم في المحافل الدولية لصالح هذه القضايا. هل هناك رؤيا لكم في أن ما تقومون به قد يؤثر أو يكون له دور فيما تسعون له؟

**-الوهن الحضاري وطول أمد العجز النهضوي، كان قضيتنا المحورية منذ البداية.. (الاستعمار الفرنسي في إفريقيا السوداء) كان كتابنا الأول الذي دخلنا به عالم النشر عام 1957، تلاه كتاب (نكبة فلسطين) فكتاب (في سبيل الإصلاح). وكانت سلسلة (مشكلات الحضارة) لمالك بن نبي المفكر الجزائري الكبير، التي قاربت حلقاتها العشرين، دستورنا النهضوي الذي نهلنا منه صافي الرؤية، وأمدتنا قواعده الكبرى بمقدرة على فهم المشكلات وتحليلها حين نضعها في إطارها الحضاري، فمشكلة كل إنسان هي في حقيقتها مشكلة حضارته، بحسب المرحلة الحضارية التي تجتازها أمته ضمن دورتها الحضارية بين حالتي البزوغ والأفول.

وعلى ضوء رؤى مالك بن نبي التي تركز على الواجبات قبل الحقوق، وعلى الإنتاج قبل الاستهلاك، وعلى البناء بدلاً من التكديس، وعلى تحصين الذات قبل مواجهة الآخر، وضعنا برنامجنا التثقيفي النهضوي، وتوجَّهنا به إلى الإنسان العربي العادي قبل النخبة، وحاولنا تبسيط الأفكار لتكون في متناول كل الشرائح الاجتماعية والعمرية، حتى الأطفال قدمنا لهم قراءات صغيرة للأفكار الكبيرة تكون زاداً لهم متى كبروا..

نعد ذلك رسالةً؛ على الناشر أن يؤديها، إذ النشر رسالة قبل أن يكون تجارة، ورسالة الناشر أن يزوِّد مجتمعه باحتياجاته الثقافية التي تتفاوت بحسب موقعه من دورته الحضارية.. ودار الفكر سعيدة بالدور الثقافي الذي تؤديه، وبالتجاوب والتقدير الذي تحصده من قرائها، وترى أن هدفها التجاري يتعانق مع هدفها الثقافي؛ يدعم كل منهما الآخر..

حوار  دكتورة رغداء مارديني

المصدر: 
جريدة تشرين
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.