لقاء مع الأستاذ الدكتور مسلم سقا أميني بمناسبة فوزه مؤخراً بجائزة نوبل الأسيوية (غوزي بيس برايس) (الجزء الثاني)

الأحد, January 8, 2017
كاتب المقالة: 

*ـ إذا انتقلنا إلى الجانب العرفاني عند د. مسلم سقا أميني.. وتحديدا كتابك ( كتاب الصين المقدس ..التاو ) .. ما الذي دفعك لترجمة هذا الكتاب ..؟

نحن نعرف كثيراً عن أنبياء منطقتنا المدعوَّة اليوم بالشَّرق الأوسط من خلال الكتب المقدَّسة للأديان السَّماوية الثَّلاث المعروفة، ولكنَّنا لا نعرف شيئاً عن أي أنبياء غيرهم في مناطق جغرافيَّة مختلفة! والمشكلة تزداد عندما نعرف أن تاريخ الصِّين واليابان موثَّق إلى حدٍّ كبير منذ آلاف السِّنين من خلال عدَّة مؤلَّفات تاريخية، ولكن لا يوجد ذكر في هذا التاريخ لأيِّ نبيٍّ بالمفهوم الذي اعتاد عليه المسلمون وبالشَّكل الذي يمكِّنهم من القول صراحة أن هذا المصلح أو ذاك أهو نبيٌّ أم لا ؟

 والوثنيَّة الواضحة لمعظم الأديان القديمة السائدة في الشرق الأقصى أدت إلى رفض كلِّ ما لديهم واعتباره شرك وضلال مما أدى إلى إبقاء أدبيات وطبيعة تلك الأديان مجهولة لدى المسلمين إلى حدٍّ كبير, ولم يجرؤ إلا قلَّة من الباحثين المسلمين على محاولة دراسة كتب وفلسفة تلك الأديان خشية من أن ُيتَّهموا بأنهم قد ابتعدوا عن الصِّراط! ولم يحاول أحدٌ معرفة فيما كانت هذه الأديان قد بدأت وثنيَّة منذ الأصل أم أنها كانت ديناً سماوياً ثم حُرِفت تدريجياً لتصل إلى درجة كبيرة أو صغيرة من الشرك والضلال. هذا الكتاب جاء كمحاولة لحل جزءٍ من هذه التساؤلات.

    مفهوم الله جل جلاله هو مفهوم مجرَّد مطلق (التَّنزيه) يُبنى على أساس من الوحدة المطلقة (التوحيد), ولكن من الصعب على الإنسان أن يعبد ما لا يرى ومن ليس كمثله شيء، لوجود نزعة عند الإنسان تميل للتشبيه أو التمثيل أو الترميز. فالعقل والروح قبل أن يصلا إلى مرحلة النضوج والتهذيب ينزعان إلى وضع رموز تشير إلى الإله المعبود ليَسهُل على الإنسان تصوُّره وعبادته والاتصال به، ومع الوقت ينسى الناس أن الرموز تشير إلى الإله المعبود, ليسهل عليهم تصوره وعبادته, وينسى الناس أن الرموز رموز لا قيمة لها، وتبدأ عبادة هذه الرموز والصور وكأنها هي الإله، ليصل الناس بعد ذلك لمرحلة تصور الإلوهية بشكل مادي مكثف، وهذه هي الوثنية ذاتها. فتركيب العقل البشري يصعب عليه استيعاب أو فهم التجريد ويحنو إلى التمثيل والتشبيه لتسهيل الاستيعاب.

    كذلك توجد عند الإنسان نزعة أخرى تدعوه إلى تجزيء الواحد أو الكل أو الشامل ليتمكن من استيعابه. فالعقل وآلية التفكير فيه تفضِّل دوماً التعامل مع أجزاء يسهل التعامل معها، وفكرة الإله الواحد المهيمن المحيط, عقيدة التوحيد, تحتاج إلى نضوج فكري كبير لاستيعابها، لذلك نرى أن الإنسان يحنُّ ليس فقط إلى ترميز وتمثيل الإله المجرد بل هو كذلك يسعى إلى تجزيء وحدانية الإلوهية بإدِّعاء وجود آلهة كثيرة مما يصل به إلى الشرك الكامل. إن نزعتا الترميز والتجزيء هما من أهم الأسباب الفكرية التي أدَّت إلى تشويه نقاء الرسالات السماوية أينما كانت وفي أي وقت جاءت. كذلك يجب أن لا ننسى عامل المصلحة والمنفعة وحب الدنيا والحكم والتنافس, خاصة من قبل القادة والكُهَّان، والتي أدت أيضاً إلى تشويه نقاء الرسالات السماوية بعدة وسائل.

     المسلمون يقولون اليوم أن كل الرسالات السماوية قد شوِّهت وحرِّفت ولم يعد باقياً سوى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم كدين حنيف نقي من الانحرافات. هذا صحيح طبعا ولكن الواقع العملي للمسلمين اليوم يشير إلى أنهم هم أيضا قد شوَّهوا وحرَّفوا وابتعدوا كثيراً عن دينهم الحنيف الحق. الحمد لله جل جلاله على قوله:{إنّا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنا له لحافظون}سورة الحجر 15/9, فهذه ضمانة للمسلمين على أنه رغم واقعهم التطبيقي السيئ والمحرَّف للدين الحنيف فإن الله جل جلاله قد حفظ أصل هذا الدين ومبادئه من خلال حفظه لأدبيات ونصوص هذا الدين في القرآن والسنة المشرفة ومن خلال سيرة الصحابة الطاهرين والعلماء الصادقين. لكن الحفاظ على النصوص هو أسهل أنواع الحفظ, فالمهم هو حفظ التطبيق الصحيح وضمانة هذا هو قول نبينا صلى الله عليه وسلم ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)) أخرجه مسلم ( 6 / 52 - 53 ) وأبو داود ( 2 / 202) والترمذي  (2 / 36 ) وابن ماجة ( 2 / 464 - 465 ) وأحمد ( 5 / 278 - 279 ). وهو حديث صحيح مما يؤكد لنا الحفظ التطبيقي لهذه الرسالة من خلال بعض الأشخاص ولو كانوا قلَّة، وهم المعول عليهم في حفظ هذا الدين وإعادة المسلمين لسواء الصراط وتخليصهم من الضلال والانحراف.

    هذه الرؤية،  بالإضافة إلى قناعتي بأنه لا يمكن شرح الإسلام لأهل تلك البلاد بدون فهم عقليَّة وروحانيَّة أهل البلاد ذاتهم الأمر الذي يتضمن فهم دينهم وفلسفتهم وكتبهم، مما دعاني لمحاولة قراءة بعض نصوصهم الأصلية المقدسة لمختلف أديانهم لعلِّي أكتشف فيها شيئاً مفيداً لنستفيد منه في دعوتهم لطريق الله الصحيح. وأتاحت لي فترة إقامتي الطويلة في تلك البلاد أن أفهم تاريخهم ومجتمعهم وأربط ذلك باعتقاداتهم وبطريقة تفكيرهم. وقادتني دراستي ومحاولة فهمي لهم إلى قراءة أحد أهم كتبهم المقدسة على الإطلاق والذي يعتبر اليوم أهم كتاب ديني بعد القرآن والإنجيل. فقد تناوله منذ ألاف السنين الباحثون بالبحث والمفسِّرون بالتفسير والمترجمون بالترجمة رغم صغر حجمه حتى أصبحت المؤلَّفات التي حوله تملأ مكتبات بأكملها! وقد أثر هذا الكتاب كثيراً على كل أديان الشرق الأدنى بما فيها البوذية والطاوية والكونفوشيوسية والشنتوية.

ومنذ حوالي مئة عام بدأ اهتمام الكتَّاب الغربيين بهذا الكتاب وأثَّر تأثيراً كبيراً في حياة شخصيات فكرية غربية مشهورة أمثال تولوستوي وغيره. وتبنت هذا الكتاب عدة مدارس غربيَّة, والغريب هنا أن بعض الرهبان الصينيين القدامى قد تنبئووا بأن الغرب سيبدأ بالاهتمام بهذا الكتاب في القرن التاسع عشر وأنه سيذيع صيته كثيراً بعد ذلك، وبالفعل فقد صدقت نبوءتهم رغم أنهم قالوا ذلك قبل مئات السنين. وقد فكَّرت بأن ترجمة هذا الكتاب للغة العربية وبمنطق مفهوم للقارئ المسلم العربي وبمصطلحات إسلامية تعكس بالفعل حقيقة المعنى حسب ما فهمناه ووعيناه. وأعتقد أن محاولتي المتواضعة أمر هامٌّ يميط اللثام عن أسرار هذا الكتاب ليطَّلع المفكِّرون المسلمون والعرب عليه ليكتشفوا الأثر الذي صاغ حياة مئات الملايين من البشر منذ عصور سحيقة.

 

*ـ ما مدى مصداقية نص الكتاب ..؟

من الناحية التاريخية فإن معظم الباحثين يجمعون على نقاء النص وعدم تشويهه أو تحريفه، منذ زمن بعيد جداً. كما أنَّ فنَّ الكتابة وتداول الكتب كان مستمراً ومزدهراً في الصين، منذ عهود سحيقة بشكلٍ سبق وفاق كل البلاد الأخرى في تلك الحقبة من التاريخ؛ لذلك فإنه ليس من الصعب، من الناحية التقنية على الأقل، الحفاظ على نصٍّ أو كتاب دون تغيير، وحتى منذ زمن بعيد نسبياً، يوجد بعض المحقِّقين الذين يرون أن بعض أجزاء الكتاب قد تكون مضافة أو غير أصلية أو مشوهة، بناءً على حقائق مختلفة، ولكنهم يقرُّون في النهاية أن هذا لا يغيِّر من نقاء النص وقِدَمه بشكل عام، فالمقاطع المختلف فيها قليلة جداً، ومن خلال قراءة النص الكامل يتضح لنا انسجامه وتماسكه العام بعضه مع بعض، وهو يحاول نقل نفس الأفكار العامة، وبنفس الأساليب البيانية، وهذا يدعونا إلى القول بأن الكتاب أصيل، وأن لكل مقاطعه مؤلِّف واحد. والمصداقية التاريخيـة العلمية لهذا الكتـاب، ربما تـفوق مصداقية صحة نسـب الإنجيل لعيسى، أو التوراة لموسى، عليهما السلام، فالتطور الحضاري والثقافي والعلمي في الصين في عهد (لاوتزو)، كان يفوق التطور الحضاري والثقافي الموجودين في حقبة وبلاد موسى أو عيسى، عليهما السلام، وهذا وحده يبرر تقنيناً ما قلناه. ويجب أن أؤكد هنا أنني أتحدث فقط عن المصداقية العلمية في نسب النص إلى صاحبه، ولا أتحدَّث عن محتويات النص ومصداقيتها، وذلك تجنُّباً لسوء الفهم الذي قد يحصل.

* ـ نلاحظ أن الكتاب بشكل عام له طابع رمزي، باطنيّ وصوفي إلى حدٍّ كبير..لماذا كل هذه الرمزية ..؟

الكتاب بشكل عام له طابع رمزي، باطنيّ وصوفي إلى حدٍّ كبير؛ فهو محاولة لنقل خبرات اكتُسبت عبر استخدام كلمات لها محدودية الجسد؛ لذلك كان لا بد من أن يتصف بالرمزية الشديدة، فمعارف الروح وتجلياتها لا يمكن نقلها بالكلمات إلا من خلال استخدام الرمز والتمثيل. وقد أوضح المؤلِّف مراراً أنَّ هذا الكتاب ليس موجَّهاً للعوام، أو حتى لمثقَّفي الكُرَّاسات، كما يسميهم، إنه كتاب موجَّه فقط إلى العَليَّة من الحكماء والقادة، ممن يتمتعون بنضج روحي كبير، وإلى من يفهم لغة الإشارة والرموز. ويجب أن ننوِّه هنا أن الذين يستطيعون الكتابة والقراءة في الصين في ذلك الوقت كانوا هم الحكماء والعلماء والحكَّام فقط؛ لذلك كان الكاتب متأكِّداً من أن العوام لن تستطيع قراءته، وبالتالي فإنه لن يُساء فهمه بشكل أو بآخر، فهو كتاب موجَّهٌ إلى خاصَّة الخاصَّة دون غيرهم من الناس، وهذا الأمر صحيح في كل زمان ومكان، فالعبرة ليست في أن يعرف الإنسان القراءة، بل العبرة هي في أن يكون قادراً على اختراق حجاب الرموز من خلال سمو روحيٍّ كبير، ومن خلال توقٍ شديد للوصول إلى حق اليقين. فالكتاب يستخدم القليل المحدود ليعبر عن الكثير اللامتناهي، فهو ذو كثافة رمزية هائلة - إن من يستطيع فهمه هو الذي يحاول التغلُّب على حجاب عقله ونفسه، ويستطيع التحليق في سماء معرفة الروح والباطن.

 

*ـ أيضا هناك تجرد عن الزمان وعن المكان ..فالكتاب يخلو إلى حدٍّ كبير من أي أسماء أو تواريخ، أو ذكر لأي مكان معين أو مكونات معينة، فليس فيه أي ربط زماني أو مكاني أو ثقافي..لماذا برأيك..؟

من مميِّزات الكتاب الهامة خُلوّه إلى حدٍّ كبير من أي أسماء أو تواريخ، أو ذكر لأي مكان معين أو مكونات معينة، فليس فيه أي ربط زماني أو مكاني أو ثقافي؛ لذلك نجده مقبولاً في كل زمان ومكان؛ لأنَّه غير مقيَّد بشيء. إنَّه يمثِّل حكمة الباطن وفلسفة البصائر، وتجلِّيات الفيض التي تبقى ثابتة رغم تغير كل الحقائق المادية التي حولها. بالمقارنة نقول: إن منهج كونفوشيوس، المعاصر لمؤلِّف كتابنا، مليئة بالتواريخ والأسماء والأحداث المحلية، وبالتالي فقد عجزت عن اكتساب صفة العالمية، وبقيت محصورة إلى حدٍّ كبير في الصين وما حولها. أما كتاب (لاوتزو) فقد ذاع صيته في العالم كله لعدم ارتباطه بقيود مادية محلية. كذلك رمزيَّة الكتاب وإمكانيَّة تأويله وتبديله لكل إنسان، حسب مستوى تطوره وفهمه وتوتره الروحي، مما زاد من انتشاره وذيوع صيته. كما أنَّ محاولة الكتاب تحطيم حجاب العقل المحدود، وتحريره للروح اللامحدودة أكَّدت على انتماء هذا الكتاب لعالم اللازمان واللامكان.

 

* ـ سؤال أخير. إذا حاولنا إجراء مقارنة بين القرآن الكريم .. وكتاب التاو المقدس ..هل تجوز مثل هذه المقاربة .. وأين أوجه الالتقاء والاختلاف ..؟

 

    لقد أجريت بطبيعة الحال مقارنات متعددة بين هذا الكتاب وبين القرآن الكريم من عدة نواحي ووصلت إلى أنه يوجد الكثير من نقاط التشابه مما يؤكد احتمالية أن يكون هذا الكتاب هو كتاب سماوي والله أعلم.

الكلام في القرآن الكريم موجَّه من الله عز وجل، كخالق مسيطر حاكم مشرِّع، إلى المكلَّف العبد المأمور، من خلال سيطرة فكرة الجزاء والعقاب، والجنَّة والنَّار. أمَّا في هذا الكتاب فالكلام موجَّه من الداو كحضور عام؛ من حيث كونه الظاهر والباطن والواسع والمالك للكون إلى الإنسان، من ذوي الألباب، دون التركيز على فكرة الجزاء والعقاب الأخروي؛ إذ إن هدف الكتاب الأعلى هو فقط الفناء في الداو وحبه ومعرفته، دون خوف من عقاب أو أمل في جزاء، وكما يقال في الصوفية: إن أعلى درجات العبادة أن تعبد الله لأنَّك تحبُّه حبَّ هيام وغرام، دون أن تكون خائفاً من ناره أو راغباً في جنته. وهذا المفهوم ربما يكون للخاصَّة فقط، ويجب أن لا ننسى أنَّ الكتاب الذي بين أيدينا موجَّه لهؤلاء الخاصة دون غيرهم من عامَّة الناس؛ فالخوف من العقاب لعدم تطبيق التشريعات هو أدنى مستويات التقوى، لكن التقوى الناتجة عن الحبّ هي ما يريده هذا الكتاب وهي من مستويات الإحسان.

إنَّ شريعة هذا الكتاب تعتمد على أنَّ الكون كله هو المثال الأعلى من حيث كونه: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 2/115] ، فأينما تُولُّوا في الكون تجدون الهداية في حال عرفتم وجه الله - جل جلاله - في كل الأمور، ومعرفة وجه الله هي معرفة صفاته التي يجب أن نتخلَّق بها لكي نعرفه حق المعرفة.

الفهم السائد للقرآن الكريم يشدُّنا إلى فهم الكون فهماً علمياً فيزيائياً، وذلك لنعرف قدرة الخالق ومقدار إتقانه. أمَّا هذا الكتاب فهو يشدُّنا إلى فهم الكون فهماً فلسفياً، وأن نتَّعظ خلقيّاً وروحيّاً بما يحدث في الكون. مثلاً أن نتعلم: أنَّ الأنهار تبقى في الأسفل، ولكنَّها هي الأقدر على تفتيت الصخر المرتفع، وشقّ طريق مسيرها حسب ما تريد، وأنَّ وابل المطر الشديد لا يدوم إلا قليلاً، وأن الغصن الطويل الممتلئ هو الذي ينحني مع الريح، وأنَّ ما بين الأرض والسَّماء ليس سوى خواء، وهكذا. فنحن نستطيع بالتَّأكيد، في كثير من المواضع، أن نفهم العبارات القرآنية التي تصف الكون بشكل فلسفي، لكن المفسرين بشكل عام اقتصروا على التفكير العلمي المباشر، ولم يركِّزوا على التفكير الفلسفي في الخلق إلا قليلاً، مع أن المفهومين متكاملان تماماً، ولعلَّ وجود الشريعة المفصلة في الإسلام هو الذي عتَّم على دور الفهم الروحي للكون؛ لأن الفهم الفلسفي هو الشريعة التي يقول بها هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

في القرآن مثلاً حين يُذكر المطر الذي ينزله الله - عز وجل - لإحياء القرى يذكر بشكل ملازم للأنبياء المرسلين المبعوثين لهداية هذه القرى، وكأنَّ المطر هو انعكاس لرسالة السماء؛ فهو ربط بين أحد آيات الكون والرسل؛ حيث إنَّ هذين الأمرين متلازمان (الفرقان).

إنَّ مفهوم الإله الواحد في الفكر اليهودي، وبشكل أقل وحدانية في الفكر المسيحي، يربط الإنسان ربطاً مركزياً باتِّجاه نقطة تركيز واحدة، أو نقطة انطلاق واحدة، وتظهر ألوهيَّته بشكل أحاديٍّ مركَّز إذا صحّ القول. المسلمون كذلك، تبنُّوا بشكل أو بآخر هذا المفهوم أو الفكر، رغم تأكيد القرآن الكريم على شموليَّة مفهوم الله - جل جلاله - وحضوره الدائم المنتشر. إن هذا المفهوم السلبي لهذه العقيدة أدَّى إلى ظهور فرديَّة إنسانية مرضية في المجتمع، كنقيض للفكر الجماعي الذي يجب أن يكون أقوى من الفردية السلبية. فدين الإسلام هو قبل كل شيء دين جماعي كما يقال، ولكنَّنا قد افتقدنا هذا. أما الكتاب الذي بين أيدينا فهو يركِّز على مفهوم الداو كوجود عام شامل منتشر، ولا يركِّز على أي نقطة واحدة أو مركزية، وهذا ممَّا أدَّى إلى جماعية شعوب الشرق الأقصى كانعكاس لهذا المفهوم إلى حدٍّ كبير، والله أعلم.

إن فهمنا الخاطئ لهذه الأحادية أدَّى لظهور فردية مرضية في كل نواحي حياتنا، مما جعلنا نفشل في كل عمل جماعي، بينما تنجح شعوب الشرق الأقصى، وحتَّى الإسلاميَّة منها (إندونيسيا، ماليزيا)، في التخلص من الفردية المرضية. وأودُّ أن أؤكِّد أنَّنا نحن الذين كنا يجب أن نتَّصف بهذه الجماعية الإيجابية، ولكن للأسف افتقدنا هذا تماماً وطغت فرديتنا السلبية على كل رباط جماعي نتيجة لمفهومنا الأحادي الفردي المركز الخاطئ عن المفهوم الإلهي.

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.