دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

لقاء سابق مع المفكر المصري الدكتور حسن حنفي رحمه الله

الأحد, October 24, 2021
كاتب المقالة: 

يعتبر المفكر المصري الدكتور حسن حنفي، رئيس قسم الفلسفة في جامعة القاهرة، من أبرز دعاة التجديد في مصر والعالم العربي، ويتبنى تفسيرا مغايرا للفقه الإسلامي بغية تحقيق العدالة الاجتماعية ومواجهة تداعيات العولمة المتوحشة ضد الإنسان.‏‏

وقد صدر للدكتور حنفي نحو خمسين كتاباً في الفكر الإسلامي أشهرها ( التراث والتجديد)  و ( من العقيدة إلى الثورة ) و ( حوار الأجيال ) و ( ومقدمة في علم الاستغراب ) و ( موسوعة الحضارة العربية الإسلامية ) .

التقيناه في دمشق التي زارها الأسبوع الماضي للمشاركة في مؤتمر العروبة والمستقبل.. وكان هذا الحوار:

 

.. من المعروف أنك أحد أهم الدعاة الى تجديد الفكر الإسلامي.. فما هو مفهومك لهذا التجديد؟

 

ما قصدته بالتراث والتجديد هو حل الأزمة الراهنة التي نحياها، فنحن نعيش في عصر، ونتعلم تراثاً دوِّن في عصر مضى. نعيش في مواجهة الاستعمار والقهر والتخلف والفقر والتجزئة والعشائرية والحروب الأهلية والتبعية ولامبالاة الناس، ولكن عندما نقرأ التصوف القديم والفقه القديم لا نرى أنه يعبّر عن هذه الأشياء، لأنه كتب ودون عندما كنّا منتصرين، وبالتالي أصبحت ثقافتي وعالمي في ميدانين مختلفين، فالثقافة القديمة والتراث القديم الذي تعلمه للناس لا يساعدهم كفاية. فالفارابي أو الكندي في واجهة الإسلام تعاملوا مع اليونان أو الرومان، ولكني الآن أتعامل مع الغرب الحالي، والأمر مختلف كل الاختلاف، وإذا بقيت أحكي للطلاب عن نظرية الأفعال فسوف ينامون في قاعات الدرس لأنهم لا يعرفون العلاقة بين هذه النظريات القديمة والواقع الذي يعيشونه، وهكذا في الفقه، فإذا أخذنا كتاباً قديماً عن الطهارة أو الصيام أو الحج.. إلخ، فمن منا لا يعرف كيف يتوضأ؟ وكيف يصلي؟ ولكن أين المعاملة؟ أين الاقتصاد والتجارة الخارجية؟ أين القطاع العام والقطاع الخاص؟

والأمر نفسه بالنسبة إلى التصوف، إذا بقيت أعلم الناس الزهد والصبر والورع فأين المقاومة؟ وأين المعارضة؟ وأين الرفض؟ في زمان التصوف ربما عندما استحال تغيير الواقع آثر بعض الناس تغيير النفس بعد أن استشهد أئمة أهل البيت، ولكن الواقع الراهن ليس ميؤوساً منه إلى هذا الحد. فقد قمنا بحركات ضد الاستعمار. ثم يمكن إعادة النظر في التصوف من جديد وإدخاله كحركة تقدمية تاريخية.

 

* هل يعني هذا أنك تنادي بالقطيعة مع التراث؟

لا.. لا أقصد هذا، فالعيب موجود فينا، وليس في التراث. القدماء اجتهدوا فقهاء وصوفية ومتكلمين ومفسرين وكتاب سيرة.. إلخ فلا أعيب عليهم اجتهادهم، وإنما أعيب على نفسي أنني لم أستأنف هذه الأشياء بعد ألف عام من التدوين الأول. لذلك أعدت بناء التراث القديم ليس بهدف إحياء التراث القديم، وإنما بهدف تغيير الواقع من حيث اللغة، ومن حيث مناهج التدريس، ومن حيث الرؤية، ومن حيث البؤرة والمحور وأركز على الإنسان والأرض والمعارضة.

وبدأت أطبق ذلك علماً علماً، فكتبت في علم الكلام كتاب " من العقيدة إلى الثورة" ، وكتبت في علوم الحكمة " من النقد إلى الإبداع" ، كما كتبت " من الفناء إلى البقاء" مراعين بناء التصوف حتى أساعد الناس على البقاء في العالم وليس الخروج منه! ثم " من النص إلى الواقع"  لأعيد بناء علم أصول الفقه القديم معطياً الأولوية للواقع كما أوضحت في »أسباب النزول«، من أجل أن ينشأ جيل جديد يستطيع أن يقرأ تراثنا، ويجد صداه في نفسه بدلاً من أن يقرأ تراثاً قديماً لا يجد معه أي صلة فيتجه إلى الغرب، ويتجه إلى العلوم الحديثة، وتزداد المسافة الفاصلة بين أنصار الغرب وبين أنصار القديم، ويقع النضال بين الإخوة الأعداء كما هو الحال في الجزائر وفي مصر وفي العراق.

إذن مهمة هذا المشروع هي الحرص على استمرار الأمور في التاريخ، وإعلان شأن الاجتهاد، ونحن لسنا أقل شأناً من الفلاسفة القدماء أو الفقهاء أو المتكلمين.

 

* هل يمكن الحديث عن مشروع ثقافي إسلامي في هذه المرحلة؟

هناك مشروع ثقافي إسلامي بدأ منذ أكثر من مئة عام مع محمد عبده، وحسن البنا، ورشيد رضا، وقاسم أمين، وعلال الفاسي، ورشيد الإبراهيمي، وعبد الحميد بن باديس، وعبد الرحمن الكواكبي، ومحمد إقبال.

لقد حاول كل هؤلاء وغيرهم طرح مشروع ثقافي إسلامي حديث يربط بين النظرية والعمل، بين التجديد الفكري والنضال الاجتماعي والسياسي، ولكن حدثت بعض الظروف جعلت الإصلاح يتراجع شيئاً فشيئاً. فبعد فشل الثورة العرابية في مصر مثلاً عام 1882 فإنّ محمد عبده انتقل من الثورة السياسية التي قادها الأفغاني إلى التركيز على التطور الاجتماعي البطيء، وإحياء اللغة العربية، وإصلاح المحاكم الشرعية. ولما قامت ثورة كمال أتاتورك في تركيا عام 1924 خشي رشيد رضا سيطرة العلمانيين باسم الإصلاح، كما حدث في تركيا فارتد سلفياً محافظاً على الإسلام، وعندما اصطدم الإخوان المسلمون بالثورة المصرية عام 1945 نزل الإخوان تحت الأرض، وخرج الإسلام منتقماً يريد الثأر من العلمانية والناصرية والقومية والليبرالية... هذا الهم الذي نحن فيه حتى الآن.

وهناك تيار آخر ليبرالي وهو الذي قاده الطهطاوي، وطه حسين، والعقاد، وغيرهم، وقد أعجب هؤلاء بالليبرالية الغربية ثم حاولوا قراءتها قراءة إسلامية.

إذن هناك اجتهادات، ولكن هذه الاجتهادات جعلت الغرب مثالاً للتحديث، فما زال النمط المرجو سواء في الإصلاح الديني أوفي الفكر السياسي الليبرالي أوفي البناء العلماني" الملكية، الدستورية المقيدة، التعددية السياسية، النظام البرلماني " كما حاول كل طرف أن ينتقي من السيرة والتراث ما يساعد على اختياره الفكري والسياسي.

 

* الآن وبعد ما سمي بـ " الصحوة الإسلامية"،  هل يمكن الحديث عن تبلور للمشروع الثقافي الإسلامي؟

بعد الصحوة الإسلامية لسنا في حاجة إلى قراءة ليبرالية أو قومية للتراث، وإنما نحن بحاجة إلى إعادة بناء التراث، واختيار أحد أجزائه من أجل إعداد الأمة لفترة قادمة بعد فترة حركة الإصلاح الديني تكون الثقافة الإسلامية فيها هي الأساس في المجتمعات التراثية، ويكون التراث المكوِّن الرئيس لأيديولوجيتها السياسية ولإعطائها وثيقة شمولية للعالم، وفي ذات الوقت يكون هو الحامل لبرنامج وطني عام يحقق برنامجاً إصلاحياً يكون الإسلام فيه هو المكون الرئيسي، ويحاور بقية التيارات. كما حدث في بداية الثورة الإسلامية في إيران عندما كان الإسلام هو البوتقة التي انصهر فيها الشيوعيون، والماركسيون، والليبراليون، وحركة تحرير إيران، وأنصار مصدق.

فالإسلام قادر على أن يكون هو الوعاء، كما كان قديماً عندما آخى بين المهاجرين والأنصار، وبين الأوس والخزرج، وكل القبائل تحت ما يسمى التصور الإسلامي العام الذي يتسم بالتعددية الفكرية والحوار بينها والاتفاق على برنامج عمل وطني واحد.

 

   ـ ذكرت بعض الأسماء التي أسست حركة الإصلاح الديني أو المشروع التقدمي الإسلامي، ولكن ماذا عن الأسماء والمفكرين المعاصرين؟

هناك العديد من الشخصيات المعاصرة والهامة.. راشد الغنوشي في تونس، وكمال أبو المجد، وفهمي هويدي، وطارق البشري، وغيرهم الكثير. وهناك أسماء في تركيا و أندونيسيا والهند وماليزيا وآسيا الوسطى والجزيرة العربية.

وهناك بشكل عام محاولات، ربما ليست لأسماء لامعة، ولكنها حركات ومجموعات من الشباب تحاول قدر الإمكان الخروج من الأزمة الراهنة بتجديد الفكر، ولكن لا يعرف بعضها بعضاً ما فيه الكفاية. لذلك فكرت في الآونة الأخيرة بإصدار بعض الأعداد من مجلة " اليسار الإسلامي" بشكل أعداد وثائقية بحيث إنك تنشر في منبر واحد كثير من الكتابات التي تنتشر في العالم الإسلامي حتى يعرف بعضنا بعضاً، وبالتالي يكون لنا منبر مستقل نحاول قدر الإمكان أن نخرج فيه هذا اللون الجديد من الفكر الإسلامي بالرغم من صعوبات التوزيع.

وعلى كل حال فالعالم الإسلامي محصن ضد نوعين من الخطاب:

الأول: الخطاب الإسلامي التقليدي الذي يعرف كيف يقول، وكيف يخاطب الناس بالإسلام وبالتراث، ولكنه لا يعرف ماذا يقول.

الثاني: وهو الخطاب العلماني الذي يعرف ماذا يقول، لكنه لا يعرف كيف يقول.

ونحن الآن نحاول أن نجد خطاباً ثالثاً يعرف ماذا يقول، أي يستعمل الثقافات المتوارثة من القدماء، ويعرف كيف يقول بمعنى لا يقول إلا ما يتعلق بالمصالح الهامة.

 

  • ما هي الأولويات بالنسبة لهذا التيار الآن ؟

أولاً: أولى الأولويات هي الحرية الفكرية، فلا أحد يمتلك الحقيقة لوحده. كلنا يجتهد الرأي. نخطئ ونصيب ونتحاور، ولكن قضية الاستبعاد والتخوين والتكفير يجب أن تنتهي. فلا بد من فسح المجال أولاً لأكبر قدر ممكن من الاجتهاد. ومن ثم عدم إبعاد أحد بما فيهم الماركسيون والعلمانيون وكل الناس. فالناس لجأت إلى الماركسية والليبرالية والقومية في غفوة من الزمن عندما قرؤوا التراث القديم فوجدوا فيه أحكام الحيض والنفاس، أو فقهاء السلطة، ولما رفضوا ذلك لم يجدوا إلا الماركسية أو الليبرالية. ولكن في الوقت الذي سيجدون فيه الخيار الثالث الإسلام الثوري، والإسلام الاجتماعي، والإسلام السياسي فسوف يأتي إليه الناس.

ثانياً: الحوار الوطني، فالفكر ليس جريمة، نحن نعيب على الناس العنف، وإراقة الدماء. هذه الدماء التي حرّمها الله عليك بما في ذلك دماء الكفار وأهل الكتاب، لأنهم يعيشون في كنفنا، وبالتالي ما دمنا ندعوا الناس بالحسنى ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونجادل بالحسنى وننصح بالحسنى فلماذا نغلق الأبواب؟ فالفكر ليس جريمة، والدعوة إلى الحوار ليست جريمة. فهذه الأمة أمة للجميع، كما كان الحال في ميثاق أهل المدينة، والحوار الصريح المتبادل هو نقطة البداية. فإذا احترم بعضنا بعضاً، وفهم بعضنا بعضاً، ولم يخوّن أو يكفر بعضنا بعضاً ما أهون أن نجابه عند هذا التحديات الرئيسة لعصرنا.

ولكن طالما بقيت لغة التكفير والاستعباد، و" أنا الوحيد المؤمن الوطني"، والكل يريد أن يتخلص من باقي الفرق حتى يستأثر بالسلطة، وتقوم عليه الانقلابات، وتتحول السلطة بالتالي إلى هدف بذاته.. طالما بقيت هذه الأمور فإنّ الاستعمار باق والتخلف باق والقهر يسود الجميع.

 

* ـ   الفكر الإسلامي المعاصر، هل هو فكر واحد في مشرق العالم العربي ومغربه؟

بالطبع لا، ولا يمكن أن يكون الفكر الإسلامي المعاصر فكراً واحداً في مشرق العالم العربي ومغربه، لأن الفكر الإسلامي بطبيعته متعدد، وهناك حق الاختلاف الشرعي، ولا يوجد مذهب واحد ولا فلسفة واحدة. فالإسلام بطبيعته تعبير عن الالتقاء بين الإسلام كما هو موجود في القرآن والسنة وبين السياق التاريخي والاجتماعي للأمم والشعوب. هناك قواسم مشتركة بطبيعة الحال من خلال التوحيد، ولكن هذا التوحيد يتجلى في سياقات تاريخية واجتماعية مختلفة في المغرب العربي، وفي مصر، وفي بلاد الشام، وفي الهند.. إلخ والإسلام في الغرب وفي الصين وفي اليابان.

فالإسلام بطبيعته متعدد لأنه لا يأتي لينتزع الأمة من ثقافتها المحلية بل يتحد معها ويطورها. فأسلمة الملايو هي تأكيد على الهوية الثقافية الماليزية، وأسلمة أفريقية هي تأكيد على الهوية الأفريقية باسم الإسلام.

 

* ـ   ما هو نوع الحضارة التي يطمح الإسلام إلى بنائها اليوم؟ وما مدى علاقتها بالحضارة الإسلامية السابقة؟

الإسلام يتجدد مع كل عصر، والتراث الإسلامي هو مجموعة الإجابات التي تطرحها الأسئلة في عصر ما، فهناك أسئلة مطروحة من عصر الاستعمار حول: القهر، التخلف، الوحدة، التنمية، الهوية، تجنيد الجماهير. فهل الإسلام قادر على أن يجيب على هذه التساؤلات الهامة؟! يجب هنا أن نأخذ كل الإجابات الممكنة التي قالها القدماء، وأجريها على الأسئلة المطروحة. فلو وجدت فيها ما يفيد اتبعها، وإذا كان هناك إجابتان اختار القدماء واحدة منهما ووجدت أن الأخرى هي الأفضل أختار هذه الأخيرة. القدماء اختاروا الأشاعرة، وأنا قد أختار المعتزلة لأنها الأقرب إلى الفعل. القدماء اختاروا الشافعية، وأنا قد أختار المالكية لأنني أريد أن تكون المصلحة أساس التشريع. القدماء اختاروا مثلاً في الفقه إعطاء الأولوية للعبادات على المعاملات؛ لأن الإسلام كان ولا يزال طرياً، وأنا قد أعيد بناء الأولويات، وأعطي الأولوية للمعاملات على العبادات.. إلخ وحتى لو لم أجد بدائل في القديم أُبدعُ إجابات جديدة وعلوماً جديدة وفقهاً جديداً ومذاهب سياسية تتعامل مع القطاع العام والقطاع الخاص والربح وفائض القيمة... إلخ.

لقد استطاع القدماء أن يتعاملوا مع أفضل الحضارات القديمة: الرومانية، الهندية واليونانية والفارسية والصينية وأخرجوا لنا حضارة لم نستطع حتى الآن أن ننشرها كلها. فالإسلام قادر على أن يستجيب لتحديات العصر ويجيب على الحضارة الغربية والشرقية، ولكن القضية فينا نحن هل استطعنا أن نخرج من التقليد سواء تقليد القدماء أو تقليد المحدثين؟ هل لدينا ثقة في النفس؟ وهل لدينا طموح ثقافي حضاري؟ هل نشعر في أي مرحلة من التاريخ نحن نعيش؟ هل نحن أصحاب دار أم متفرجون من الخارج؟ هل نستطيع أن نخلص ونقدم كما أخلص القدماء وقدموا؟ أم نحن طلاب شهوة وسلطة ومال؟

 

  كيف تفهم الإسلام السياسي؟

ـلعبادات والعقائد والشعائر. فالإسلام هو نظرة متكاملة إلى الحياة والفرد والمجتمع، وأنا مع هذا المصطلح الذي يشير أيضاً إلى الجماعات الإسلامية التي تحاول تغيير الواقع عن طريق العنف أو بدون عنف. فالإسلام عند الأفغاني ومحمد عبده إسلام سياسي، وكل الحركات الإصلاحية تدخل في إطار الإسلام السياسي.

 

* ـ  وكيف ترى موقف الإسلام من التعددية والديمقراطية؟

   إذا كانت الديمقراطية تعني عدم التكفير والتسليم بوجود وجهات نظر مختلفة لها حق التعبير فالإسلام مع هذا، وإذا كان المقصود بالديمقراطية هو أن لكل إنسان الحق في أن يعبر عن رأيه فأنا من أنصار استعمال هذه الألفاظ وإعطائها معانٍ إسلامية.

 

*   هل يقبل الإسلام بوجود أحزاب علمانية؟

   الإسلام لا يمنع من تكوين تيار ماركسي أو علماني أو ليبرالي مادام له اجتهاده، والإسلام قادر على أن يحاور هذه التيارات، وأن يدخل معها في حوار؛ الحجة بالحجة، والبرهان بالبرهان، ويترك للناس بعد ذلك أن تختار أياً من البضاعتين أقرب إليها لتحقيق مصالحها العامة.

 

 *   كيف تنظر إلى مسألة العنف في الإسلام؟

   العنف في الإسلام مفروض على الأمة سواء في الماضي أوفي الحاضر. والعنف نوعان: عنف مستتر، وعنف علني.

العنف العلني: هو ما تذكره الصحافة: فلان قتل فلاناً، أو فلان ألقى قنبلة، أو سيارة انفجرت.. إلخ

أما العنف المستتر: وهو الأخطر والأهم فهو ذاك العنف الذي يمارس ضدي في كل مكان. فمثلاً لم يستشرني أحد في النظام السياسي الذي أعيش فيه، فهو مفروض عليّ إما بانقلاب عسكري، أو بملوك ورثوا الحكم عن آبائهم وأجدادهم، ولم يستشرني أحد في النظام الاقتصادي الذي أعيش فيه، أوفي الأجر الذي أتقاضاه، ولم يستشرني أحد في قضايا الحرب والسلام، ولا في أي من القوانين التي تفرض عليّ كل صباح. وبالتالي فأنا تحت العنف اليومي المستتر لأنه لا حرية لي في شيء. فالعنف الظاهر يأتي هنا كوسيلة لإثبات الوجود.

لو كنت شاباً في العشرين من عمري فلن أطيق صبراً، ولن أجد وسيلة إلا أن آخذ سلاحي بيدي، وبالتالي العنف الظاهر هو ردة فعل على العنف المستتر، ومنه البطالة والفقر والقهر وعدم وجود مسكن، وعدم وجود قانون يحترم الناس.. إلخ.

وهذا لايعني أني أدعو الناس إلى العنف المباشر، لا، ولكنني أدعو إلى تفهم أسباب هذا العنف، ولكن في الوقت الذي يصبح فيه لكل إنسان الحق في الاختيار وحرية التعبير، ووجود مستقبل أمامه يساهم في صنعه عندها سيتلاشى العنف.

 

 

  • كيف ترى العلاقة بين الإسلام والغرب في ضوء الأوضاع الحالية؟

إن كل شيء في حقيقة الأمر إنما هو تراكم تاريخي وذاكرة جمعية. الغرب لا ينسى أبداً أننا أخذنا وفتحنا المستعمرات الرومانية القديمة، وأن روما كان لها الشام والمغرب العربي، وعندما خرج الإسلام من الجزيرة العربية وفتح الشام ومصر وذهب إلى الأندلس أصبح الغرب يكنُّ لنا نوعاً من الكراهية لأننا قلصنا الإمبراطورية الرومانية. لذلك بدأت الردة علينا أثناء الحروب الصليبية، وجاؤوا يريدون استعادة القدس من جديد. ولله الحمد فقد تخلصنا بفضل صلاح الدين من الحروب الصليبية الاستعمارية. وعندما ضعفنا من جديد جاء الاستعمار الغربي الحديث واستعمر الدول العربية، وبدأ يعيد الكرة من جديد، وبعد حركة الاستقلال الوطني تحررنا منه. والآن هاهو الاستعمار يطل من جديد على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي، وها نحن نزداد تبعية ونفقد شيئاً فشيئاً ما حصلنا عليه أثناء حركات التحرر الوطني.

بيننا وبين الغرب نوع من الأخذ والعطاء التاريخي. يأتوننا محتلين مسيطرين، ونحن نحاربهم ونستقل، وهذا ما يحدث أيضاً على مستوى الثقافة، فقد كنا نعتبر اليونان قديماً معلمين، بعد ذلك ابتدعنا علومنا وأصبحنا معلمين للغرب، ومن ثم أصبح الغرب هو المعلم ونحن التلاميذ، وهكذا..

بيننا وبين الغرب علاقات تقوم على الحب والكراهية في الوقت نفسه، ونحن على ضفة بحر واحد هو البحر الأبيض المتوسط. إذا قوي الشمال استولى على الجنوب، وإذا قوي الجنوب نهض أمام الشمال.

 

* هل كان الهدف هو تجديد هذه العلاقة في كتابك " مدخل إلى علم الاستغراب" ؟

في اللحظة الراهنة الغرب هو مصدر العلم والثقافة والمعرفة، وبالرغم من استقلالنا فنحن ما زلنا نتعلم، والأمور تشتد والمسافة بيننا تتسع والغرب يلف علينا من الوراء فإذا حاولنا قدر الإمكان بعد أن نشجع الذات العربية والإسلامية على الاجتهاد والتحرر من آثار الماضي أصبحنا نخاف على هذا التحرر أن يضيع بتقليد الغرب، وكأننا خلصنا الذات العربية من تقليد القدماء فوقعنا في تقليد جديد هو تقليد الغرب. ولذلك قمت بمحاولة في كتابي» مدخل إلى علم الاستغراب «لكي أحرر الذات العربية والإسلامية من احتمال تقليد الغرب، وأعيد الغرب إلى حدوده الطبيعية، وأبيِّن أن ثقافته ليست بالثقافة العالمية، بل هي ثقافة تاريخية محلية. وأن الإنسان يستطيع أن يحدِّث مجتمعاته دون تقليد النموذج الغربي حتى أفسح المجال للإبداع الذاتي للشعوب، وأدرس تطور الغرب وبناءه وعقليته ومجتمعه وأرسخ جذور هذا العلم " الاستغراب" كما أسس القدماء علم الاستشراق عندما كنت أنا الموضوع والغرب يلعب دور الذات. الآن أنا الذي يقوم بدور الذات، ويصبح الغرب هو الموضوع كي أستطيع أن أتعامل مع الغرب على مستوى الندية، وأطور نفسي من مستوى التلميذ إلى مستوى المعلم، وأحاول قدر الإمكان أن أنقل الثقافة والعلاقة مع الغرب من مستوى التلميذ إلى مستوى الدراسة والتحليل وأحوِّل الغرب من كونه مصدراً للعلم لأن يصبح موضوعاً له.

 

* إلى أي حد يمكن أن ينجح هذا الأمر وما مدى تأثيره في العلاقة مع الغرب؟

** كما أشرت بعد أن تعلمنا من اليونان بدأنا ننتقد العلوم اليونانية، وكتب ابن الوزير " ترجيح أساليب القرآن على منطق اليونان"، ونحن الآن ننقل من الغرب منذ 002 عام فإذا بدأنا بنقد الوافد وكان نتاج عملنا دقيقاً فإنه يفرض احترامه على الأوساط العلمية الأكاديمية مثلما فعل مارتن برنار عندما كتب كتابه " أثينا السوداء" والذي بيّن فيه المصادر الأفريقية ـ الآسيوية للحضارة الأوربية، وهو كتاب ضد أسطورة أن اليونان مبدعو الحضارة، وأنهم لم يسبقهم أحد. لقد بيّن مارتن أنهم تعلموا من آسيا وفينيقيا وحضارة الشرق القديم ومن مصر إلخ.

كان الكتاب موثَّقاً توثيقاً جيداً لم يستطع أن يرد عليه أحد، وكذلك كتاب " علم الاستغراب" الذي ترجم إلى الإنكليزية والفرنسية. طالما أننا نقدم أبحاثاً علمية جادة وليست ادعائية فأظن أنه سيكون لها أبلغ الأثر على مدى عدة أجيال. كما كان الاستشراق الذي كان في القرن التاسع عشر. والآن تحول الاستشراق إلى العلوم الإنسانية، وبدأ يصبح أكثر علمية ودقة، وأخذ يتخلى عن الأحكام المسبقة. وقد احتاج هذا الأمر إلى 300 عاماً وأنا الآن أتجاوز أدب الرحلات والانطباعات إلى علم دقيق وسوف نحتاج بالطبع إلى عدة أجيال أخرى حتى يصبح ذلك العلم أحد التيارات الرئيسة.

 

* ـ كيف تنظر الى مسألة الحداثة من موقعك كـ مفكر إسلامي؟

لفظ الحداثة لفظ غربي يكثر استعماله في هذه الآونة حتى يبين المثقف العربي أنه مطلع على آخر موضات العصر.

وأنا لا أحبذ هذا اللفظ " الحداثة ". وماذا بعد الحداثة؟ وإذا لم أستعملها لن أصبح أقل علما،ً وإذا استعملتها لا أصبح أكثر ثقافة، ولكن على أية حال بعضهم يحاول طرح موضوع الحداثة من جديد، حتى يبينوا أن الإسلام غير قادر على التأقلم، ولكن الإسلام وعن طريق الاجتهاد، هو أكبر دين حداثي لأنه يعطي الفرع شرعية الأصل، وهو يعترف بالزمان والمكان، ويعترف بالتطور، وأن إجماع كل عصر غير ملزم للعصر القادم، وأن الاجتهاد أصل من مصادر التشريع، وهذه روح الحداثة، وكما قال محمد إقبال: الاجتهاد هو روح الحركة في الإسلام.

لدينا الاجتهاد، وهو اللفظ الذي أفضله، ولا أفضل لفظ الحداثة، فحداثتي من الداخل، والمصالح متغيرة والمصلحة أصل التشريع. أما الحداثة الأوربية فقد أتت في ظروف خاصة، وفي فترة خاصة بعد أن تمتع الغرب بالنهضة الحديثة، وهو يحاول الآن أن يطرح الحداثة وكأنها استعمار جديد يَردُه الناس ثم يصدرون عنه وقد خرجوا من ثقافتهم الوطنية.

  • وأين تقع مسألة التقريب بين المذاهب في اهتمامكم؟

يجب أن نفرق بين الماضي والحاضر بمعنى أنني لا أتكلم على الإطلاق عن السنة والشيعة. كل هذه الأمور كانت عبارة عن خلافات في وجهات النظر تعبر عن فردية سياسية انعكست في التراث.

أما الآن فأنا لا أعرف ما هو الفرق بين السنة والشيعة إلا إذا كنت متخصصاً، ولكن لو سألت الناس: ماذا تعني السنة أو الشيعة أو الخوارج؟ لرأينا أنهم لا يعرفون شيئاً. وبالتالي يجب أن نعود إلى طبيعة الإسلام الأول، ونسمح بقدر أكبر من التعددية. ولكن أن تقول لي من كان أحق بالخلافة الإمام علي أم معاوية؟ أقول هذه مسألة عفا عليها الزمن، وتلك دماء حرمها الله وبالتالي فأنا أتجاوز المذهبية والطائفية والعشائرية، وأدافع عما يسمى الأقليات. فليس من المعقول ما يحدث للأكراد مثلاً وهم في كنفنا، والإسلام يكفل لهم الحق الكامل في التمتع بحرياتهم والدفاع عن أنفسهم في إطار الأمة الإسلامية الكونفدرالية، ومن ثم لا يوجد عندنا أقلية وأكثرية. بل يوجد الحق والقانون العام والشريعة. والاختلاف لا يجب أن يكون على وقائع ماضية بل يمكن أن نختلف كيف نحقق أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية والمساواة، ونختلف على نظام الأجور، وعلى القطاع العام والقطاع الخاص، ونختلف على التجارة الداخلية والتجارة الخارجية، ولكن استدعاء النعرات القديمة مضر للأمة ولمصالحها.

 

  • وماذا عن مسألة الحوار بين الأديان التي تتعالى هذه الأيام؟

إذا كان الحوار بين الأديان يهدف إلى تحقيق السلام والعدالة للبشر فلماذا وقف الغرب ساكناً أمام مذابح البوسنة والهرسك؟ ولماذا وقف الغرب ساكناً أمام مذابح الشيشان؟ ولماذا وقف ساكناً، دون حراك، أمام مذابح الفلسطينيين في جنوب لبنان وفي الضفة.. ولماذا يقف الان امام ما يحدث في غزة؟ ولماذا وقف متفرجاً في كشمير؟

الحوار ليس معناه أنك تعطيني كلمتين وقبلتين وتقول: إننا إخوة، وفي الواقع أنك تنفرد وتستغل وتريق الدماء!

يجب ألا نفرق بين الحوار النظري والتطبيق العملي، وكذلك فالحوار بين الأديان " الإسلام، واليهودية، والمسيحية" جديد. فلماذا يتعثر الحوار بين الشمال والجنوب؟ وعندما يحاول الجنوب أي العرب والمسلمون أن يحاوروا الغرب يقولون النفط. والسؤال الذي نطرحه لماذا النفط؟ وبالتالي ماذا عن أموال النفط؟ وماذا عن الاستثمار؟ وماذا عن نهب الاستعمار لنا في القرن الماضي؟

فالحوار لابد أن يكون شاملاً لكل شيء: الثقافة، الدين، السياسة، الاقتصاد، وذلك من منطلق الندية والمساواة في الحوار. لا أن تحاورني وأنت تستغلني. أو تحاورني وأنت لا تعترف بالإسلام كطرف محاور، وأن تحاورني وأنت تريد أن تطعنني في الخلف.. إلخ

فإذا كان المقصود بالحوار عملية تعمية ونفاق وتستر على ما يدور من مذابح في الأرض ضد المسلمين فأنا ضد الحوار.

الإسلام لا يفرق بين الدين والسياسة، بين العقيدة والشريعة، فالذي يريد أن يحاور.. يحاور في الدنيا والآخرة ولا يقتصر فقط على الآخرة.

 

المصدر: 
مجلة العالم اللندنية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.