كيف نظَّر عبد الله العروي للرّواية؟

الاثنين, September 14, 2020
كاتب المقالة: 

لاشكّ أن المفكر المغربي عبد الله العروي هو مفكّر جادّ ورصين، يتسم بالرؤية المتبصرة، ويمتلك القدرة على تمحيص القضايا بجرأةٍ قلّ نظيرها، ويتمتّع بمكانة مرموقة في المشهد الثقافي العربي نظراً لإصداراته المتميزة التي شملت الفكر والنقد والإبداع الأدبي عبر صنف الرواية. وقد تنتظرُ الساحة الثقافية العربية عقوداً طويلة إلى أن تسعد بمفكّر مثل عبد العروي، الذي يسبر في القضايا والإشكالات سبراً، ولم يترك أيّة قضية أو إشكالية إلّا وكانت له اليد الطولى فيها تحليلاً ونقداً.

تتّسمُ مؤلفاته الزاخرة بجهدٍ فكري مضنٍ، وبطابع الثراء النّظري، والاتِّساق المَنهجي، الشّيء الّذي مهّد له سُبُل الخوض في إشكاليات الفكر العربي المُعاصر بدقّة مصدرُها الكفاءة والفاعليّة. والأستاذ عبد الله العروي عُرِفَ بقُدرتهِ الفائقة على ضخِّ الحيويّة في شرايينِ السؤال الفلسفي وتجديد وسائل التحليل المنهجي، منذ صدور كتابه "الإيديولوجيا العربيّة المُعاصرة".

 

تسعى الأعمال الفكريّة للأستاذ عبد الله العروي إلى تدشين عهدٍ جديد في الفكر العربي المُعاصِر، لما تستنبِتهُ من إرهاصاتٍ تهجس بانبثاق مشروعٍ ثقافي يتأسّسُ على منازع فكريّة وفلسفيّة غايتُها رسمُ خارطة طريق تيسرُ للمُجتمعات العربيّة إمكانية تمثُّل أُسُس الحداثة وأصول المعاصرة.

لا أدّعي هنا القيام بدراسة نقدية لموقف العروي من الرواية العالمية والعربية؛ لأنني لم أؤتَ بعدُ العدة اللازمة لمقارعة فكر رجلٍ غزيرِ الاطلاع، عميق الفكر، واسع الأفق وواضح الرؤية. كما لا أروم تلخيص المجهود الفكري الجبار الذي قام به، عندما نظّر للرواية الغربية والعربية وطرحه لمواقفهُ بكل جرأة وموضوعية؛ لأن الأستاذ العروي يدخل مباشرة إلى صلب هدفه دون إطناب يشوش على ذهنية قارئه، أو حشوٍ يشكل غبشا حائلاً دون إدراك ما يودّ التعبير عنه.

ويمكن حصر قيمة جهدي في كونه بسطاً للقضايا والأفكار التي تثري هذا الموضوع، الذي تشكل دراسته سَفراً في دروب التراث العربي وتعمقاً في خضم الفكر المعاصر وجولة في تاريخ الأدب واستمتاعاً بالإبداع الأدبي. ولا شك في أن هذا الموضوع تلزمه دراسة متأنية ودقيقة، كما يحتاج إلى قراءات متنوعة؛ قصد وضع اليد على ما ينضح به من قضايا شائكة وملامسة حزمة من المفاهيم التي يجلو عنها كل ما يعتورها من سوء فهم وعسر تدبير.

تعد الرواية جنساً أدبياً مرموقاً يتجاوز عمره ثلاثة قرون تقريباً، وقد استطاع الوصول إلى جلّ بقاع العالم، وقد اختلفت الأنواع التي تنتمي إلى الرواية، إذ نجد الرواية التاريخية، الرواية البوليسية، الرواية الواقعية، الرواية الرومانسية، روايات الفانتازيا، ...إلخ. فهي ليست شكلاً أدبياً يقتضي حضور شخصيات كاريكاتورية، وأسلوباً منمّقاً تفنّن صاحبه في انتقائه وترويضه، أو تلهية المشتاق فقط، إنّما هي قضية بالدرجة الأولى، وتفترضُ تمتّع الكاتب بحبكة سردية محكمة تستهوي القارئ وتدعوه إلى السبر في أحداثها المتشابكة سبراً، وتتطلّب جهداً جهيداً من البحث المضنِ حول الموضوع المنفلت الذي يودّ الروائي الاشتغال عليه.

قبل الغوص في الحديث عن تنظير ونقد العروي للرواية العربية، التي قدّمت للمكتبات المئات من التحف الأدبية الرصينة والمتميّزة، التي ستظلّ عناوينها وأحداثها وشخوصها ترنُّ في ذاكرة القرّاء، يجب الوقوف عند طرحه المتعلّق بالرواية العالمية الغربية التي لها تاريخ عريق يسبق الرواية العربية، وبالتالي لا يمكن التعامي عنها، ولاسيّما أنّ الرواية العالمية هي التي منحت للروائيين العرب طرائق سردية حديثة، وقدّمت لهم الطرائق المحكمة لابتكار شخصيات يمكنها ملامسة جوهر القراء، واختلاق أحداث تجعل القارئ متلهفاً لمعرفة النهاية، دون نسيان دور اللّغة الشاعرية التي تكون إضافةً نوعيّة للعمل، ليصبح متميّزاً ويلقى شهرةً واسعة قد تجعلهُ مؤهلاً لجائزةٍ عالمية. اخترت كنموذجٍ للرواية العالمية عبقري الأدب الروسي فيودور دوستويفسكي الذي خلّف إرثاً أدبياً لا يُضاهى ولا يداس، وخير دليلٍ على علوّ كعبه هو أعماله التي لازالت تطبع لحدّ الآن. ناقش في رواياته قضايا أكثر تأريقاً، كقضية العدالة واحتكامها للدليل الملموس في روايته التي وسمها بعنوان: "الجريمة والعِقاب". نقرأ في هذا المضمار للأستاذ عبد الله العروي: "القاضي في الوضع الجديد، أيّاً كانت شخصيته، يحكم على الجميع اعتماداً على أدلّة وحجج يتفهمّها الجميع". في هذا الصدد ابتكر فيودور دوستويفسكي شخصية مهمّة في الرواية هو راسكولنيكوف بطل الرّواية والمتشبّع بالأفكار الليبرالية، والذي نفّذ جريمةٍ قتلٍ في حقّ عجوز، وكان الدافع وراء قتلها هو أنّه رأى من حقّه الاستيلاء على أموالها التي جمعتها بطرائق غير مشروعة عبر استغلال الفقراء والتجائها للربا. قدّم دوستويفسكي شخصية راسكولنيكوف على أنّه إنسان مثقف وطموح، رأى في مال العجوز منفعة للمجتمع، فأقدم على جريمته النّكراء. هنا تساءل عبد الله العروي قائلاً: "كيف نحكم على فعله: يعاقب أو لا يُعاقب؟ يعاقبُ؛ لأنّه قتل نفساً (في الواقع نفسين) بدون حقٍّ أم لا يُعاقب؛ لأنّه أنفع للمجتمع من الضحية". المسألة الأكثر تأريقاً من هذين السؤالين هي عدم وجود دليلٍ قوي ومباشر يقود إلى إدانته، حيث لم يترك وراءه أي مؤشرٍ مادّي قد يدفع الجهات المختصة لإلقاء القبض عليه، لكن ما أراد دوستويفسكي إيضاحه وإيصاله للقارئ، حسب عبد الله العروي هو: "العدل يقضي الانتقام من المجرم، حتى ولو لم يُخلّف مؤشراً مادياً على جريمته. كيف؟ بالعودة إلى الموقف؛ أي البحث عن الدليل النّفساني، شهادة المجرم على نفسه.

 

إنّ هذه الرواية تبيّن مدى حنكة دوستويفسكي الإبداعية، ولاسيّما أنه طرح فيها قضية أثارت في تلك الحقبة التي عاش فيها حمأة وضجيجاً، بعدما صار القاضي يؤمن بالدليل المادّي الملموس لإثبات الجريمة وإدانة مرتكبها، وهنا تكمن قيمة الرواية في المقام الأول. قد لا يختلف اثنان حول قوة دوستويفسكي الروائية، وكاسم دوّن اسمه بأحرفٍ لامعة في تاريخ الأدب العالمي، لكن لا يمكن اعتباره أيقونة الرواية العالمية أو قمّتها؛ لأنّ هناك أسماء قد تفوقه إبداعاً. يشاطرني هنا الأستاذ عبد الله العروي نفس الرأي، ويقول: "حين أعود إلى الكيفية التي كتب بها دوستويفسكي قصصه، يجب على الإنسان ألّا ينسى أنّ هناك دوافع شبه ماديّة تحكّمت في الكيفية التي تصوّر بها دوستويفسكي فنّ القصّة. كان مفروضاً عليه أولا أن يكتب رواية طويلة جداً، إذ، في القرن التاسع عشر، كان الكاتب يتعيّش من روايته. فعليه أن يكتُب رواية طويلة مليئة بالشخوص والمفاجآت والأدوار... إلخ. وهذه ظاهرة نعاينها عند ديكنز أو بلزاك... إلخ. ثانياً، إنّه لا يكتب الرّواية، بل كان يُمليها إلى حدّ أنّ زوجتهُ الثانية "آنا جريجوربيفنا" كانت هي الكاتبة التي تكتبُ ما يمليه على نحوٍ مختصر، ثم بعد ذلك تنشره. وهذا بالطبع له تأثير على تقنية الرّواية كونك تملي عوض أن تكتب بيدك وقلمك. ثالثاً، وهذا واضح بالنّسبة إلى من يقرأ الكتاب الذي يحمل عنوان يوميات كاتب، وهو عبارة عن مقالات كان ينشرها دوستويفسكي في مجلّة دورية (سنوية)... فمن يقرأ هذه المقالات، يرَ أنّ الأفكار الموجودة فيها، وهي أفكار سياسية واجتماعية وتاريخية، تتكلّم عن الجنس السلافي، وعن الدين المسيحي، وخاصّة الدين الأورثوذوكسي، عن علاقة السلاف بالجرمان والأتراك... إلخ". بالإضافة إلى أنّ دوستويفسكي كان يعيشُ حالة انغلاقٍ في كتاباته إذ تناول في جل أعماله الروائية قضايا تخصُّ روسيا لوحدها، وهي قضايا اجتماعية وتاريخية. هذا الانغلاق نفسه عاشه نجيب محفوظ في مجمل أعماله القصصية والروائية إذ تنقل في مختلف أزقة ومدن مصر دون أن يتجاوزها، كما أنه بقيّ محافظاً على وعده في التطرق للقضايا الاجتماعية المتعلقة بمصر محاولاً بجديّة كبيرة الغوص فيها وتحليلها، هذا الانغلاق وفي مقابله الانفتاح اجترح لهما المفكر الروسي - البريطاني أشعيا برلين (1909 - 1997) نظرية فريدة في الأدب، وهي نظرية: الكاتب القنفد والكاتب الثعلب، فالأول، يتميز بالعناد والتفكير الأحادي، ويكتفي بالحركة في نفس المكان دون أن يفتح أفقاً جديدا، على الخلاف الثاني، الثعلب، المتسم بالرؤية ذات الأوجه المُتعدّدة والذي يتجاوز الأمكنة مخترقاً الحدود. حتى لو خرجنا من البعد المجازي للواقعي، واعتبرنا الثعلب ماكراً، مناوراً، ومتمرّساً على الهجوم المباغت، فإنّه يحمل سمات مستحبّة عن سمات القنفد البطيء، والخمول. لهذا، فإنّني أرى أنّ الكاتب الثعلب يتفوق على الكاتب القنفد؛ لأنّ الذي يكتبُ، مثلاً، عن أمكنة لم يزرها مطلقاً قد يكون أكثر إبداعاً من الذي يتفنّن في وصف محيطه والمكان الذي يعيشُ فيه متناولاً قضاياه التي دائماً ما تتكرّر في أعماله عن وعي أو بدون وعي إلى حدِّ التخمة.

هذه هي مجمل الملاحظات التي قدّمها العروي عن دوستويفسكي، ومن الخطأ الادعاء أنّ الأستاذ عبد الله العروي يتحدث من فراغ، باعتباره مفكّراً كتب في الفكر والنقد، وأصدر ما يزيد عن أربع روايات: الغربة، اليتيم، أوراق، الفريق، وبالتالي فهو قرأ لـ دوستويفسكي بالعربية والفرنسية ويدركُ تماماً ما يقول. وقد أعلى من شأن تولستوي في مقابل دوستويفسكي، ولم يخفِ إعجابه الكبير بأسلوب تولستوي الرشيق، وبلغته الأنيقة، وبالقضايا التي تناولها في رواياته الرائعة، وبالجمال المسيطر على أعماله. كما لم يتوانَ الأستاذ عبد الله العروي في طرح موقف الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي تجاه دوستويفسكي، الذي بات يعتبرهُ البعض رمزاً أساسياً من رموز الرواية العالمية، وقد عبّر عن ذلك قائلاً: "كيف يمكنُ لكاتبٍ كبير مثله أن يكون أسلوبه بهذه السهولة، وعدم الدقّة في انتقاء الكلمات والتعابير المناسبة؟ وهذا واضح في رواياته، ومع ذلك نعتبرهُ من كبار الكتّاب، مع أننا لا نجد عنده جملة واحدة يمكن أن نعتبرها دقيقةً في تعبيرها"[5]. ما يمكن استشفافه من عودة العروي إلى ما قاله همنغواي في حقّ دوستويفسكي، إنّما هو تأكيدٌ على عدم براعة دوستويفسكي كروائي في نظره، وقد واصل العروي توجيه سهام النقد له، ونقرأ له في هذا المضمار: "عندما يقال، مثلاً، شاعرية دوستويفسكي، يجب أن نعلم أنّنا نتكلّم عن هذه الشاعرية كما لو كنّا نتكلم عن شاعرية فيلم أو مسلسل سينمائي، وليست شاعرية اللغة وإنّما شاعرية المناظر... على أيّ حال، في نظري، لا يمثل دوستويفسكي قمّة الصناعة الرّوائية، رغم أهميته".

بعد حديث عبد الله العروي عن الرواية العالمية، وهو في الحقيقة، تحدث عن نماذج عدّة لكنني اخترت أقربها نظراً للعلاقة الوطيدة التي تجمع فيودور دوستويفسكي بالقارئ العربي والمغربي على وجه التحديد. وفي خضمّ حديث الأستاذ العروي عن الرواية العربية، وقع اختياره على قمّة الرواية العربية نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1988م، ولم يسلم هو الآخر من نقد العروي الحاد الذي صرّح به في كتابه المثير للجدل الموسوم بعنوان"الإيديولوجيا العربية المُعاصرة"، الذي صدر في طبعته الأولى سنة 1967م.

ضمّت الرواية الغربية خلال القرن التاسع عشر، الواقعية منها أو الموضوعية، في نظر عبد الله العروي: "ثلاث لغات على الأقل: لغة عامّة يتمّ بها التواصل الاجتماعي وهي عماد الموضوعية، ولُغة خاصّة بالكاتب، فيها يتجذّرُ أسلوبه المتميّز، وأخيراً لغة تُشخّصُ كلّ واحدٍ من أبطال الرّواية". في حين أنّ الرواية العربية يؤكّد العروي خلوها من اللغات الثلاث التي ذكرها، حيث لا تتوفر سوى على لغتين، "واللغة الثانية، لغة التشخيص، لا تبدو إلّا لتختفي. مثّل نجيب محفوظ، المُستنَد على تقنيات الواقعية الروسية، النّموذج الأبرز للرواية العربية الحديثة وللواقعية منها، حيث تخصص في عرض مآسي المجتمع المصري والقهر الذي ينخره كما تنخر الدودة ورق العنب، واصفاً الهموم التي أكلت مجتمعه والمشاكل التي ابتلعته. تحدث العروي عن رواية السراب للروائي الكبير نجيب محفوظ، واعتبر عنوانها أنه يصلح أن يكون: "كعنوان عام لجميع أعماله". وتكلّم أيضاً عن روايةٍ أخرى لنجيب محفوظ نحت لها عنوان: المدينة الجديدة، ورأى العروي أنّها: "مجرّد سراب. لا يستطيع المرء، إذا كان ينتمي إلى البرجوازية الصغيرة، أن يدخلها، أن يستقرّ فيها، ويبقى كامل المُروءة مرتاح الضمير . إنّ التيار الذي اختار نجيب محفوظ الانتماء إليه هو محاولة مطابقة الموصوف للواقع، ولذلك تحلّى "بأسلوب الطبيعيين بما فيه من تشاؤم وتشبث بعلوم المادّة. لأجل الكشف عن الواقع في هذا الأدب لا مفرّ إذن من اعتبار النّموذج - المرجع".

قدّم العروي طرحاً مُؤداه أنّ أعمال نجيب محفوظ كانت تُسيطرُ على اهتمام الفتيانِ العرب؛ لأنّها تُقدِّمُ وصفاً دقيقاً للصعوبات التي تُصادفهم في حياتهم. وهذا المُحتوى الاجتماعي وما يتميّزُ به الأسلوب الواقعي من لا فنية أصيلة كئيبة. وفي ذلك تشديدٌ على عدم تجاوز أفُق البُورجوازية الصغيرة في نفي بُروز طبقة عُمّال الصناعة. ويُشيرُ الدكتور عبد الله العروي إلى أنّ أكبر المؤاخذات على الرّواية العربية أنّها لا تُقدِّمُ للقارئ بطلاً بالمعنى الكامل. البطل الذي يحنُّ إلى المدينة العتيقة، والّذي يرنو بفعلِ نضالهِ المُستميت إلى عهدٍ تتساوى فيه حظوظ الجميع.

يوردُ عبد الله العروي قضيةَ اللُّغة، مُتّخذاً من الرّوائيين الرّوس، مثالاً؛ لأنّهم جعلوا أبطالهم يتكلّمون باللغة الفرنسية، وهذا ما لم يرمهُ المُؤلفون العرب ومن ثمّة فرّطوا في أحد أركان الواقعية الاجتماعية. فالبُورجوازي العربي ملك تعنت وازدراء للأهالي ووضعيته الاستغلالية الطُفيليّة، فأصبح يعيشُ خارج مُجتمعه، غريباً عنه. وبذلك لا يُمكنُ ذِكرهُ مباشرةً في قلب الرّواية العربية. أمّا من يمكنُ ذِكرهُ فهو البُورجوازي الصغير الّذي يعيشُ بجوار الكاتب. من هذا المُنطلق يُؤكِّدُ الأستاذ عبد الله العروي أنّ الرِّواية العربية تَصِفُ الأطراف بشكلٍ سردي أُبْدِعَ أصلاً للتعبيرِ عن المركز. من ثمّة طغى عليها الميلُ إلى التجريدُ والتقرير والتصنُّع كما يُلاحَظ عند نجيب محفوظ.

ويُلاحِظُ الأستاذ عبد الله العروي أنّ نجيب محفوظ، لا يصفُ البُورجوازية الصغيرة، مُعتمِداً على قول عبد العظيم أنيس، وإنّما يصفُ المُثقّف الذي ينتمي إلى البُورجوازية الصغيرة. وبذلك لا يُرى صاحب السلطة الحقيقي في أعماله، وذلك لأنّ البُورجوازي لا يعيشُ على ضِفاف النّيل. أمّا المُثقّف البُورجوازي الصغير، فلن تكونَ حياتهُ روائيةً، بقدر ما تكون حنينيةً، وبذلك فهي جزءٌ من الرّواية فقط. ويُلفتُ عبد الله العروي انتباهاً إلى أنّ أعمال نجيب محفوظ تتّسمُ بالمُعاودة والتكرار بدلَ الاتِّساعِ والعُمق؛ حيث نجدُ نفس الشّخصيات، نفس العُقدة، ونفس الحوار. وإنْ ادّعى نجيب محفوظ أنّ بطلهُ هو الزمن، فالأستاذ العروي يحسبهُ مُحقّاً، إذا قصد بذلك الزمن المُجرّد والآلي شبهُ الساكن، زمنُ المُجتمعات التقليدية، وليس زمنُ البُورجوازية؛ حيث صناعةُ السلع وفائض القيمة.

 

يستنتجُ عبد الله العروي في الفصل الذي عنونه بـ: "إشكالية صيّغ التعبير" من كتابه: "الإيديولوجيا العربية المعاصرة": أنّ عمل نجيب محفوظ، يخضعُ في العمق إلى منطقِ الأُقصوصة وبأنّ الرواية العربية هي أقربُ إلى الرّمزية منها إلى الواقعية. كما يخلصُ إلى أنّ الأُقصوصة هي الشّكلُ الأدبي المُلائم لمُجتمعنا الذي يَغيبُ فيه أيُّ وعي جماعي. ويَستدرِكُ عبد الله العروي أنّ الكاتب العربي يغفلُ قضيّةً أساسية، وهي مُطابقة الشّكل للمضمون، وهو يتبنّى الأُقصوصة نمطاً تعبيرياً فيغزر إنتاجهُ دون نبوغ، نتيجة إطلاقه العِنان للمُحاكاة والتقليد.

حاولتُ هنا، قدر الإمكان، جرد وبسط أهم الأفكار التي أثارها الأستاذ عبد الله العروي، عندما نظّر للرواية الغربية عبر عدّة نماذج نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: فيودور دوستويفسكي، تولستوي، أمبرتو إيكو، إرنست همنغواي، إلخ. كما حاولت عرض مجمل أفكاره المتعلقة بالتجربة الروائية العربية، وتحدث عن عدة نماذج: حسين هيكل، المازني، إلخ... لكنّه ركّز كثيراً على تجربة نجيب محفوظ واصفاً إيّاه أنّها تجربة طبعها التكرار وترديد الموضوعات ودغدغة مشاعر الشباب الهائمين في الضياع الباحثين عن تمزّق وتلاشي البرجوازي الصغير. كما أنّ الأستاذ عبد الله العروي لم تعجبهُ لغة نجيب محفوظ رغم أنّه، يبدو لي، أنّه (= نجيب محفوظ) كان معتنياً باللغة وتضاريسها في أعماله القصصية والروائية، وقد تنال استحسان أيّ قارئ، لكن العروي رأى فيها لغة ضعيفة لا ترتقي إلى المستوى المطلوب. ما يعجبني في الأستاذ العروي هو أنه لم يبقَ منغلقاً في تحليل المصطلحات وابتكار حزمة من المفاهيم، وكذا الانكباب على مختلف الإشكالات المستعصية وتحليلها، وإنّما ارتمى في حضن الأدب والفنّ؛ لأنّه رأى فيهما آلية من آليات التعبير الجيّد عن وجود الإنسان. ظلّ عبد الله العروي يؤكد على عبقرية اللغة العربية؛ لأنّها تمنحه قدراً كبيراً من الحرية، ويتلذّذ بها، وهذا ما دفعه، كما قال مراراً، إلى كتابة كلّ رواياته بالعربية؛ لأنّ الفرنسية أو الإنجليزية لا تشحذانه بالعواطف الجيّاشة التي قد تمنحه زخماً قوياً لإبداع روايةٍ مميزة.

المصدر: 
موقع مؤمنون بلا حدود
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

10 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.