كتاب عون المريد في شرح جوهرة التوحيد

الأربعاء, June 7, 2017

الإسلام دين العقل والعلم والفكر، نطق بذلك أول ما أنزل الله تعالى من القرآن الكريم؛ إذ قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ } [العلق: 96/1] ، ونطقت به عشرات آيات من كتاب الله تعالى التي تذكر العقل واللب، وفي أواخر آيات ذكرت شواهد ودلائل على وجود الله تعالى ووحدانيته وكمال قدرته، وعلى نعمه وآلائه.

ولقد حرص المسلمون من قديم على تبليغ علم التوحيد إلى الناس على علم وهدى وبصيرة، بالوسائل المختلفة؛ من قول وفعل وتعليم، كما حرصوا على التدرج مع طلبة العلم في علم التوحيد "وسائر العلوم"، فعلوم الكبار إذا قدمت إلى الصغار قد تفسدهم وتفتنهم، لأنهم لا يدركون ما يتلقَّون، ومن أجل ذلك درج العلماء على التدرج في دروسهم وكتبهم من الوجيز إلى القواعد، إلى الشرح والحواشي والتعليقات.

وإنه لمن الحق الواجب أن ينبري علماء أصول الدين "التوحيد" في كل عصر، وفي عصرنا خاصة، ليبينوا الحق ويمحصوه، أمام تلك الأفكار والنحل والمعتقدات المادية والروحية التي خرج، ويخرج في المسلمين جهَّال منهم، ومنحرفون وضلاَّل دخلاء عليهم، أو كفار مارقون يريدون أن يدخلوا ذلك الفساد في عقائد المسلمين وقلوبهم، أو يجعلوها تعيش مع عقائدهم في قلب واحد، وذلك محال، وأنى يجتمع النور والظلام، أو يجتمع الإيمان والكفر في قلب؟.

قال الإمام التابعي الجليل أبو حنيفة - رحمه الله - في آخر (الفقه الأكبر): «وإذا أشكل على الإنسان شيء من دقائق علم التوحيد، فإنه ينبغي له أن يعتقد في الحال ما هو الصواب عند الله تعالى، إلى أن يجد عالماً فيسأله، ولا يسعه تأخر الطلب ولا يعذر بالوقف، ويكفر إن وقف».

- ولقد ألهم الله جل جلاله ذلك العالم الصالح، أبا الأمداد الشيخ إبراهيم بن إبراهيم بن الحسن بن علي اللقاني، من أعيان القرن العاشر، فصنف "جوهرة التوحيد" في ليلة واحدة، والتي جاءت في /144/ بيتاً، فكان ذلك آية إمدادِ الله جل جلاله وتوفيقِه.

وقد لقيت تلك الجوهرة الغالية رواجاً عند العلماء والطلاب، في مصر والشام، وكثير من بلاد العرب والمسلمين، وقد شرحها كثيرون، أولهم مؤلف الجوهرة، رحمه الله تعالى، شرحها بثلاثة شروح، شرحٍ كبير وصغير ووسط، ثم ولده الشيخ عبد السلام، وولده الشيخ خليل، رحمهم الله تعالى وكثيرون، ثم شرحها منذ سنين المجاهد الشهيد أديب الكيلاني مع الشيخ عبد الكريم تتان.

وشرحها اليوم أخونا الفاضل عبد الكريم تتان شرحاً جديداً، جمع إلى العلم والاستفادة من السابقين، في شرح الجوهرة وكتب العقيدة وكتب الفكر والرد على الملحدين وأهل الأهواء، أقول: جمع إلى ذلك أسلوباً سهلاً لطيفاً، ونكات علمية، ولفتات إيمانية، وروحاً صافية تجعل من الكتاب هذا كتاباً نافعاً مفيداً بإذن الله تعالى.

- وقد رأيت أن أقدم كلمتين في الإمام الأشعري إمام أهل السنة والجماعة الأمر: نقل الذهبي بروايته عن زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال: «اشهد علي أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات». قلت: وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في آخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي r: «لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن». فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم»

وقال الشيخ أبو بكر، المعروف بابن كزرة، وقد سئل عن الإمام الأشعري: الأشعري شيخنا وإمامنا، ومن عليه معولنا... ولما ذكر رجوعه عن الاعتزال قال: ألف كتباً في الرد على المعتزلة، وتقرير معتقد أهل السنة، حتى قال: فمنها كتاب (اللمع)، وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة سماه بكتاب (كشف الأسرار وهتك الأستار)، وغيرهما، فلما قرأ تلك الكتب أهل الحديث والفقه من أهل السنة والجماعة، أخذوا بما فيها وانتحلوا، واعتقدوا تقدمه، واتخذوه إماماً، حتى نسب مذهبهم إليه[1]. اهـ.

ولما توفي - رحمه الله تعالى - سنة ثلاث مئة وأربع وعشرين، قال ابن خلكان: ونودي على جنازته: «اليوم مات ناصر السنة» رحمه الله تعالى.

- قال رسول الله r: «إن الله تعالى لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من قلوب العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضَلُّوا وأضلوا» وقال - فداه أمي وأبي - r: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين».

لقد تصاغر هذا العالم حتى كاد يصبح بلداً واحداً، ولقد أخذت من جديد، وعلى نطاق واسع، أفكارُ الملاحدة، وعقائد أهل الأهواء، ودعوات الفساد في الأرض تغزو كل المسلمين، وفي كل مكان، وعلى مستويات مختلفة، وميادين لا تكاد تحصى، فأضحى - نعم أضحى حقاً، أكثر من الماضي - على العلماء الذين آتاهم الله تعالى علماً وتقوى، ولساناً وقلماً، أن يعرضوا عقيدة الإسلام على حقها ونورها وصفائها، ويدفعوا بيد الحجة والبرهان دعوات الزيغ والضلال بإذن الله تعالى.

ولقد قام الشيخ المربي الأستاذ عبد الكريم، في كتابه "شرح جوهرة التوحيد" بهذا الحق، ليعلم المسلم به عقيدة الإسلام الحقة بالحجة والبرهان، ويدفع إذا شاء بالحجة والبرهان دعوات الزيغ والضلال {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 8/42] .

بارك الله تعالى في جهوده وجهاده، وأكثر من علماء المسلمين من أمثاله، إنه جواد كريم.

أما بعد:

فقد كنت عزمت على أن أعرف بشرح "جوهرة التوحيد" للشيخ عبد الكريم، و القارئ الكريم ذو الحرص على قراءة الكتاب -وحق عليه أن يحرص- فليقرأ ويشرح صدره به، ويغذِّ فكره وعقله وسلوكه به، ولينتفع به في حياته، فالكتاب جدير بتحقيق ذلك بإذن الله تعالى.

وليعذرني الأحباب أن أكون عرفت بموضوعات الكتاب الجيد النافع بإذن الله، وليكن القارئ هو يكتشف ويدرك قيمة "الجوهرة" وفضل الله جل جلاله بها، وبشرحها على المسلمين إن شاء الله تعالى.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

 

[1] تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري، لناصر السنة ومؤرخ الشام ابن عساكر، ص39 .

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.