قصيدة النثر في الشعر النسائي الجزائري

الثلاثاء, December 19, 2017
كاتب المقالة: 

تخرج التجربة الشعرية النسائية عن إيقاع التحول الذي عرفته القصيدة العربية في الشكل والرؤية والمضامين الفنية. فإذا كانت قصيدة النثر تشكل ملمحا ثوريا على سلطة القصيدة القديمة من حيث هي حامل ثقافي لسلطة المؤسسة الثقافية التقليدية، فقد جاء ارتباط التجربة الشعرية النسائية بقصيدة النثر اختيارا يعكس هذا التواشج بين المرأة و قصيدة النثر بوصفها شكلا ناقصا قياسا على القصيدة القديمة وهكذا ( كأن رسو الشواعر على القصيدة النثرية بوصفها نوعا فنيا أثيرا يذوب الشعر في النثر، هو محاولة نسوية لاواعية لنسيان الفوارق النوعية بين الجنسين أو تذويبها ومحوها حتى تتلاشى الخصائص الجنسية المميزة التي جعلت من المرأة( رجلا ناقصا) في اللاشعور الجمعي زمنا طويلا..).

إن اختيار الشاعرة لهذا الشكل الشعري الجديد جاء متوافقا مع وعيها في تجاوز السلطة الذكورية من حيث هي سلطة تجد مسوغها الثقافي في بنية القصيدة التقليدية. من هنا كان رفض الشكل المحدد سلفا والبحث عن أفق شعري جديد يسمح بممارسة أوسع في التشكيل اللغوي والدلالي والانفتاح أكثر على الأجناس الأدبية الأخرى. وبهذا استطاعت المرأة الشاعرة أن تنتقل بين بنيات فنية مختلفة تجمع بين الدرامي والغنائي بين القصيدة الطويلة والقصيدة القصيرة. فيكفي أن ننظر إلى ديوان الشعر النسائي في الجزائر حتى نلاحظ ذلك التنوع في الأشكال والمضامين رغم حداثة التجربة واختلاف المستويات الفنية داخل التجربة الشعرية نفسها.

الجسد والالتحام بالطبيعة:

يشير التداخل بين جسد المرأة والطبيعة إلى طابع الكينونة الأنثوية من حيث هي رمز متجدد للعطاء والتجدد، كما يعكس تلك الرغبة الأنثوية العميقة في التحرر من السلطة الذكورية والأطر الثقافية والاجتماعية التي ظلت تعرس تحيد المرأة وتهميشها. من هنا كان ذلك الاتكاء على العناصر الأنثوية من حيث دلالتها على الخصوبة وحفظ الحياة.إن تجربة الحياة والطبيعة والعالم هي البئر الحي الذي تتدفق منه المعرفة الشعرية.إذ أن الشاعر يستمد من تجربة الحياة ومناظر الطبيعة وصورها معانيه ومراميه لتحقيق القول الشعري.

تذكرت أن علي أن أموت
أن اسلم جواهري لتيجان الموت
ضحكتي لسوسنه
رقصتي لأنثى طير زوبعة
شعري لنهر قرب موقدي يفوت
تذكرت أن علي أن أموت
أن أعيد العيون لباريها
والخال شعاعا لياقوت
خطوتي لظل يغافل ظله
يتمرد على المعنى
وسهو السكوت
فما الظلم إذن لو أني
يا انأ خرجت مني
ليظل حزينا شبق التابوت
تذكرت آن علي أن أموت.
تضيء الشاعرة ربيعة جلطى عبر هذه الحلولية في الطبيعة تلك الرغبة في التجدد والانبعاث عبر إحساس مشوب بالدرامية يعكس الرغبة في الاكتشاف والمغامرة الفنية التي تبحث عن المعنى المغاير..هكذا تتعالق التجربة في العمق مع الموت كفكرة أنطولوجية تبحث من خلالها الشاعرة عن حالة من التوازن والالتئام. فتكون المفردات التي استعملها ذات كينونة بذات المرأة: ( جواهري ،أقراطي، الخال…/) وبهذا يغدو الجسد بكل عناصره الجمالية تمثلا لهذا التداخل الحيوي مع حركة الطبيعة وعناصرها.من هنا يتضح كيف تقوم الشاعرة بمهمة تجديد اللغة وتحررها من المعتاد وبذلك تنهض لغة النص كانفتاح على الموجودات الطبيعية والنفاذ في جوهرها..

تقدم الشاعرة في هذا النص وعيا مغايرا بالطبيعة بالارتداد الجمالي إلى الأصل وهو ارتداد ناجم عن الإحساس بثقل الواقع ذلك أن العودة إلى حضن الطبيعة، أو الانتساب لها بمعنى أدق يقترح هايدغر تفعيل البنية الذهنية لتلك العلاقة وتعزيز نمط الكينونة بما هي انعتاق نحو الشيء واستدامة واعية لقيمته الجوهرية وبالتالي فهي انقلاب قصدي على الفهم لاستلابي. للتكنولوجيا وتفكيكا عمليا للنزعة الافلاطونية والميتافيزيقية لكل الاعتبارات الأخلاقية للطبيعة، كمماهاة لإمكانية أخلاقية قوامها جمال الجسد البشري. وتقول في قصيدة أخرى:

وإذا جنحت الخيل بي

نادى سيد الأمطار

أيتها الساقية

ترجلي عن سماء الكبرياء

قلت شامتة:

لا أحسن المشي

ولست ارضي غير الغيم.

تعكس الكتابة هنا وعيا حادا بهامشية المرأة. ويتجلى وعي هذا الهامش في صراعها الذاتي من خلال البوح والتمرد وعبر التصدي للذكورة بوصفها رمزا للتعسف والاستبداد. وعبر هذه المعادلة تتجول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى علاقة بين السيد والعبد. فالشاعرة تنزاح عن نسق التشابيه القديمة عندما ظلت المرأة موضوعا للوصف ودالا مقترنا في الشعر العربي بالغيمة والماء،وتعلن في المقابل عن عالمها الأرضي وعن كينونتها الإنسانية.

وتقول مسعودة لعريط

أشكل رموزي فوق رمل الصحراء

أشكل ما تبق مني
أشكل ما تبقى من ذلك الذي مضى.من هنا وانقضى
أشكل حجم الخواء
وأخوض في مرايا الجسد.
وادفن في الموج راسي
تنبجس أحزان الإنسان
الراحل في التيه والرمل
تتألم أثار الأقدام
في المدى راحلة مع الغروب
يتدفق ما تبقى منه
وأعلن أن هذا اسمي العربي
جسدي ونهري
وشهوة روحي
من جرح الشعر
من اثر امرأة
من جسد الأثر
فلم تشنقوا رسمي
بعد الهجر
ولن تقبضوا شعري
بعد المد
أن احتمي بالرمل
والقمر
واحتمي بالشعر..
والرحيل
إذا كانت الكتابة تشكيل للذاكرة، فإن هذه الذاكرة تنفتح على الهم الفردي والجمعي في مضمونه الفني والإنساني والنص إذ يتشكل على جمرة المكان (الصحراء) تشكيلا يضاعف الإحساس بالذات حيث يصبح الحلم الملاذ للذات الهاربة من ألامها .فالشاعرة إذا تختار الرحيل فإن المسافة تصبح معادلا لأحلامها وحريتها في بعدها الفردي والقومي.فالنص يعكس المعاناة الجماعية التي تسلب الجسد والوطن هويتهما. من هنا تسعى القصيدة على المستوى الرمزي إلى تحويل الصحراء والعطش إلى فعل فني ضد التصحر والاستلاب والموت. فالرحيل هو حركة للانفلات من السكونية وجفاف الموت.

قد يلاحظ أهل المدينة
اثأر نعلك بدمي
قد برون بقايا شفاهي الرقيقة ما بين أنيابك
يسمعون صدى صرختي آتية من سراديب صبري المصبر في علب صديئة
قد..وقد
ولان كانت الذكر

فجميع خطاك صافية كالمطر
هكذا
قرر حكماء مدينتا الجائرة
لى إذن كل ما في المدينة من عقد
لى فضاععة ألوانها
ليلها المتشر
سخطها
عندما اشتهي نفض أجنحتي
أو ركوب القمر
سورها الواقف
بين شمس الربيع وبيني/ ليخفي أشعتها
عن شجوني../ فتفتك بي شوكة البرد
تقعدني عن بلوغ الوطر
ولى الحلم اعجنه
اصنع الدفء منه وموت الضجر
عند كل رصيف بليل مدينتنا
لى قصيدة بحجم المدينة يغزو القدر.
تغترب الذات الأنثوية عند الشاعرة في عالم من الآلام والتشكي وبهذا تتحول القصيدة إلى خطاب كاشف لهذا الوضع المستبطن للعلاقة التصادمية بين الرجل والمرأة. وفي هذه العلاقة تأخذ المدينة دلالتها السلبية من حيث هي مكان حصار وضجر يدفع إلى الانفصال عن الأحلام ويدفع بالذات إلى الاغتراب والانزواء. والشاعرة إذ ترفض المدينة، فهي ترفض الانقياد للسلطة الذكورية الجائرة والأفكار الثابتة المتحجرة. ولم يبق أمام الشاعر إلا التشبث بحلمها من اجل مواجهة الثقافة التي تقتل عندها كل رغبة للتحرر.

الغجرية تخطف
أغنيات البحار المتقاعد
وتغنيها مع الريح

من قال إذن:
(لاتحبي رجلا يحب البحر
ستموتين قهرا آو غرقا
من قال؟
أصغي قليلا إلى وجعي
اشرع نوافذي للبحر واصمت
علمني كيف افني في حضرة الفرح
واصمت..
خذوني إلى طفولة الأشياء
لا توحد واصمت

احملني في عيونك البحرية

لا تدعني انتهي قهرا وغرقا
الثم هذه الشعلة
واعدني بأسلاكك الحريرية
إلى دفئ بيرين
ياه.. من قال(لا تحبي رجلا يحب البحر ستموتين قهرا او غرقا
من قالظ؟
من قال؟.من قال؟

كان هاجس التمرد بعدا أساسيا في الشعر عند نصيرة محمدي وهو تمرد يحكم الشكل الشعري كما يحكم الدلالة. فعلى المستوى الشعري تفاعلت الشاعر مع منطق التحول الذي فرضته سيرورة الشعر فجاءت القصيدة أكثر إخلاصا للطابع النثري مع الارتكاز على إيقاع اللازمة.وبهذا يكون الشعر إنصاتا للصمت وتماهيا مع هموم الذات ومعاناتها.هكذا يكون خلاص الذات كامن في التشبث بأحلامها والبحث عن تلك الرغبة الحميمية في العودة إلى الأصول..لقد جست نصيرة محمدي ذلك في بنيات إيقاعية عبرت عن مفارقات المعاني وضلالاتها العاطفية.

الصوت الهامشي والوعي بالكتابة.

دفعت إشكالية الكتابة النسائية المرأة إلى التفكير في نمط هذه الكتابة من أجل امتلاك صوتها الأنثوي الخاص. إنه في هذه البحث تصدم بجدار من القصائد التي تشكلها الرجل وأصبحت معيارا فنيا لا يمكن الحياد عنه. وفي هذا السياق تجد الشاعرة زهرا بلعاليا هذا العائق الفني:

ماذا.. لو
أتيت يا قصيدة
وكنت اصنع الطعام مثلما
يريد ادم
وتشتهي أمعاؤه العنيدة
أو كنت أخذة
برفقة النساء الصالحات…الفاتنات
درس المكر
ومكيدة
ماذا لو
أتيت يا قصيدة
ورغوة الصابون في يدي
وجيش من ثياب ظالم
علي أن أبدده
أو كنت حينها اصب الشاي للضيوف
واسمع برفقة الأصحاب
ما تقوله الجريدة
هل كنت اهرب من زرقة الجدران- في الصالون
من جرائدي
ومن عوائدي
لألبس انتكاسة جديدة
أم كنت غسل الحروف كالثياب
وأغلق بوجهك القمئ ألف باب
واخنق
مشاعري.. البليدة؟ ؟.
إذا كان من الممكن الانطلاق في قراءة هذا النص من مفردة (أدم).فان الدلالة الكلية للنص لانفصل عن الحمولة الدلالية التي يشير إليها آدم من حيث هو ذكر في مقابل حواء / الأنثى. ومن هنا تكون ثنائية ذكر/ أنثى هي الحور الدال في النص.. ولما كانت الشاعرة تحرص على إحضار صوتها الخاص فهي تحتاج إلى وعي يمسك الصلة العضوية بين اللغة وذاتها.إنها تبحث عن كتابة تجسد بعمق هذه الالتحام بين النص وذاتها، فلا تظل من ثم تابعة إلى شعرية ذكورية غربية عن روحها.. إن الذات ترسخ عبر هذا الوعي انتسابها للشعر ومعاينها في البحث عن بديل قولي يلتحم بكينوتة الذات.

تختفي المرأة من قاعة شعر

تبرز المرأة في الشارع تجري

فوق دراجة نار

اسأل النحل عن السر فيضحك

فالذي أعطى الغزال

يعطينا الطير المحلق

فترفق
وتعالى بعد عام
ذات عينين من الحلم وعينا واحدة
سرقت سمعا كجن النافذة
تلج الأبواب، ريحا راكضة
أي سحر
لا تسلني بعد هذا عن رداء مزهر
وجراح راقصة
وغيوم واعدة
فلدي ليل وشمس موقدة.
يتجه الوعي في القصيدة إلى تصعيد الحس بالاغتراب وإيقاظ جذوة الحلم عبر الألفاظ والدلالات المشعة. فمنذ الجملة الأولى تشتبك الذات مع طبيعة الشعر. إن العالم الذي تقدمه القصيدة عالم يخرج من ماء الشعر إلى ناره الموقدة. فعبر هذا التشكيل الناري لحلم الشاعرة توقظ الإرادة وينبجس الأمل. من هنا كان النص مفعما بلغة التحدي. هكذا تكون القصيدة مكان الذات الذي تتجسد من خلاله رؤاها ومعاناتها وأحاسيسها في علاقتها بالكون والكائنات من هنا تدفع الشاعرة نصها إلى التشكل عبر تلك الطاقة المتحركة والنابضة بالقوة والحياة. أي كأن القصيدة تهرب من اللحظة الآنية للإيقاع الأرحب للتجربة وهي تنفتح على العلم في حركته وقوته.

المصدر: 
المجلة الثقافية الجزائرية
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.