قسنطينة «عاصمة الثقافة العربية».. تحتفي بالشعر المغربي بعيدًا عن وطأة السياسة

الثلاثاء, July 28, 2015
كاتب المقالة: 

المثقفون الجزائريون اعتبروه استمرارًا لتقليد دأب عليه الشعراء في البلدين

تحتفي مدينة قسنطينة الجزائرية، يوم الخميس 30 يوليو (تموز) الحالي، بالشعر المغربي، ضمن فقرة «ليالي الشعر العربي»، المبرمجة في إطار فعاليات «قسنطينة عاصمة الثقافة العربية».

ويشارك في «ليلة المغرب» كل من محمد بنطلحة، وياسين عدنان، ومحمد الصالحي، وصباح الدّبّي، وإيمان الخطابي، بينما جرى اختيار الشاعرين الجزائريين أحمد عبد الكريم، ولميس سعيدي كمضيفين.

وعن دلالات «ليلة المغرب»، ودور الفعل الثقافي في مد جسور التواصل بين مثقفي وشعبي البلدين، قال الشاعر محمد الصالحي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الشعر يضع اليد على ما هو باق ومستمر ولا يزول»، مشيرًا إلى أن «حضور الشعر المغربي إلى قسنطينة هو، في نهاية الأمر، استمرار لتقليد دأب عليه الشعراء في البلدين حتى وإن حالت الظروف السياسية، في كثير من الأحيان، من دون الالتقاء الشخصي بين أدباء البلدين، فإن التواصل عبر تبادل الاطلاع والقراءة خاصة في ظل الثورة الاتصالية الراهنة مكن الأدباء من تجاوز المشكلات السياسية القائمة». وشدد الصالحي على أن «للقصيدة القدرة الخارقة على صهر الأمكنة والأزمنة وتطهير النفوس مما علق بها من صدأ الأزمات المتراكمة، ومن هنا لن تكون (ليلة المغرب) إلا فألاً خيرًا وعنوان محبة كما دأب الشعر على ذلك من غابر الأزمنة».

ورأى الصالحي أن «لحضور الشعر المغربي إلى قسنطينة أكثر من أهمية في الوقت الراهن، خصوصًا على مستوى الزمن الشعري، لأن من شأن خروج الأسماء الشعرية المغربية إلى ملتقيات كبرى، أن يسهم في تغيير ما قد يكون ألصق بالشعرية المغربية من أفكار قبلية، من قبيل أن الشعر المغربي يطغى عليه الفكر، وأنه إذا برز صوت مغربي فهو صدى لمشرقي، أو أنه غالبًا ما يسيء استعمال رموزه بشكل يجعله رهين زمنه المغربي وجغرافيته المغربية، في حين أن الشعرية المغربية الآن منحت المدونة الشعرية العربية أسئلة جديدة ورؤى جديدة واجتهادات جديدة، كفيلة بدفع النقد إلى الأمام وجعله ينظر إلى الشعر المغربي عمومًا باعتباره شعرًا مكتوبًا بالعربية في الزمن المعاصر».

وكتب عز الدين ميهوبي، وزير الثقافة الجزائرية، في تقديم «ليلة المغرب»، تحت عنوان «إشراق مغرب الشعر»: «تحتفي قسنطينة بشعراء المغرب الشقيق، سفراءُ الثقافة العربية وهي تعانق الأطلسيّ.. قرّاءُ الحداثة والسبّاقون إليها من كتاب وشعراء وروائيين، إننا نفتح في هذه الليلة نوافذ الأدب المغربي لنتنفس عطرًا أطلسيًا من حدائق محمد بنيس، والطاهر بن جلون، ومحمد شكري، وحسن نجمي، وعبد الكريم الطبال، ومحمد برادة.. ونلمح كوكبًا شعريًا لعبد الرفيع الجواهري.. تأتينا من نوافذ هذه الليلة الشعرية نسمات ناس الغيوان وجيل جيلالة.. أصوات عبد الوهاب الدكالي، ولطيفة رأفت، وكثيرين ممّن علّموا المشرق العربي أنّ الشعر ليس فقط القصيدة.. الشعرُ هو الكون.. الحياة، هو الموسيقى والرواية والصوتُ المتفرّدُ.. الشعرُ هو المختلفُ في شكله المتسّق في مضمونه».

وأبرز ميهوبي أن «الشعر المغربي قدم للثقافة العربية الكثير من الإضافات التي نتجت عن ساحة ثقافية متزنة، ترتكز على تراث كبير وترتفع على أعمدة من الحداثة.. لكنها تركت سقفها مفتوحًا على العالم.. منفتحًا على سماوات مختلفة من الثقافات الإنسانية الكبيرة التي أثثت ديكور البيت الثقافي المغربي بكثير من الأسئلة. لقد أدرك الشعراء المغاربة أنّ السؤال هو القيمة المعرفية الكبيرة التي يجب الارتكاز عليها في بناء الذات الشعرية المغربية، لذلك كانت الأسئلة بالنسبة إليهم أهم من الإجابات الجاهزة المستهلكة».

من جهته، كتب بوزيد حرز الله، المشرف على ليالي الشعر العربي، تحت عنوان «جماليات التكريم»، أن «المشهد المغربي راكم خبرته في الاحتكاك بالشعر قراءة وترجمة وكتابة، حتى بات من المشاهد المتميزة في هذا الفن، عربيًا ومتوسطيًا، وقد رافقت ذلك تراكمات صحية في الفكر والفنون، حتى إننا نستطيع القول إن هذا المتن يجمع بين الجماليات والمعرفة، وهذا ما يمنح خطابه الحداثي عمقه».

وأشار حرز الله إلى أن «نصوص محمد بنطلحة، وياسين عدنان، ومحمد الصالحي، وإيمان الخطابي، وصباح الدبي، بقدر ما تختلف في آفاقها، ذلك أن لكل نص من نصوص هذه النخبة شغفه بأفق لغوي ومعماري وجمالي ما، بقدر ما تشترك في المنطلق نفسه: حرقة الأسئلة في التعاطي مع أبجديات الوجود. وهذا ما ينسجم تمامًا مع نصوص الشاعرين الجزائريين: أحمد عبد الكريم، ولميس سعيدي، اللذين اخترناهما مضيّفي هذه الليلة»، مشيرًا إلى أن «أهمية هذه الأقلام، لا تكمن في نصوصها فقط، بل في حضورها الدائم إعلاميًا ونقديًا وتنشيطًا للمنابر الشعرية والثقافية أيضًا، بما جعلها محرّكًا للأسئلة المتعلقة بالوجود الثقافي والحضاري، على مستوى الفضاء المغاربي الطامح إلى استرجاع خصوصياته التي لا تحيل إلاّ عليه».

وشدد حرز الله على أن «تظاهرة ليالي الشعر العربي؛ إذ تستضيف هذه الأصوات التي تنتمي إلى أجيال وحساسيات مختلفة من المشهد الشعري المغربي، إنما تمنح الفرصة للباحث والمتلقي والإعلامي لأن يحتكّ بعينات من هذا المشهد، فقد تكون بداية للتوغل في المتابعة، في إطار رهان التبادل الثقافي والفني الذي نحن مطالبون بتحقيقه في أقطارنا المغاربية الشقيقة».

وفضلاً عن الشعر، ستخصص «ليلة المغرب» التفاتة «وفاء» لروح الفوتوغرافي المغربي الراحل أحمد غيلان، الذي كتب عنه الشاعر ياسين عدنان، تحت عنوان «غيلان: عينٌ تسمع جيدًا»: «غيلان.. ابن مدينة أصيلة الذي استقر في البيضاء. صديق المثقفين المغاربة والعرب. كان دائمًا هناك. يلتقط التفاصيل بعينه الثالثة التي لا تتوقف عن الوميض. يؤبّد اللحظات الهاربة. كاميرا غيلان ليست عينًا فقط. بل هي الأذن التي يسترق بها السمع. هو الذي فقد سمعه قبل سنوات وصار لا يتكلّم إلا غمزًا بومّاضة الكاميرا أو كتابة لأصدقائه كلما ألحّ عليه أمر وأحب أن يوصله لهم. في المغرب الثقافي، صار غيلان عنوانًا للحضور الدافئ، والمتابعة الدءوبة، والرصد اليقظ لتحوّلات المشهد. وصار عنوانًا للصّداقة أيضًا. يسأل عنه الشاعر الشاب والمفكّر الكبير. يسأل عنه الصحافي المغمور والأديب الشهير. يسأل عنه الغفير والوزير». ويضيف عدنان «تأتي ميسون صقر من الإمارات، فتسأل: أين غيلان؟ يأتي بوزيد حرز الله من الجزائر، فيسأل: أين غيلان؟ الكل يسأل عن غيلان. عن صور التقطها في موسم أصيلة الثقافي قبل ثلاث سنوات. عن صور التقطها في معرض الكتاب العام الماضي. أين غيلان؟ وغيلان بين الكتب. غارق في المعرض، يترك الكاميرا تتدلى جنبه مثل سلوقي في لحظة استراحة ويطارد كتبه من رواق لآخر، هو عاشق القراءة الفأر القارض للورق. دائمًا يخرج من المعرض بذخيرة من الكتب، وأخرى من الصور. الجميع يسأل عن غيلان. والكل يعتبر غيلان صديقا له. (...) بيتُه قلبُه. وهو رجل مضياف وذو قلب كبير. من أكرم الناس وأكثرهم عطاء في المحبة». ويقول عدنان إن غيلان كان يعجبه أن يحاصر أصدقاءه بالكاميرا ويشرع في التقاط الصور بلا توقف. أحيانًا يصير الأمر مزعجًا» لكن عليك ألا تبدي أدنى تبرّم أمامه. إنّها طريقته في المحبة

المصدر: 
جريدة الشرق الأوسط
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

13 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.