قراءة في كتاب ثقافة العولمة وعولمة الثقافة ج2

الاثنين, April 13, 2015
كاتب المقالة: 

 نقاط الخلاف بين برهان غليون وسمير أمين من وجهة نظر غليون:
لخص غليون نقاط الخلاف بينه وبين أمين في أربع قضايا رئيسية وهي:
·   خلاف على علاقة العولمة بالسلفية والخصوصية والثقافة العربية (ص 113). فينتقد غليون أمين حيث شدد الأخير على مناقشة السلفية وتقييم دورها، مؤكداً عدم جدواها. وفي حين يرى الأول أن رأي أمين يوحي بأحد أمرين: إما أن السلفية مسيطرة على الثقافة العربية، أو أنها النواة الحقيقة لها والمعبرة عنها، علماً بأن المشروع الإسلامي - كما يراه غليون - مثله مثل كل مشروع اجتماعي آخر، لايرد على هوس الخصوصية، إنه قبل كل شيء، مشروع تاريخي، تمليه ظروف اجتماعية قابلة للتحليل والبيان. وانتقاد غليون لمحاوره جاء لأن محاوره جعل محاربة السلفية أو التصدي لها جوهر إشكالية مواجهة العرب والمسلمين لتحديات العولمة، لأنها تمنع الدخول في الحداثة، متجاهلا في الوقت نفسه مسألة الهيمنة الثقافية الغربية التي يخلطها مع الثقافة الحديثة ويوحدها معها. كما انتقد غليون محاوره كون محاوره لا يميز بين سلفية القرن التاسع عشر أو ما يطلق عليه بالتيار السلفي الجديد، حيث يرى غليون أن هناك فرقا كبيرا بينهما. كما يرى بأن ليس منبع الخصوصية السلفية وإنما العكس.
·   خلاف متعلق بتحليل ظاهرة العولمة نفسها وعلاقتها بمنطق توسع الرأسمالية (ص113). فحسب غليون فإن أمين لا يرى في العولمة شيئا آخر سوى الطور الثالث من أطوار توسع الرأسمالية، ويأخذ عليه بأنه لا يفصل بين مفهوم العولمة ومفهوم الرأسمالية. فغليون يميز بين الرأسمالية كنمط إنتاج محكوم بنموذج نظري مجرد، وبين النظام الرأسمالي كنظام اجتماعي. ويرى أن الرأسمالية كنظام اجتماعي لا علاقة لها بنمط الإنتاج المجرد. وغليون يرى بأن التوسع الرأسمالي ليس من منتجات العولمة، ويرى بأن الرأسمالية سابقة على العولمة(ص. 46).
·   خلاف متعلق بالاستراتيجية الناجعة لمواجهة العولمة ومخاطر الهيمنة الأمريكية عليها، وما يسميه أمين بناء العولمة البديلة (ص 113). ويرى غليون أن التحرر من التبعية والهيمنة يتم من خلال العمل على تغير قواعد العمل داخل نظام العولمة لا على التصدي الشامل لها وانتظار انهيارها القادم (كما يرى أمين). فغليون يرى بأنه ليس المطلوب اليوم في مواجهة العولمة تقاسم الأسواق أو الأسواق العالمية، ولا رفضها، ولكن بلورة سياسة من مستوى عالمي ترد على المخاطر المرتبطة بتوحيد الأسواق، حيث يرى بأنه لا يمكن لقيام اقتصاد عالمي الطابع أن يتجنب ويجنب المجتمعات الفوضى من دون وجود سياسة عالمية لطابع مرافقة له. كما أن هناك خلاف مع محاوره حول العولمة البديلة التي اقترحها أمين، حيث يرى غليون أنه لا يوجد عولمة بديلة أي منظومة شاملة وجاهزة للتطبيق على العالم الموحد بدل المنظومة النيوليبرالية القائمة اليوم.
·   خلاف على منهج الماركسية الجديدة الذي يسعى أمين إلى أن يعارض به ما يسميه الثقافوية، وتوحيده مع مفاهيم السلفية والخصوصية (ص 113). حيث ينتقد غليون أمين كونه يصف الإسلاميين دفعة واحدة بالسلفية والثقافوية والخصوصية، ويضع جميع هذه الصفات كبدائل ممكنة، في حين لا يرى غليون أن هناك اتفاق بين هذه الصفات جميعا، إنما يعتبرها في ثلاث مستويات مختلفة وهي مستوى العقيدة والإيدولوجية ومستوى الواقعة الوصفية ومستوى المقاربة المنهجية.
 
نظرة أمين وغليون في البعد الثقافي:
غليون وقف كثيرا عند البعد الثقافي، وسن قوانين في ذلك تتلخص فيما يلي:
·   (القانون الأول): إذا فقدت الجماعة تميزها الثقافي (الممارسة التاريخية ذات الإرادة والوعي المستقلين)، فقدت هويتها كجماعة مستقلة، وهو الشيء الذي يفسر سبب التمسك بالخصوصيات.  
·   (القانون الثاني): لاتوجد ثقافة مستقلة كلياً عن الثقافات الأخرى. فالثقافات الأخرى توجد بالضرورة في حقل تفاعل، يحدد فيما بينها علاقات هيمنة وخضوع (ص. 48).
·   (القانون الثالث): إنّ الثقافة المسيطرة لا تحتل موقعها المتفوق بسبب تفوّق منظومات قيمها، ولكن لأنّها ثقافة المجتمعات المسيطرة (ص.49).
·   (القانون الرابع): إنّ السيطرة الثقافية لا تعني بالضرورة سلب الثقافات الأخرى اتساقها الداخلي وقدراتها الإبداعية (ص. 50)، كما في حالة الثقافات الأوروبية تجاه الثقافة الأمريكية.
ويرى غليون أن خضوع الثقافة لقوانين السوق "ليست كلها بالضرورة ظاهرة سلبيّة" (ص. 46). كما يرى أن موقف رفض السيطرة الثقافية، والكشف عن آليات التبعية وتشديد الصراع ضدها، هو المنبع الرئيسي لإرادة الاستقلال والمشاركة الحضارية الفعالة (ص.56). حيث يعتقد أن السيطرة الثقافية غير أبدية، بل تخضع لموازين القوى، وأنّ الثقافات التابعة تستطيع في خضمّ ذلك أن تستفيد من الثقافة المسيطرة لتطوير نفسها. 
في حين أن سمير أمين يرى إن عالمية الرأسمالية قد رتبت بدورها (ثقافة العولمة). وأن ثقافة العولمة ثقافة مبتورة الطابع قائمة على تناقض داخلي. ويعتقد أن إقامة عولمة بديلة يفترض إنتاج ثقافة بديلة.  كما يرى أن كل النظريات التي تكرس فكرة ثباتية الخصوصية الثقافية هي خادعة، طالما أنها تنظر إلى التباين على أنه القاعدة، وأن التشابه ناتج عن مجرد الصدفة. فالردة نحو الماضي والتمسك بالخصوصيات - حسب أمين - ليست بأكثر من تجليات شكلية لا تعدو كونها مظاهر للأزمة، وليست إجابات فاعلة للتحدي. 
 
الخلاصة
وجدنا بأن هذا الكتاب الحواري الذي دار بين متحاورين يعتبران من المثقفين العرب وربما من كبار المثقفين العرب إذا جاز لنا التعبير، فيه كل هذا اللبس حول ما أراد أن يعبر عنه كل منهما، الأمر الذي التبس على المتحاورين وعلى النقاد، فكيف سيكون الحال بالنسبة "لغير المثقفين". وقد لا يتسع المجال هنا لمناقشة جميع القضايا الخلافية التي دارت بين مؤلفي الكتاب، أو الوقوف على حيثيات القضايا الخلافية بتفصيلاتها، لكن حاولنا إيجاز ذلك بطرح أبرز القضايا الخلافية من وجهة نظرهما، حتى لا يظهر وكأننا نعطي رأيا حول موقفهما من وحي تفسيرنا.
 فمما سبق وعرضنا، يتبين أن هناك نقاط خلاف بين المتحاورين واضحة للعيان. وقد أقر غليون بشكل صريح بهذا الاختلاف، واسترسل في توضيح النقاط التي رأى بأنه يختلف حولها مع محاوره، حيث أخذت منه حيزا أكبر من المادة البحثية التي قدمها أصلا، وكان جريئا في طرح رأيه غير مهادن، وظهر بموقف هجومي أكثر من كونه دفاعي ولم يدخر جهده في إبراز نقاط الخلاف، لدرجة أنه حاول في كثير من الأحيان إظهار نقاط الضعف لدى محاوره. ويظهر ذلك عندما قال غليون أن الطرح الذي قدمه أمين عن العولمة بسيط جداً، من حيث اعتقاده بأن إعادة تفسير تاريخ الرأسمالية مدخل ضروري. وهذا المدخل ودائماً حسب غليون - أثار الاختلاط في القضايا المطروحة على القارئ غير المختص. 
هذا الأسلوب الذي استخدمه غليون كان على عكس الأسلوب الذي استخدمه أمين الذي ظهر بمظهر المهادن،  فحاول في تعقيبه على ورقة محاوره أن يبين بأن هناك تلاق بينه وبين غليون، وبدأ بسرد نقاط الاتفاق التي ارتأى بأنه يتلاقى عندها مع محاوره، وعندما بدأ على ذكر نقاط الاختلاف التي قدمها حاول أن يظهر بأن نقاط الاختلاف التي سيتحدث عنها هي: "قابلة للتلاشي بعد مزيد من النقاش" (ص. 208). وقد استطاع أمين أن يضلل بمهادنته تلك عددا من النقاد، لدرجة أن اعتقد بعضهم بأن موقف غليون من أمين متطابقان.
وبغض النظر عما قاله آمين من التقارب، لمسنا أن نقاط الاختلاف التي ذكرها هي نقاط خلافية كبيرة ولا يمكن لها أن تتلاشى بمجرد النقاش، فالاختلاف بينهما ظهر في أكثر من موضع من الكتاب وظهر هذا الاختلاف في أول الكتاب ابتداء من التعريف وانتهاء بآليات العلاج، وما بينهما من قضايا تفصيلية كثيرة.
نعم.. فكما قال الناشر: "تختلف الأفكار وتتباين، ولكن لتتقارب وتتعدد.. ويلعب الحوار الذاتي الموضوعي هنا دوراً بارزاً وأساسياً، فهو يولد العقول، كما يبحث عن الحقيقة.. وللقارئ بعد ذلك حرية الاختيار". 
فتح هذا الكتاب رغم تناقض الأفكار التي قدمها، أسئلة كثيرة في ذهن القارئ فالحوار المكتوب بين المثقفين قد انتهى، ولا أحد يعرف ماذا من الممكن أن يكون تعقيب كل منهما على الآخر فيما لو أتيحت الفرصة لهما للتعقيب على (التعقيب)، ربما أنها ستكون سلسلة لا نهاية لها من الجدل والحوار، أليس هذا هو حال الجدل في قضية العولمة؟.

 

المصدر: 
موقع الحوار المتمدن
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.