قراءة في كتاب "الطائفية والحرب" من سلسلة حوارات لقرن جديد/إصدار دار الفكر

الاثنين, June 29, 2015
كاتب المقالة: 

يتناول كتاب "الطائفية والحرب"، لمؤلفيه: فاضل الربيعي ووجيه كوثراني، قضية التجربة العراقية واللبنانية مع الطائفية، وعلاقتها بالحروب التي شهدتها كل من الدولتين. ويرصد المؤلفان جميع الجوانب المرتبطة بالموضوع، ومختلف الإفرازات التي أنتجها. ويجد الربيعي في تحليله الانتروبولوجي للعلاقة بين الطائفية والحرب، أن ما حدث من حرب طائفية في العراق ما بعد 2006، كان نتيجة منطقية لسلسلة عوامل وبواعث وتفاعلات، اختلطت فيها السياسة بالدين، والمشاعر الطائفية بالهلع والخوف من الآخر، جراء انهيار البلاد، واحتلالها من قبل القوات الأجنبية.

كما يقدم الربيعي منظوراً فلسفياً لتفسير ظهور الطائفية، إذ يربطها بتحول وظيفة الدولة من جهاز يدير التناقضات والتعارضات والصراعات الداخلية سلمياً، إلى جهاز قمعي منحاز لطرف ضد آخر. ولذلك فإنه لا بديل عنده عن تحول الدولة إلى "دور سلمي حيادي"، حتى تتراجع المشاعر الطائفية والعدائية تجاه الآخر. ويبين، في هذا السياق، أن الطائفة شيء والطائفية شيء آخر.

وأن الطائفية تشكل باستمرار خطراً على الطائفة نفسها، فالطائفية تظهر عندما تم تصعيد فكرة الخوف داخل الطائفة على نفسها، وكذا تخيل صورة عن نفسها تقدمها وكأنها ضحية تستحق التضامن والعطف. وينتقد الربيعي النخبة الدينية الشيعية، متهماً إياها بأنها أصبحت فعلياً "تحت سيطرة العامة"، ومنقادة لرغباتها وتصوراتها، بسبب الاعتماد الكلي على مواردها المالية. وأما التهميش الذي تعرض له الشيعة خلال تاريخ العراق الحديث والمعاصر، فقد دفعهم إلى تبني "مجتمع اللا دولة" بحيث لا تكون هناك سوى سلطات ومرجعيات دينية،.

فالمشكلة بالنسبة للشيعة ــ طبقاً لما يقوله الباحث الربيعي ــ أنهم كثيراً ما يغلّبون التناقضات الداخلية على الأهداف الوطنية، لأن الرفض للدولة يجب أن يوجه إلى سلطة الاحتلال وليس إلى الدولة بحد ذاتها. وينتهي الربيعي من تحليله إلى أن العراقيين يعيشون داخل مجتمع منقسم، ولا سبيل أمامهم من أجل الحفاظ عليه سوى القبول به، والتعايش معه على أساس سلمي يتفهم الاختلافات، بحيث يتمكن الشيعي من مخاطبة السني، بالأريحية التي خاطب فيها الفلاح السومري شقيقه الراعي.

ويركز وجيه كوثراني، في مضمون رؤاه التحليلية للطائفية والعنف في لبنان، على التأكيد أن للطائفية في لبنان جذوراً تاريخية وأبعاداً اجتماعية وتأثيراً إقليمياً خارجياً، ناهيك عن العوامل الدينية التي اختلطت بالسياسة والسلطة. فحتى الأحزاب لم تتمكن من التخلص من العشائرية والطائفية، الأمر الذي أدى إلى تداخل كبير بين العائلات والأحزاب.

وقد أدى هذا الوضع المركب في لبنان إلى تعايش وجهين: الأول يهتم بمناخ الحرية الذي يستخدمه ويخلقه تعايش طوائف دينية متعددة في اجتماع سياسي واحد. والثاني يهتم بمناخ الحرية الذي يطلقه "قطاع مدني" حديث النشأة في تاريخ لبنان المعاصر، عبر عن نفسه في مؤسسات المجتمع المدني والنقابات وروابط الكتاب والصحافة.

ويشير كوثراني الى ان هذا التوازن الطائفي أدى، إلى عدم تحول لبنان إلى نظام الحزب الواحد، بعد الحرب الأهلية عام 1985، وهو ما حصل في المنطقة العربية المجاورة. فزعماء الطوائف الأقوياء هم من تصدوا للتوجهات القومية الأحادية والراديكالية، وتمكنوا من إيقاف تحول الدولة اللبنانية إلى دولة أحادية التوجه، وهو التوجه الذي حاولت الشهابية السير به في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. ويرى كوثراني في خصوص الحرب الطائفية التي اندلعت بدءاً من عام 1975، انها أدت إلى تكوين "المليشيات الطائفية " الفاعلة في الحياة السياسية والأمنية.

فمع انهيار الدولة وشلل مفاصلها تقلص نفوذ الزعامات الطائفية، الأمر الذي دفعها نحو تأسيس كتائب مسلحة تنطق باسمها وتدافع عن مصالحها. وقد أدى كل ذلك إلى تراجع التوجهات العلمانية في المجتمع، وانتشار ثقافة الخوف من الآخر.

 ويتحسر كوثراني في نهاية حديثه عن الطائفية في لبنان، على هذا الوضع، إذ يقول: "إن للحرب الأهلية معنى في التاريخ ونتيجة. والنتيجة هي بناء دولة وطنية، مثلما كان الأمر في الولايات المتحدة وإسبانيا وغيرهما. أما الحرب الأهلية في لبنان فتكرار بلا معنى، ودماء مهدورة نعزي أنفسنا بتسمية أصحابها شهداء".

وينتهي الكتاب بتوجيه تعقيب من قبل الربيعي، مفاده أن الحروب الطائفية تبدأ فقط حين تعجز القوى والجماعات السياسية عن إنتاج توافق داخل المجتمع وبين الطوائف. أما تعقيب كوثراني فيعود إلى رفضه التعامل مع التقسيمات السنية والشيعية في العراق، على أنها "جواهر"، بقدر ما هي حالات تاريخية.

الكتاب: الطائفية والحرب

تأليف: فاضل الربيعي ــ وجيه كوثراني

الناشر: دار الفكر ــ دمشق 

المصدر: 
دار الفكر
موضوع المقالة: 

معلومات المقالة

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.