دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

في ذكرى ميلاد تشارلي تشابلن: المأساة الإنسانية في قالب كوميدي

الأحد, April 18, 2021
كاتب المقالة: 

يصادف السادس عشر من إبريل/نيسان ذكرى ميلاد نجم الكوميديا وعملاق السينما الصامتة العالمي، الراحل تشارلي تشابلن (1899 ــ 1977) الذي رأى نور الحياة في العاصمة البريطانية لندن. وشاءت الصدف أن يتزامن موعد ذكرى ميلاده هذه السنة مع احتفال فيلم (الطفل)The Kid – الذي كتبه ولعب أدواره عام 1921 ـ في ذكرى الفيلم المئة.

تأثر بوالديه

يعتقد كثيرون أنّ تشارلي تشابلن ـ الذي يُكتب ويُنطق خطأ في اللغة العربية (شارلي شابلن) – أمريكي وهو من كان يحيا في الولايات المتحدة، وكان نجما من نجوم السينما فيها، لكنه في واقع الأمر إنكليزي، ومن أبناء عاصمة الضباب، ولم ينتقل إلى أمريكا إلاَّ لاحقا وقد تجاوز سنّ العشرين.
تشارلي تشابلن لم يكن ممثلا وحسب، بل أيضا أحد أعظم الفنانين والمنتجين السينمائيين الذين خلفوا بصماتهم في سجل السينما العالمية، واستطاع بمهارته وبراعته وذكائه أن يغير وجه سينما هوليوود والتأثير في مسار السينما العالمية ككل. ويبقى إلى يومنا هذا محط أنظار المعجبين ومصدر إلهام الممثلين والمخرجين، ورمزا من رموز الإبداع والنجاح في العالم. لم يكن إقبال تشارلي على التمثيل من باب الصدفة، فقد شاءت الأقدار أن ينشأ في وسط فني، استقى من منابعه العذبة حب الفن والتمثيل. كان والده مطرباً وممثلاً بارعا، وكانت والدته المعروفة فنيا باسم (ليلي هارلي) ممثلة ومغنية جذابة، لها وزنها في مجال الأوبرا.

طفولة بائسة

عاش تشابلن ظروفا قاسية، وهو لم يتعد بعد سن العاشرة، حيث توفي والده وتعرضت والدته بعد ذلك لاضطرابات عقلية، أدت بها إلى دخول مستشفى الأمراض النفسية. فكان على تشارلي وشقيقه سيدني، أن يصارعا لأجل الحياة. بعد ذلك، أُجبر تشارلي على العيش في دار للأيتام وحضور مدرسة خاصة بالفقراء. لم تكن لتشارلي أي رغبة في متابعة التعليم في مثل تلك المدرسة، فانقطع عن الدراسة في النهاية، وهو لا يتجاوز سن الثالثة عشرة. خيمت المآسي على حياته، وكان لذلك عميق الأثر في تكوينه ومستقبله، حتى أنه قال لاحقا، «لم أكن في وسعي تأمل معنى أزمة، لأننا كنا نحيا في أزمة مستمرة». ومع أن الظروف لم تسمح له بالمكوث إلى جوار والدته طويلا، بعدما عصفت بها رياح المرض العقلي وأبعدتها عنه، إلا أنه لم ينس أبدا فضلها وتأثيرها عليه، فهي من كانت تقدِّر موهبته، وتؤمن بقدرته على النجاح في التمثيل، وهي من أفعمت روحه ثقة وهمة ورغبة في مواصلة مشوار والديه والتحليق بعيدا في عالم الفن الفسيح.

تألَّقَ في أمريكا

امتهن تشارلي تشابلن التمثيل الكوميدي في إنكلترا قبل أن يسافر في جولة فنية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، رفقة فرقة (فريد كارنو) عام 1910. عاد إلى الولايات المتحدة عام 1912 حيث انفتحت له هذه المرة الأبواب على مصراعيها.
أبدت عدة مؤسسات اهتمامها به لما كان يملكه من موهبة فريدة، ليتعاقد بعد ذلك مع شركات أفلام عملاقة في الولايات المتحدة، على منوال مؤسسة (موتوال فيلم) عام 1916 التي منحته فرصة لعب أدوار البطولة في العديد من الأفلام الفكاهية الشهيرة أمثال فيلم «العلاج» «مكتب المراهنات» «المهاجر» و»المغامر». وبذلك يكون تشارلي قد حقق نجاحه وشهرته في أمريكا، وبفضل السينما الأمريكية التي كانت آنذاك قد خطت خطوات كبيرة في سكة النمو والتطور، مقارنة بنظيرتها في الجزر البريطانية والقارة العجوز.

الدراما الاجتماعية

لم يكن ما حصل عليه تشارلي تشابلن من مكاسب مادية وشهرة لدى مؤسسة (موتوال فيلم) كافيا لكي يجدد عقده معها، أو ربما ليتعاقد للعمل مع شركة أخرى الآن وقد تعدت شهرته حدود أمريكا، وسطع نجمه عاليا في الأفق. كان الرجل يحترق ظمأ إلى شيء آخر لم يكن في وسعه الحصول عليه بالمال ولا بالشهرة: حريته الشخصية واستقلاله المهني، وحقه في اختيار الأعمال والأدوار التي يشاء. فما أن انتهى عقده مع (موتوال) حتى قام بتأسيس استوديوهاته الخاصة في قلب هوليوود، حيث شرع في الإخراج السينمائي. استقلاله المهني هذا سمح بكشف طبيعته الحقيقية. فتشارلي تشابلن، الذي يعرفه العالم على أنه ذلك الممثل الفكاهي العظيم، كان في واقع الأمر يخفي في أغوار نفسه مأساة طفولته، وما حملته له من أشجان وآلام. فها هي نزعته الحقيقية إلى الدراما الاجتماعية ترتسم في الأفق بألوانها القاتمة، بريشة حريته واستقلاله المهني، مجسدة في أول فيلم طويل من إنتاجه بعنوان «الطفل» عام 1921.
لعب دور البطولة في هذا الفيلم ولد اسمه (جاكي كوجان) رفقة تشارلي تشابلن. وقد شاء القدر أن يكتشف تشارلي هذا الطفل في كاليفورنيا أثناء جولته فيها. كان الولد ممثلا موهوبا، ظهر على خشبة المسرح وهو لا يتجاوز سن الرابعة. وقد صادفه تشارلي، بينما كان يمثل في أحد مسارح لوس أنجليس. قام تشارلي في البداية باختباره بمنحه دورا صغيرا في فيلم «متعة يوم» A Day’s Pleasure في عام 1919، ليشاركه بعد ذلك البطولة في أعظم فيلم في تاريخ السينما الصامتة، وأحد أكبر الأعمال السينمائية التي عرفتها البشرية، «الطفل» في عام 1921، والذي يبقى إلى يومنا هذا من الأفلام الكلاسيكية الأكثر مشاهدة. وهكذا، بفضل تشابلن، اكتشف العالم جاكي كوجان لأول مرة، وهو اليوم يعد من أشهر وأروع الأطفال الممثلين في تاريخ السينما العالمية.
نزعة تشارلي تشابلن إلى الدراما تأكدت لاحقا من خلال إنتاج فيلم «امرأة من باريس» الفيلم الدرامي الرومانسي الذي لم يشارك في أدواره على غير العادة.

تعددت مواهبه

تشارلي تشابلن لم يكن ممثلا كوميديا ومنتج أفلام وحسب، بل أيضا موسيقارا موهوبا يحسن العزف على الكمان والتشيلو، وقد تعلم العزف هوايةً، من تلقاء نفسه. وكان أيضا كاتب أغان عظيما وهو من ألَّف أغنية فيلم «هذه أغنيتي» التي غنتها بيتولا كلارك، وحققت نجاحا عالمياً باهرا، متصدرة قوائم أفضل الأغاني في المملكة المتحدة وأمريكا وأستراليا. وكان أيضا كاتبا ومفكرا، وهو من ألّف «رحلتي إلى الخارج» «كوميدي يرى العالم» «سيرتي الذاتية» و«حياتي بالصور». نجاح تشابلن الفني يكمن في مهارته وقدرته العجيبة على دمج الواقع وما يحمله من انشغالات ومآس وهموم وصراعات يومية، في شخصية كوميدية مثيرة. فأعماله وإن كانت كوميدية إلاَّ أنها في حقيقة الأمر تحمل في طياتها كثيرا من المعاني والعبر وتفيض بالمشاعر الإنسانية. تشارلي لم يصور لنا الفكاهة بقدر ما صور لنا المأساة البشرية بكل معانيها في قالب فكاهي. فالإنسان العادي في نظرته السطحية عن بعد قد لا يرى في أفلامه غير الفكاهة، لكننا إذا أمعنا النظر فيها وفحصناها عن قرب، وقرأنا ما بين الأسطر في قصتها الصامتة، وجدناها في كثير من الأحايين تطفح بالمآسي والآلام، وتحمل في أعماقها نقدا اجتماعيا وبعدا إنسانيا، على منوال فيلم «الطفل» الذي كتبه ومثَّل أدواره تشارلي شخصيا، وهو القائل في تصويره الحياة: «الحياة مأساة عندما تُرى عن قرب، وإن كنَّا نراها كوميدية عن بعد».

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.