في التحول من الخيال المقروء إلى الخيال المكتوب

الثلاثاء, October 9, 2018

لا يتأتى لكاتب مشتغل على مطلقات الخيال وجموحه الفني وارتساماته اللغوية، أن ينطلق من فراغ مرجعي تأسيسي، فكيمياء الإبداع منطلقها عبقرية التلقي في الأول والآخر، من خلال مستويات القراء الواسعة والواعية، التي من خلالها هي فقط يستوعب الكاتب المتلقي القيمة الحقيقية لتفاعل الخيال الذاتي مع الخيال المتلقي، ويشكل عبرها ذاتا مبدعة مستقلة، تمنحه أدوات تخليق الواقع مجددا والبوح بأشيائه وفق دُربة سردية تشربها من سيل القراءات المتراكمة والمتدافعة في ذاكرته، مع مخزون الواقع برموزه وحركيته ومآثره.
لكن ثمة أسئلة في مغامرة التحول، إن جاز الوصف، من التلقي إلى الإلقاء أي من منزلة الكاتب المتلقي إلى الكاتب المبدع، تتعلق في جوهرها بأثر الاستنطاق المشهدي للمكان عبر نسق السرد، وأثر الخصوصية المكانية في عميلة التحول تلك، بمعنى الاستقلال عن مرجعية التكوين القراءاتي للكاتب، وهو يشتغل بخلفية وصفية وتحليلية للمكان وبحركية شخوصه للمثل السردي الذي ظل منبهرا به.
فقد تصل حالة انبهار، لاسيما لدى الكتاب المبتدئين في عمر الإلقاء وليس التلقي، حد الإيسار داخل معضلة المعاناة في تقفي أسلوب المرجعية التكوينية، ومحاولة مجاراتها في الخصوصية القاطعة مع كل مشترك، رمزي أو نفسي، ما يغرّب الكاتب عن النص، والنص عن الواقع، رغم جمالية اللغة التي قد تتفوق حتى على لغة المرجع أو المثل الروائي، خصوصا أن كبار الكتاب يشتغلون في الغالب الأعم على فضاء مكاني بطبيعته لا بذاته، أي ذاك الذي انطبعت به ملكتهم الإبداعية، فالحارة على سبيل المثال لا الحصر هي عالم نجيب محفوظ الذي اختصر فيه الوجود وتناقضات وصراعات التجربة الإنسانية، مثلما أن الصحراء الفضاء الناطق في أعمال إبراهيم الكوني.

استعارة المخيال تظل كامنة وممكنة، فالعبقرية تتصل أكثر بالقدرة الذاتية التي تنشأ من التحكم في اللغة داخل وعاء الخيال، في إعادة تركيب المكان.

هذا يحلينا بالضرورة إلى الحديث عما يتداول أحيانا من عبقرية المكان التي حظي بها كتاب روائيون في مناطق بعينها، زاخرة بالتاريخ، وغنية بالتجربة الإنسانية، وما يمكن أن تتيحه من مقدرة في الأثرة والآثار وغنى التجربة المجتمعية على إنتاج جماليات عابرة للزمان محاكية للتاريخ، مقابل فقر أمكنة أخرى وقلة حضور التجربة الإنسانية، عمرانا ورمزا، إلى درجة أن فقرها المزعوم قد يفرز لدى كتابها خيالا ناقصا وضاربا في المحلية لمحدودية أشياء المكان، وبالتالي محدودية اللغة لعلاقة اللغة بالأشياء وقدرة اندماجهما على تفجر أو إعادة تخليق العالم بآلية التخييل.
في الحقيقة لا يمكن مطلقا الحديث عن عبقرية أو فقر المكان كمعطى محدد للقدرة على الإبداع الروائي، وإلا فإن استعارة المخيال تظل كامنة وممكنة، وهو الأمر الذي لا يستقيم مع منطق الاشتغال السردي بالمرة، فالعبقرية تتصل أكثر بالقدرة الذاتية التي تنشأ من التحكم في اللغة داخل وعاء الخيال، في إعادة تركيب المكان وفق استحضار لشخوص تستحضرهم الذاكرة التي منها يبدع المبدع الحقيقي.
من هنا فالفقر هو في الإمكان وليس في المكان، أي في المقدرة على توليد الصور المتداعية عن مخاض الذاكرة، وفق إيحاء لغوي متين يرقى بالنص من عفوية الرؤية وبساطة أشياء المكان، إلى دلالة رمزية مفتوحة على التأويل والقراءة الماتعة، التي تجعل المتلقي يرى ذلك المكان العادي وأشياءه الساذجة حالة استثنائية، من خلال حركية الشخوص المحبوكة بشكل بديع.
وكثيرا ما طغت الرداءة على محاولات الاستعارة المخيالية للأمكنة لبعض الكتاب المتأثرين بالرصيد المرجعي، الذي على قواعده استوى قلمهم الإبداعي، ظانين أن الاشتغال في الفضاء الخصوصي وفق استراتيجية انتقائية للمخزون القرائي يمكن أن يعطي لنصوصهم قوة في التصوير، وبالتالي إحداث التأثير ذاته على المتلقي، الذي أحدثه الكاتب المرجع حين أصدر روايته.
وهذا رغم الإصرار الدائم لكثير من الكتاب الكبار على تنبيه الأجيال القادمة لفضاء السرد والرواية على وجه أخص، بأهمية التجربة وتشرب الخصوصية اللحظية والمكانية بوصفهما شرطين مهمين للإفلات من هشاشة التصوير والسقوط في وحل التنميق اللغوي والشاعرية المصادمة للشعرية الحكائية المتجاوزة لنطاق التحسين اللفظي.
ولعل أبرز من أشار إلى ذلك في معرض مقاربته لتطور الخطاب السردي، بمقارنة جيله الذي هو الثاني في عالم الرواية العربية، والجيل الحالي ونعني به هنا الراحل خيري شلبي، حين أكد أن التجربة المكانية ومستوى تأملها وتمثلها، يحدد إلى حد كبير مصير النص المبدع، ضاربا مثلا بتجربة الكدح التي عاشها وعايشها جيله، حيث معظم الكتاب ميدانيا في حرف ونشاطات يدوية بعضها شاق استنزف جهدهم وعرقهم وهو العرق الذي تحول في ما بعد إلى حبر حار، ينطق إبداعا محملا بثقل المصداقية وحر النفس الكادحة القلقة، لذا فلم يتردد خيري شلبي في مطالبة الروائيين الشباب، الذين حسبه، ومن خلال ما كان يقرأ لهم في العادة، يكتبون بلغة رقيقة وجميلة، لكنها عادة ما تكون أخف من أن تحمل واقعا مرصعا ببلاغة المعاناة، ينعكس ببلاغة اللغة وجماليتها على رغبة التلقي الاستثنائي للقارئ ـ طالبهم – بضرورة النزول أحيانا إلى فضاء الكدح والاشتغال اليدوي لاكتساب حر الكتابة الصادقة والصادمة لعادة العوالم الراكدة في مخيال المتلقي والقارئ النقدي، كمثل ما عاشه الراحل الروائي السوري حنا مينه الذي كان في صباه حمالا في ميناء اللاذقية في الساحل السوري، فجاءت أعماله في جلها معبرة عن اصطخاب مكاني مليء بالتجربة التي صمتت حيالها عقول وأخيلة، في حين استنطقها حنا مينه برصيده اللغوي الضخم والفخم، وخياله الرسام بألوان تلك اللغة ما شكّل روائع لدى المتلقي والروائع لا تموت مهما تطور الخطاب السردي في التقنيات والآليات واللغة حتى.
كلام خيري شلبي يؤكد لزوم القطيعة التوظيفية وليس الوظيفية في التحول من حقل الخيال المقروء إلى الخيال المكتوب، لاشتراط عنصر التجربة الخاصة القائمة على الخصوصية المكانية مضافا إليه، المخزون اللغوي القادر على رسم تلكم التجربة بما ينأى بالكاتب عن الايغال في التجريد واصطناع العوالم المركبة، التي تشوه لوحة المحكي لغربة واغتراب العناصر المحكية، بسبب الاستعارة المخيالية والصياغة الملفقة لفكرة تحت تأثير القيمة الجمالية لنصوص المرجعية التأسيسية، وما أضافته وأضفته على الحقول المكانية التي اشتغلت عليها.

المصدر: 
القدس العربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.