دار الفكر - آفاق معرفة متجددة

آفاق معرفة متجددة

فارغاس يوسا يحاور غارسيا ماركيز

الأحد, July 11, 2021
كاتب المقالة: 

حول معنى أن تكون كاتبا دار هذا الحوار فيما بين الحاصلين على جائزة نوبل للآداب بالعاصمة البروفية /ليما ربيع عام 1967 ،يومئذ كان لازالت بين الكاتبين المرموقين علاقة صداقة ،وقد اقتصرت في هذه الترجمة على أهم ما جاء في الحوار ،يتعلق بقضايا حيوية تهم الكتابة والكاتب .

ماريو بالنسبة للكتاب يحدث لهم ، على ما يبدو لي ،ما لا يحدث أبدا للمهندسين و لا للمعماريين. كثيرا ما يتساءل الناس، لما يصلحون؟ يعرف الناس لما يصلح المعماري ولما يصلح المهندس ولما يصلح الطبيب، بيد أنه حينما يتعلق الأمر بالكاتب ،فللناس شكوك، حتى الذين يعرفون بأنه يصلح، لا يعرفون لماذا بالضبط.
بصدد هذا الأمر لنوضح لكم المشكل وسأوضحه لنفسي أيضا، فأنا كذلك لدي شكوك بهذا الموضوع. فلماذا تعتقد أنك تصلح بوصفك كاتبا ؟
غبرييل لدي انطباع بأني شرعت في أن أكون كاتبا، حين انتبهت بأني لا أصلح لأي شيء. كان لدى أبي صيدلية، وطبعا كان يريد أن أصير صيدليا حتى أعوضه، في حين كانت لدي موهبة مختلفة تماما: كنت أريد أن أصير محاميا، وأردت ذلك لأنه في الأفلام السينمائية كان المحامون يأخذون الكعكة في المحكمة مرافعين على قضايا خاسرة، ومع ذلك في الجامعة وبكل الصعوبات التي مررت بها لأجل الدراسة، اعترضني ما لم يجعلني أصير محاميا أبدا.
شرعت في كتابة أولى القصص، وفي هذا الوقت، لم تكن لدي أي معلومة حول جدوى الكتابة. في البدء راقتني الكتابة، لأنهم كانوا ينشرون لي أشياء واكتشفت ما سميته بعدئذ ما صرحت به عدة مرات ،وهذا ينطوي على كثير من الصحة : أكتب لأجل أن يحبني أصدقائي أكثر. ولكن بعد ذلك، وأنا أحلل وظيفة الكاتب وأعمال كتاب آخرين، أعتقد حقا بأن الأدب، وخاصة الرواية لها وظيفة تخريبية، أليس حقا ؟ بالمعنى الذي أني لا أعرف أي أدب جميل يصلح لتمجيد قيم مكرسة. أجد، دائما ، في الأدب الجميل النزوع إلى تدمير ما هو مكرس. ما هو مفروض والولوج إلى خلق صيغ جديدة للحياة ،مجتمعات جديدة على أية حال تحسين حياة الناس.
يصعب علي شرح ذلك، لأنه أنا في الواقع، أشتغل قليلا على النظرية، لا أرى جيدا لما تحدث هذه الأشياء و إذن ،الآن أكيد أن فعل الكتابة يخضع لحرفة بدائية، فالذي لديه حرفة الكتابة عليه أن يكتب. بهذا فقط يستطيع إزالة صداع الرأس وأن يهضم الأشياء.
ماريو ربما أمكن الحديث عن الواقعية في الأدب، يتم النقاش كثيرا حول ماهي الواقعية؟،ما حدودها؟
و إزاء كتاب كمثل الذي لديك ،حيث تحدث أشياء واقعية جدا، وأكثر معقولية صحبة أشياء تبدو غير واقعية، مثل تلك الفتاة التي صعدت إلى السماء بالجسد والروح. أو مثل ذاك الرجل الذي روج لاثنتين وثلاثين حربا ، هزم خلالها غير أنه خرج سالما…حسنا ، وبصفة عامة، يمكن القول بأنه في كتابك سلسلة من الحلقات قليلة الاحتمال ،هي حلقات ،على الأصح شعرية. رؤيوية ولا أدري إن كان هذا يسمح بتأويلي لتصنيف الكتاب ضمن العجائبي ،بوصفه كتابا غير واقعي.
هل تعتقد بأنك كاتب واقعي أو خيالي أو تعتقد بعدم إمكانية التمييز بينهما؟
غابرييل لا .لا أعتقد وخاصة في مئة يوم من العزلة بأنني كاتب واقعي، لأنني أعتقد بأنه في أمريكا اللاتينية كل شيء ممكن ،كل شيء واقعي ، إنها مسألة تقنية أن للكاتب صعوبات في نسخ الأحداث الواقعية بأمريكا اللاتينية ،ذلك لأن هذه الأحداث لا تخلق في كتاب.
بيد أن الذي يحدث ،أن كتاب أمريكا اللاتينية لم ننتبه إلى أنه ضمن حكايات الجدة ثمة خيال استثنائي ،يصدقه الأطفال الذين تحكى لهم، وأخشى أنهم يساهمون في صياغتها. وهي أشياء استثنائية وعجيبة، أشياء ألف ليلة وليلة ،صحيح ؟ نعيش محاطين بهذه الأشياء الاستثنائية العجيبة ،فيما الكتاب يصرون على أن نعثر على حقائق فورية دون أهمية .
أعتقد أنه يتوجب علينا الاشتغال على البحث اللغوي وصيغ تقنيات السرد بهدف أن كل خيال واقعي أمريكولاتيني يشكل جزءا من كتبنا وأدبنا الأمريكولاتيني ،في الحقيقة ،يشبه الحياة في أمريكا اللاتينية، حيث تحدث ،كل يوم ،أشياء أكثر استثنائية،من قبيل الكولونيلات الذين قاموا ب 34 حربا أهلية خسروها جميعها، أو كما ،مثلا، دكتاتور السالفادور الذي لا أذكر اسمه بالضبط الآن ،والذي اخترع باندولا لاكتشاف ما إذا كان أكله مسموما وكان يضعه على الحساء ،على اللحم ،على السمك، فإذا رجح الباندول جهة اليسار لا يأكل ،أما إذا رجح جهة اليمين ،إذاك يأكل.
هذا الدكتاتور كان ثيوصوفيا، كان به الجذري، نصحه وزيره في الصحة ومستشاروه بما يتعين عليه القيام به،لكنه قال : أعرف ما يجب القيام به :تغطية بالورق الأحمر
كل الإنارة في البلاد .وكانت مرحلة حيث كل البؤر مغطاة بورق أحمر.
هذه الأشياء تحدث كل يوم في أمريكا اللاتينية، ونحن الكتاب الأمريكولاتنيين ،عندما ننبري لكتابتها، عوض أن نقبلها كحقائق، نجادل ونعقلن قائلين : هذا غير ممكن ،في الحقيقة أن هذا مجنون .إلخ
جميعنا شرع في إعطاء سلسلة من التفسيرات العقلانية التي تزيف الحقيقة الأمريكولاتينية.
أعتقد بأن الذي يتوجب القيام به هو مواجهتها .هي نوع من الحقيقة التي يمكن أن تمنح شيئا جديدا للأدب العالمي.

 

المصدر: 
المجلة الثقافية الجزائرية
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

12 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.