عاشوراء ... ليس الدواء بالبكاء، بل أن أحيل الهدم إلى بناء

الأربعاء, September 19, 2018
كاتب المقالة: 

الحمد لله ثم الحمد لله الحمد حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.

أما بعدُ فيا عبادَ الله:

حدثتكم في الأسبوع الماضي عن بداءة العام الهجري الجديد وما ينبغي أن نتمثله في هذه البداءة من معانٍ ودروسٍ وعِبر. واليوم أحدثكم عن شيء آخر يتعلق أيضا بالعام الهجري الجديد أو يتعلق بأول شهرٍ من هذا العام الهجري الجديد، فأنتم في اليوم التاسع أو الثامن من شهر محرم الحرام.

وقد صح عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أنه لَمّا هاجر إلى المدينة المنورة واستقر بها، سمع أن اليهود يصومون اليوم العاشر من شهر محرم. فسأل المصطفى عليه الصلاة والسلام عن السبب؟ فقيل له: إنه اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وأصحابه من فرعون. فقال عليه الصلاة والسلام: "نحن أحق بموسى منهم" وأمر عليه الصلاة والسلام منادياً أن ينادي بين الناس أن من كان صائماً فليتم صومه، ومن لم يكن صائماً في هذا اليوم فليمسك عن الطعام بقية يومه. وهكذا فإن صوم يوم عاشوراء - أي اليوم العاشر من شهر المحرم - كان واجباً في صدر الإسلام، واستمر واجباً ردحاً من الزمن، حتى إذا شرع الله سبحانه وتعالى صيام رمضان، نسخ وجوب صوم رمضان وجوب صوم عاشوراء، وتحول صوم يوم عاشوراء إلى عمل مندوب، واستمر الحال على ذلك إلى يوم القيامة، فصوم اليوم العاشر من شهر المحرم أمرٌ مندوب بل قد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لأن عشت لقابل لأصومن تاسوعاء أيضاً"، أي لأتبعن به صوم اليوم التاسع من شهر محرم.

تلك هي فضيلة ذلك اليوم فيما نعلم، وفيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلك هي المناسبة التي اقتضت أمر المصطفى عليه الصلاة والسلام الناس أن يصوموا يوم العاشر من محرم سواءٌ كان فرضاً كما كانت عليه الحال في بدءِ الإسلام، أو استقر سنةً كما آل إليه الأمر فيما بعد. ولا نعلم أن هنالك سبباً آخر لفضيلة هذا اليوم إلا هذا الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن مُتبعون ولسنا مبتدعين، نتبع المصطفى عليه الصلاة والسلام في أفعاله، ونتبعه أيضاً في أقواله ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، أما التزيدات التي قد يمكن أن تلحق إلحاقاً بالدين وما هي منه، فلسنا من ذلك في شيءٍ قط.

هنالك من قد يربط يوم عاشوراء بمآسٍ وقعت في تاريخ المسلمين، وهي مآسٍ فعلاً، وكلنا نعلم أنها مآسٍ وكلنا نجزع لها، فهنالك من قد يربط بين يوم عاشوراء وبين اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي الله تعالى عنه، هذه الرابطة رابطةٌ تاريخية لا تُنكر، والأسى الذي ينبغي أن يفيض به قلب كل مسلم لمقتل الحسين حقيقة لا تنكر، ومن لم يستشعر قلبه هذا الأسى ربما كان ذلك دليلاً على ضعفٍ في يقينه بالله وحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته، ولكن ينبغي أن نعلم أيها الأخوة أنه ما من يومٍ من أيام السنة إلا وهو مغروس بمصائب تاريخية في حياة المسلمين، فلو أردنا أن نحصي هذه الأيام عدا ولو أردنا أن نربط هذه الأيام بالمصائب التي حاقت بأساطين المسلمين وبرجالٍ عظماء من الرعيل الأول، لرأينا أن على المسلمين أن يقيموا في كل يوم حداداً.

فإن اليوم الذي قُتل فيه الحسين يوم مصيبة، إن اليوم الذي قُتل فيه الحسن بالسم يوم مصيبة، وإن اليوم الذي قُتل فيه سيدنا علي رضي الله عنه يوم مصيبة، وإن اليوم الذي قُتل فيه عثمان رضي الله عنه يوم مصيبة، وإن اليوم الذي قُتل فيه عمر يوم مصيبة، وإن اليوم الذي تُوفي فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مصيبة؛ وأي مصيبة. ولو أردنا أن نحصي ولو أردنا أن نتحدث عن المصائب التي حاقت بالمسلمين والضحايا الذين تساقطوا في سبيل دين الله عز وجل، لرأينا شيئاً لا يُحصى، ولرأينا أيام السنة كلها مغموسة بدماء هؤلاء الضحايا.

أأُحدثكم عن يوم الرجيع؟ أم أُحدثكم عن يوم بئر معونة؟ أم أُحدثكم عن يوم شهداء الحرة؟ عن من أحدثكم؟ ولكن ما هو الواجب الذي يينبغي أن يفعله المؤمن عندما يريد أن يتفاعل مع أشجانه ومع أحزانه للمصائب التاريخية التي حاقت بالمسلمين؟ ماذا ينبغي أن يصنع العاقل عندما يرى أن يد البغي قد امتدت فأتلفت وأفسدت وهدمت وفعلت ما يمكن أن يتقطر له قلب المؤمن أساً وألماً؟ ماذا يقول عقل العاقل؟

يقول ما يقوله ذلك العربي في الجاهلية - وأنا لا أستشهد بكلامه بتحريم حلال أو لإباحة محرم، ولكني أستشهد بكلامه في اللجوء إلى العقل وتدبيره. يوم قال امرؤ القيس: (اليوم خمرٌ وغداً أمر)، أي إن إذا أردت أن أعلن عن حدادي وحزني وجزعي لقريب قد تخطفته يد المنون بواسطة عدوان مبيّت، فليس البكاء هو الدواء، وليس هو النحيب أو الجزع هو الدواء الناجع، وإنما الدواء الناجع أن أخطط، وأن أحيل الهدم إلى بناء، وأن أحول الفساد إلى إصلاح، عندئذٍ أكون قد شفيت غليلي. هذا ما يقوله المنطق - بقطع النظر عن هذه الكلمة وطابعها الجاهلي.

ما هو العلاج الذي ينبغي أن يعالج به الإنسان المسلم مصائب تاريخ المسلمين؟ وهي لسوء الحظ مصائب ممتدة إلى يومنا هذا. هل العلاج أن نثور بالنحيب والعويل؟ هل العلاج أن نصيح الصيحات المتتابعة إلى يوم الدين؟ هل العلاج أن نفعل بأنفسنا ما يمكن أن يكون سبباً لشماتة الشامتين، ولمزيدٍ من فرح أعداء الدين؟ أعتقد أن كل عاقل يعلم الجواب عن سؤالي هذا.

العلاج: هو أن ننظر نحن المسلمين إلى أولئك الذين فعلوا هذه الأفاعيل بذلك الرعيل الأول، لا كراهية منهم لأولئك الأشخاص، وإنما كراهية منهم لهذا الدين العظيم الذي ابتعث الله به الرسل والأنبياء جميعاً. العلاج: هو أن نكون خير سندٍ لهذا الدين. العلاج: هو أن نصلح ما حاول أولئك الناس أن يفسدوه وما يحاولون اليوم أن يفسدوه. العلاج: هو أن نعود إلى حال هذه الأمة التي تشرذمت وتفرقت وتدابرت فئاتها حتى أصبحت مضرب المثل للتدابر فنعيدها إلى وحدتها السالفة، ونعيدها إلى حصن عزها الدابر، نعيدها إلى أمسها العظيم الذي أكرمها الله سبحانه وتعالى به. هذا هو العلاج، هذا هو الشيء الذي يفتت أكباد أولئك الأعداء، وهم مستمرون وسلسلة عدوانهم مستمرة.

ترى لو أن عدواً أقبل إلى داري فحطمها وحولها إلى أنقاض، وأخذ يشفي غليله بالنظر إلي وقد أصبحت في العراء. ترى ماذا عسى أن يضره أن يجدني وأنا أنوح وأنا أبكي وأنتحب بين أنقاض تلك الدار؟ سيزداد فرحاً، ولسوف يزداد شماتةً بي، ولكن الشيء الذي يُقِضُ مضجعه؛ الشيء الذي يحيل سروره إلى أسىً وجزع هو أن أقوم صامتاً فأخطط لإعادة بناء الدار، وأجمع لذلك أعواني وأرحامي وأقاربي لأمد إليهم يد التعاون، ويمدوا إلي يد التعاون ثم نبذل كل جهدٍ عضليٍ وماديٍ وفكريٍ متعاونين متحدين لنعود خلال أيامٍ فنعيد هذه الدار إلى أحسن مما كانت. هذا هو الشيء الذي يؤلم ذلك العدو، وهو الشيء الذي يجعله يتصاغر في نفسه ويدرك أن كيده قد عاد إليه.

ولكن أيها الأخوة تعالوا فانظروا إلى واقع المسلمين اليوم، لا يكفي أن نَعُدَّ المصائب التاريخية التي حاقت بهم، فإن شراً من هذه المصائب كلها المصيبة التي يتقلبون في حمأتها، المصيبة الكبرى أنهم يتقلبون في حمأة هذه المصيبة وكأنهم ينتشون بهذا التقلُّب، المصيبة الكبرى أنهم يركنون إلى قاع هذه الأنقاض وكأنهم يستريحون إلى ذلك، ويجدون في أنفسهم الراحة - كل الراحة - ولا تجد من يقوم فينادي ويدعو هؤلاء الناس أن قوموا فعالجوا مصيبتكم بعمل، عالجوا مصيبتكم بإصلاح. أفسد العدو حياتكم فأصلحوها، هدّمَ العدو داركم عودوا فابتنوها، أساء العدو إليكم فأذلكم عودوا فاجمعوا نسيج عزكم.

المصيبة الكبرى أن العالم الإسلامي يرى مصائبه وهو يجترها بلَذّة، أليس كذلك أيها الناس؟ ماذا عسى أن يفيدني أن أنوح لمقتل أي واحد من أبطال هذه الأمة، وكلٌ منهم فلذة كبدٍ في حياة المسلمين؟ ماذا يفيدنا أن نستبدل بالعمل نواحاً. أليس هذا العمل الذي يقوم به المغفلون! أليس هذا مبعث آخر للسرور الذي يندلق إلى أفئدة الأعداء! وكم وكم قرأت كلماتٍ تنم عن فرح ما مثله فرح، وعن مرحٍ ما مثله مرح، وعن شماتةٍ ما مثلها شماتة، كتبها أعداءٌ لنا يعيشون هذا اليوم وهم يُصورون حالة هذه الأمة التي آلت إلى غفلة منقطعة النظير. مغفلون يعيشون مع مصائبهم التاريخية يجترونها دون أن يتخذوا من أوقاتهم وفراغهم مثابةً لإعادة بناء، مثابةً لإصلاح حال، مثابةً لفكر وتدبر.

ونحن أيها الأخوة لو كنا نعيش مع ظلمات تلك المصائب الماضية ونحن مُبَرّؤون اليوم من مصائب جديدة، لربما لربما كان الخطب هيناً ليناً، ولكن مصائبنا التي تحيق بنا اليوم شرٌ من كل تلك المصائب التي استدبرناها بالأمس، مصائب الأمس ضحايا، وما أكثر ما تكون الضحايا درجات في سلم الصعود إلى العزة هكذا أعلن الله سبحانه وتعالى: "إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) "

هذه مصيبة بسيطة ومبررة وهذا بيان الله عز وجل يوضح ذلك، ولكن مصيبة المصائب أن تتأملوا فتجدوا أن دول البغي كلها تحيط بكم، وأن أيدي المكر كلها تتصافح للكيد ضدكم، وأن كل الوسائل الفكرية والمادية والغريزية بكل أنواعها المتطورة تتجمع لتكون أسلحةً فتّاكة ضد هذه الأمة، ضد بقايا إسلامها، هذه المصائب التي تَجِّدُ يوماً بعد يوم، هذا البغي الذي يحيط بنا: هي المصيبة التي ينبغي أن تشغل بالنا. هي المصيبة التي ينبغي أن تجمع أمرنا من شتات، فأين هم الذين يجزعون على شهداء الأمس يتقطعون ألماً من مصائب اليوم؟ الذين يجزعون من أجل دين الله عز وجل على شهداء الأمس ينبغي أن يعلنوا الدليل على ذلك من آلامهم المُبَرِّحة اتجاه مصائب اليوم، وعندئذٍ فلا بد أن تُنهِضهم الآلام إلى عمل، لابد أن تنهضهم الآلام إلى اتحاد، إلى جمع شمل.

وهل أنا بحاجة أيها الأخوة أن أضعكم أمام الدليل – لا الأدلة الكثيرة - على أنكم مستهدفون العالم الإسلامي مستهدف، لا سيما العالم العربي منه والعالم العربي مستهدف، لا سيما هذا القطر الإسلامي بصورة خاصة، علم ذلك من علم و جهل ذلك من جهل.

إن الذين يتبرمون بالطمأنينة وبالهدوء يتصورون أن هذه الطمأنينة حبلى وستلد إسلاماً واعياً عما قريب، الإسلام كان ولا يزال صنو هذه البلدة، كان ولا يزال الظل الملازم لهذه الأمة في هذه الأرض المُقَدسة. هنالك من يتبرم بالأمن بالطمأنينة بالتوجه الإسلامي الهادئ الهادف الواعي المتسامي على الغرائز، المتسامي على التدابر، المتسامي على الشِقاق، هنالك من يضيق ذرعاً بهذا ويُخطط لهذا، وهنالك من يسرب الأيدي تلو الأيدي مقنعة وغير مُقنّعة للإفساد، لإفساد النفوس لإفساد الضمائر لإفساد العقول للإيقاع بين الفئات ... كل هذا موجود. والأدلة على ذلك قائمة. ولكن ما المراد من هذا؟

المراد من هذا أن ندع ماضينا لله، وأن نعلم أن محكمةً ستعقد عما قريب وأن ديّان السموات والأرض هو حاكمها، فلندع الماضي لرب الماضي والحاضر والمستقبل، وللنظر إلى ما كلّفنا الله سبحانه وتعالى بالنظر فيه: "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْۖ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ" لكن تعالوا فانظروا إلى المآسي التي تعانون منها، تعالوا فانظروا إلى تلك الأمم التي أحاطت بكم كإحاطة السوار بالمعصم، لا بل ليس هنالك تشبيهٌ أبلغ من تشبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كإحاطة الآكلين بالمائدة "ستداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" هذه هي المصيبة .. دعوا الماضي لرب الماضي، فإن كنتم أقوياء وإن كنتم فعلاً تستشعرون الأسى، وتغارون على الحق وتتألمون من الظلم، فهذا هو الظلم الذي ينبغي أن تتألموا  منه.

هنالك أمم أحاطت بنا، وكل فئةٍ من هذه الأمة تحاول أن تجعل منا لقمة سائغة لها، وما أعظم هذا الكلام الذي يقوله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففَكروا أيها الأخوة وقَدروا، واجمعوا أمركم من شتات، وابنوا هذه الأمة من جديد على النهج الذي رسمه الله عز وجل، واعلموا أن دائنا كامنٌ في نفوسنا وليس داءنا الذي يترائى من حولنا، وبالأمس شرحت ولسوف أظل اشرح قول الله عز وجل: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يُغيروا ما بأنفسهم"

أقول قولي هذا وأستغفر الله .

المصدر: 
خطبة الإمام محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله بتاريخ 17/6/1991
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

1 + 13 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.