طباعة الكتب ليلة اكتمال القمر فقط وشراؤها بالليلة نفسها وإلا فستُحرق!.. إليك طريقة العمل الغريبة لدار نشر آيسلندية

الاثنين, June 5, 2017
كاتب المقالة: 

يبدو أنها أغرب دار نشر في العالم، ومهما حاول أصحابها تبرير نشاطها فإن طقوس هذه الدار تبدو مريبة وستدفع بخيالك لأن يشك في الأمر برمته.

بالنسبة لدار النشر "تونجليو"، والتي يعني اسمها "القمر" باللغة الآيسلندية، فإن كيفية النشر لا تقل أهمية عن المحتوى المنشور بأي حال. تطبع دار النشر الصغيرة كتبها في طبعاتٍ تتألَّف الواحدة منها من 69 نسخة، فقط ليلة اكتمال القمر.

لكن الأغرب أن على القراء المهتمين أن يشتروا الكتب التي يريدونها في الليلة نفسها؛ لأن دار النشر تَحرق في آخر الليلة كل الكتب غير المبيعة.

في حين يمكن لأغلب الكتب أن تبقى مئات، وربما آلاف السنين، فإن "تونجليو"، كما يقول موظفاها الوحيدان: "تستخدم كل طاقة النشر وتُركِّزها؛ لكي تشغل بضع ساعات بدلاً من أن تمتد قروناً، في ليلة مجيدة واحدة يكون الكتاب وكاتبه نابضين بالحياة، ثم في الصباح التالي يمكن للجميع أن يمضوا في حياتهم قُدماً"، وذلك حسبما ورد في تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

العقلان المدبران، هما الكاتب داغر جارتارسون والفنان رانجر هيلغي أولافسون، اللذان كانا يناقشان منذ 3 سنوات مخطوطات لم تجد فرصتها في النشر، وبدآ في وضعِ خطةٍ لإخراج هذه الكتب إلى النور، لكنهما في أثناء ذلك قررا أن تتضمن الخطة كذلك "إخفاء هذه الكتب مرة أخرى".

ورغم أنه من الصعب تحديد سبب ضرورة الجزء الأخير من الخطة، وُلِدَت دار نشر "تونجليو" بهذه الخطة كما هي.

وكان جارتارسون وأولافسون قد طلبا أن يُذكرا كـ"كيانٍ مزدوج"، وقد مزحا حول ذلك قائلين إن عليهما اتباع "الخطة بحذافيرها". ويبدو أن إطلاق النكات وعدم أخذ النشر على محمل الجد جزآن لا يتجزآن من "تونجليو". وحين سألهما معدّ تقرير الغارديان عن نموذج عملهما المناهض للربح، صحَّحا له موضحَين أن "(تونجليو) ليست عملاً هادفاً للربح أصلاً".

سألتهما الغارديان: "أهذه إذاً سخرية من رأسمالية قطاع النشر بشكل عام؟"، فأجابا: "ليس تماماً، فليس الهدف إبراز رأي أو توجيه رسالة، نحن لم نتعمَّد أخذ قواعد اللعبة على محمل الجد، لذا ربما بدا الأمر ساخراً بهذا الشكل".

 

كيف يشعلان الكتب؟

 

الأمر الوحيد الذي يأخذونه بشيءٍ من الجدية هو الطبيعة الفنية لحرقهم كتبهم؛ ففي الإحراق الوحيد الذي قاموا به خارج آيسلندا في مدينة باسل، شمال غربي سويسرا، أمضوا وقتاً عصيباً في محاولة إقناع السويسريين بأن هذا العمل "ذو طبيعةٍ شاعرية، وليست سياسية".

وقد أكدا أنهما يحرقان الكتب بالكثير من "الحرص والاحترام، مستخدمين فقط مشروباً كحولياً فرنسياً من الدرجة الأولى كوقود إشعال"، ويدّعيان أن الإحراق "ليس له أي دوافع تاريخية أو رقابية أو سياسية"، وإنما تتعلق بسياسة الكتاب نفسه.

وليس من المفاجئ القول إنهما يعتبران قائمة كتبهما كتباً "غير تقليدية" يصعب تصنيفها، وهما يريدان إبقاء هذه الكتب الصادمة متوافرة، سواء كانت كتاب "اليوميات الكوبية" للشاعر الآيسلندي أوسكار آرني أوسكارسون الذي كتبه عام 1983، أو رسائل أولافسون الخاصة من بوتان.

 

ديمقراطية

 

ويقولان: "يُعتَبَر الكتاب المطبوع غرضاً ديمقراطياً"، لكن المرء يشعر بأنه "مُهمَّش" بينما تحاول بعض دور النشر حفظ الكتاب بـ"تحويله إلى سلعةٍ فاخرة"؛ أي إلى شيءٍ مرغوبٍ قيمته تساوي ثمنه لا محتواه.

سألتهما الغارديان : "ألا يعد ما تفعله "تونجليو" من طباعة عددٍ قليلٍ من النسخ، وحرقٍ للكتب، أمراً غير ديمقراطي؟ فأجابا: "الديمقراطية لا تعني إمداداً غير محدود أو وفرةً لا حدود لها، بل تعني توزيعاً عادلاً".

ليست الكتب التي يطبعانها مُكلِّفة، ولا يمكن حجزها مسبقاً، ولا يمكن لأحدٍ أن يتجاوز الصف في ليالي بيعها، بكلمات أخرى: "الجميع مُرحَّب به" كما يصران، غير أنهم يعترفان بأن جعل كتبهما نادرة أمر أساسي فيما يفعلانه.

يقولان: "قد يبدو هذا متناقضاً، إن كان كذلك فنحن آسفان، وغير آسفَين، إننا فقط نحاول فعل ما يبدو صائباً، أو لطيفاً أو جميلاً، أو الأفضل أن يجمع بين كل ذلك".

لماذا يفعلان ذلك؟

ويظل السؤال الجوهري: "لماذا؟"، يجيبان عن هذا السؤال قائلَين: "هناك تناقضٌ في جوهر الأشياء، وكذلك (تونجليو)". إنهما يكرهان ويحبان أن الكتب "تسعى إلى البقاء"، وكيف نميل إلى "التصالح مع زوالنا عبر صُنعِ أشياءٍ تظل باقية". تُعتَبَر الكتابة بالنسبة لبعض الكتاب محاولةً متوهِّمة للخلود، و"تونجليو" تحمي مؤلفيها من هذا الوهم.

ما تقدِّمه دار النشر، كما يقولان، هو نوع من التحرر. ويقولان: "تتعاظم طاقة عمل النشر وتكبر. وبذلك يتلاشى ببساطة الكثير من الترقب، والشك، والقلق، والترويج، والدعاية". لا يفسر هذا ما تقوم به "تونجليو" بشكلٍ كامل، لكن إن لم تفهم الأمر، فجارتارسون وأولافسون لا يكترثان، فيقولان: "إننا نحاول أن نلتزم بمنطقٍ واضح، لكن هذا منطق الشعراء، وليس منطق العامة". ومن الصعب أن تخضع القصيدة للمساءلة

المصدر: 
هافينغتون بوست عربي
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.