ضريبة هوليوود 1 العرب في السينما العالمية...تشويه للصورة أم تجميل للواقع؟

الأحد, October 1, 2017
كاتب المقالة: 

كانت الشهرة العالمية ومازالت حلماً يطارد نجوم العرب أينما ذهبوا ومهما بلغوا من التألق والجماهيرية على الساحة الفنية المحلية، حتى ولو أتت هذه الشهرة على حساب القيمة الفنية المقدمة في الأفلام الغربية، فعلى الرغم من استطاعة العديد من الممثلين العرب اغتنام الفرص،

والحصول على أدوار تمثيلية في السينما الأوروبية والأميركية، فإن قلة قليلة منهم من ترك أثراً طيباً في أذهان الجمهور العربي والعالمي، ونأخذ مثالاً على ذلك الفنان المصري عمر الشريف الذي حظي ببصمات واضحة في السينما العالمية عبر العديد من أفلامه، وإن لم تكن جميعها بذات الدرجة من السوية الفنية، فكان أولها فيلم (لورانس العرب) الذي كان الخطوة الفنية الأولى عالمياً التي أسست فيما بعد لبداية مشواره الحافل بالأعمال والنجاحات، فجسد دور جنكيزخان أمام الممثلة الفرنسية فرانسواز دورلياك، ولعب دور الكاهن في فيلم (انظر الحصان الشاحب) إلى جانب النجم العالمي أنتوني كوين وتحت إدارة المخرج الأميركي فريد زينمان. وقدم العديد من الأفلام الأخرى التي أغنت سجله الفني كدوره اللامع في فيلم (دكتور زيفاجو). إضافة إلى تشخيصه دور المناضل تشي غيفارا، وفيلم (سقوط الإمبراطورية الرومانية)، (ليلة الجنرالات)، والفيلم الفرنسي (مسيو إبراهيم)، وبعد مرور أكثر من خمسين عاماً على اقتحام الشريف لعالم السينما الأميركية، عادت هوليوود للبحث عن المواهب العربية لتجد ضالتها على يدي المخرج الأميركي رايدلي سكوت الذي اختار الممثل السوري غسان مسعود مجسداً شخصية صلاح الدين الأيوبي في فيلم (مملكة السماء) إلى جانب الممثل المصري خالد النبوي والسوري الكسندر صديق اللذين جسدا شخصيتين من قادة صلاح الدين في الفيلم نفسه. وتأتي أهمية هذا الفيلم باعتباره أول من قدم صورة صلاح الدين بأميركا كرجل مسلم محارب يدافع بشرف عن أراضي فلسطين ضد الحملات الصليبية بعدما ظل العرب يُعانون الصور السلبية التي رسمها لهم الإعلام الغربي على أنهم إرهابيون وقتلة. فقد دأبت السينما العالمية، وخاصة السينما الأميركية، على صبغ العرب والمسلمين خاصة بالإرهاب والجهل والتخلف، ولا شك في أن قبول بعض الممثلين العرب بتأدية أدوار مهمشة ومشوهة رغبة منهم في النجومية التجارية المحضة، بغض النظر عن نوعية الأدوار التي يقدمونها وما تحمله من معان وما تخلفه من انعكاسات، ساهمت في تعميق وترسيخ هذه الفكرة المغلوطة ولو جزئياً عن العالم العربي في نظر المجتمع الغربي، كما أنه لابد من القول: إن صورة العرب لدى المواطن الغربي لا تناسب حقيقة الواقع.
ومن باب النقد الذاتي لابد أيضاً من الاعتراف بأن العالم العربي مازال مقصراً في تقديم نفسه بصورة مقنعة وصحيحة، إذ إن العرب عموماً والفنانين خصوصاً لم يحاولوا مجرد محاولة جادة تصحيح المفاهيم في وسائل الإعلام الغربية، وتستغل السينما العالمية عدم رؤيتنا للأشياء بوضوح وعدم إدراكنا بتفاصيل الأمور أو المشاهد، إذ إن الرؤية السينمائية للأفلام الغربية جعلت العين الإخراجية الغربية متقنة لفنون الخداع والتخطيط لإنتاج أفلام تبدو في هيئتها الخارجية على أنها مناصرة للعرب ومتعاطفة مع قضاياهم، ولكنها في الواقع الأليم هدم لحضارتنا وتراثنا وقيمنا، ونلاحظ سينمائياً وبمرور الزمن أنه على الرغم من تحسن صور الزنوج والهنود الحمر والجنود النازيين والروس والشعوب البدائية، إلا أن صورة العربي والمسلم تحديداً لم تحظ بأي تطور إيجابي، فهو غالباً ما يظهر بصورة الكذاب والمحتال والسارق والمتآمر والمخرب، أما صورة المرأة العربية فينظر لها على أنها حريم مترفات، راقصات عاريات، سيدات جميلات يقعن في حب الرجل الغربي الذي ينقذهن من شر الرجل العربي، أسيرات المنازل، غير متعلمات ومضطهدات، ولم تفوت السينما الهوليودية في أي مرحلة من مراحل تطورها أي فرصة سانحة للتسخيف من صورة الإنسان العربي والنيل من ثقافته وتحريف هذه الثقافة عند الاعتماد عليها كمصدر، مثل الأفلام التي اقتبست حكاياتها من ألف ليلة وليلة، حيث ظهرت شخصية «علي بابا» في أكثر من عمل ومنها فيلم (علي بابا يذهب إلى المدينة) الذي يرسم صورة عربي يحلم بمغامرات كتلك التي يقرؤها في كتاب «ألف ليلة وليلة» حيث يلتقي بسلطان من سلاطين البترول، وفيلم (الملك الحزين) عام 1957، حيث يلعب البطل الكوميدي الأميركي جيري لويس دور مجند أميركي في المغرب يتم اختطافه على يد عصابة لصوص من العرب.
وقد صدر العديد من الكتب والدراسات التي ناقشت وحللت صورة العرب في هذا السياق، كالكتاب الذي صدر في الولايات المتحدة مؤخراً بعنوان (العرب الأشرار في السينما.. كيف تشوه هوليوود أمة) للمؤلف الأميركي ذي الأصول اللبنانية جاك شاهين المتخصص في مادة الإعلام الجماهيري، إذ يتناول الكاتب الطريقة التي تستخدمها صناعة السينما الأميركية في تشويه صورة العرب والمسلمين طوال القرن الماضي. ويقول في كتابه «أن تكون عربياً يعني أن تكون مسلماً ويعني أن تكون إرهابيا.. تلك هي الصورة السائدة عن الإسلام».
وحسب الدراسة التي أجراها وضمنها في كتابه حول صورة العرب في السينما العالمية التي أنتجت خلال مئة عام، وشملت الأفلام بين عامي (1896- 2004)، تبين له أن 95 بالمئة من هذه الأفلام تقدم صورة سلبية ضد العرب والمسلمين وتهاجمهم هجوماً عنيفاً، في حين 5 بالمئة فقط من هذه الأفلام تقدم صورة محايدة عنهم، كما وضع قائمة من اثني عشر فيلماً لأفضل الأفلام التي تتضمن صوراً إيجابية للعرب، ومن بينها فيلم (روبن هود.. أمير اللصوص) الذي أنتج عام 1990، ويصور الفيلم شخصية عربية باسم «عظيم» وهو رجل عربي مسلم لا ينقصه البأس أو الشجاعة، صاحب أخلاق حميدة، ويرافق روبن هود في مغامراته لنصرة الحق، وفيلم (المحارب الثالث عشر) الذي أنتج عام 1999 المأخوذ عن رواية الكاتب البريطاني مايكل كريستون بنفس الاسم، الذي يدخل أيضاً ضمن القائمة المحدودة لأفلام تناولت الشخصية العربية بقدر من الموضوعية. في هذا الفيلم يجسد الممثل الإسباني العالمي انطونيو بانديرس شخصية رحالة عربي حكيم هو «أحمد ابن فضلان» الذي شاعت شهرة رحلاته في القرن العاشر الميلادي. ويشارك في الفيلم الممثل المصري عمر الشريف.
ويختم شاهين كتابه بالإشارة إلى أن «العرب يبدون متخلفين وخطرين عند النظر إليهم عبر عدسات هوليوود المشوهة ». وتطرق الناقد السينمائي أحمد رأفت بهجت بوضوح شديد إلى العلاقة بين الغرب والعرب في كتابه (الشخصية العربية في السينما العالمية) فقال «إن العرب في نظر الغرب ما هم إلا شعوب متخلفة ليس لديها القدرة على التفكير والابتكار، وليس لهم علاقة بالتطور والتكنولوجيا وليس لديهم القدرة على حماية أنفسهم والاستفادة من ثرواتهم»، كما يرى الكاتب أن السينما العالمية بدلاً من أن تساعد على خلق جو من التفاهم بين العرب والغرب أكدت مع مرور الأيام أنها لم تستطع أن تلتقي بالآمال العربية بل زرعت الشك والخوف في النفوس إذ كان عمادها التعصب والتشويه والتزييف والسخرية. وعلى الرغم من تعدد الموضوعات التي تعاملت معها السينما الأميركية والأوروبية حول الشخصية العربية إلا أنها في معظمها حاولت ترسيخ الفكرة السائدة عن العرب على أنهم شعوب قبلية، جاهلة، متعصبة ومتخلفة، تهوى النساء والمال، والهدف التجاري لم يكن وحده السبب وراء هذا التشويه، إنما الدوافع الأيديولوجية والسياسية ومحاولة استغلال نجاح بعض الأفلام لترسيخ الملامح الشائعة عن العرب، ولعل الشكل الأول لما ظهر عليه العربي على الشاشة هو لون الأمير البدوي الذي ينطلق على ظهر فرسه في الصحراء طولاً وعرضاً، وتهيم به الفتيات. كما قدمت السينما الغربية رحلات السندباد البحري أكثر من مرة، غير ملتزمة بالنص العربي، بل مطلقة العنان لخيالها لتوفير مجال أكبر للتشويق واستخدام الخدع السينمائية والشخصيات غير الواقعية. وكان من هذه الأفلام الفيلم الأميركي الملون (رحلات السندباد السبع) 1958 من إخراج تشارلز شنير، و(رحلة السندباد الذهبية) 1969 للمخرج نفسه، ومن الواضح أن السحر والمغامرة كانا العنصرين الأساسيين لهذه الأفلام، إذ لم يبذل مخرجو هذه الأفلام أدنى جهد في توخي الدقة التاريخية بقدر اهتمامهم بخلق أجواء غريبة على المشاهد الأوروبي، حتى ولو كانت مشوهة ومضللة.
وإذا كانت هذه الأفلام تقدم صورة غير حقيقية عن الشرق، وغير مرغوب فيها في عالمنا العربي، فإنها في الأقل، تنتمي إلى موضوعات تاريخية ومسلمات مسبقة، ومن ثم فإن خطرها أقل من خطر الأفلام الغربية التي تتناول عالمنا العربي المعاصر بالكثير من التشويه الأخلاقي والديني. وقد ساهمت السينما الغربية عامة والسينما الأميركية خاصة في تعميق الهوة الفكرية بين العرب والغرب وخاصة بعد أحداث أيلول الحادي عشر من أيلول عام 2001، وساعدها في تزكية هذه المواقف عدة عوامل منها: التعصب الأعمى الذي تعود جذوره إلى الحروب الصليبية، والصراع العربي الإسرائيلي. وقد تناول هذه الفكرة بالنقد والتحليل الموضوعي الناقد السوري والإعلامي أحمد دعدوش في كتابه الصادر عن دار الفكر في دمشق عام 2011، الذي حمل عنوان (ضريبة هوليود / ماذا يدفع العرب والمسلمون للظهور في الشاشات العالمية؟) ويأتي الكتاب بعد مرور أكثر من أحد عشر عاماً على أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001 بتفجير برجي التجارة العالميين بعملية إرهابية لتنظيم القاعدة بزعامة «بن لادن»، تلك المرحلة شكلت الانعطافة الأكبر في إقبال هوليوود على الممثلين المسلمين والعرب، إقبالاً انعكس علينا سلباً وتشويهاً، فكانت السينما شكلاَ من أشكال الغزو الثقافي المنظم، وهذا الغزو أقوى من الغزو العسكري، وهو ليس فقط من القنوات والفضائيات الأجنبية بل حتى العربية منها، وبذلك استطاعت السينما أن تخدم أهداف الحركة الصهيونية وتدعم مقولاتها ومزاعمها، وأن تصل إلى الجمهور السينمائي العالمي، فبدأت هوليوود الإعداد لمجموعة كبيرة من الأفلام التي تطلب إنتاجها الاعتماد على ممثلين عرب ومسلمين بعد أن كانت تستعين بممثلين أجانب لتقديم الأدوار العربية، حيث ظهرت أفلام مثل «سيريانا»، ومسلسلات مثل «الخلية النائمة» الذي يظهر المسلمين على أنهم عملاء محليون للإرهاب العالمي، و«خلية هامبورج». وفي النهاية يخلص المؤلف إلى أن الصورة في مجمل الأفلام الهوليوودية هي ذاتها، مع فارق بسيط هذه المرة إذ إنها أصبحت أكثر ذكاءً في تقديم رسالتها الفكرية ونظرتها العنصرية والدونية للشخصية العربية وبإمضاء ممثلين عرب أيضاً، على حين عجزت السينما العربية عن القيام بمهمة تصحيح هذه الصورة القاتمة وتصويبها، وفشل أغلب الإنتاج العربي الخاص في أن يرقى إلى مستوى العالمية، رغم امتلاكه كل مقومات النجاح من قدرات إبداعية، وكتاب ومخرجين عالميين، ورأس المال في الإنتاج والتسويق، فالعرب اليوم أمام تحدٍ لبناء سينما عربية عالمية تخاطب الرأي العام العربي والعالمي، تكون الخطوة الأولى في تحسين الصورة العربية المشوهة، وإنتاج ثقافة إنسانية راقية بعيدة عن العنف والجنس الذين اصطبغ بهما تراث العرب مؤخراً وبشكل بعيد كل البعد عن الحقيقة، كما يجب على الإعلام العربي ومحطاته الفضائية العربية أن يأخذ على عاتقه تبني قضايا العرب المصيرية، إضافة إلى إطلاق فضائيات عربية ناطقة بلغات عالمية تقوم بالتسويق للأفلام العربية القيّمة التي تعكس التوجه الحضاري الحقيقي لأمتنا، وكما يقال أول الغيث قطرة فلماذا لا نضيء تلك الشمعة بدلاً من أن نلعن الظلام.

المصدر: 
موقع ستار تايمز
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

Image CAPTCHA
أدخل الرمز الموجود في الصورة.