ضبط تردُّدات الدُّعاء

الأربعاء, August 1, 2012
كاتب المقالة: 

لا أعتقد بالنظر إلى واقع المسلمين المزري أنّ عدم إستجابة الله تعالى لدعائنا سببه رضاه علينا ومحبته في سماع صوتنا أكثر عبر تركنا نلح لوقت أطول، بل على الأغلب العكس هو الصحيح: في أنه يبغضنا ويسخط علينا أكثر مع استمرارنا بالدعاء بهذا الشكل بدون أن نتوقف للحظات ونتساءل ونعقل عن السبب الحقيقي الذي يقف وراء عدم استجابته لدعائنا..
كيف لم نتساءل والقرآن يحثنا دوماً على أن نعقل؟
دعاؤنا بالشكل الذي هو عليه اليوم يعكس مدى تخلفنا وسلبيتنا، يعكس مدى كبر الهوة بين فلسفتنا الحالية السطحية للدعاء وبين المفهوم القرآني الذي من المفروض أن نحمله عن الدعاء..

عودونا أن نرفع أيدينا ونطلب ما نشاء، تماماً كما لو أن الدعاء هو النسخة الإسلامية للمصباح السحري نطلب ما نشاء من الأمنيات.. فكما يقولون: ليس للكلام جمرك، فلماذا إذن نبخل؟، أي بالعامية: "مالنا خسرانين شيء، فالندعو ونجود في الدعاء فلا أحد يعلم لعلها تكون لحظة استجابة..".  فندعو مرة بأن يهزم الله تعالى الكفار ولا يبقي منهم أحد ونحن مستلقون بعد الدعاء أمام التلفاز، أو أن يضرب الظالمين بالظالمين ويخرجنا من بينهم سالمين وكأننا نعيش في كوكب آخر، أو أن يشفي كل مرضى المسلمين بدون حتى أن نملك مشافي متطورة ونتطور علمياً، وأمنيات وأمنيات تعكس مدى عمق القاع الذي هبطنا إليه..

 غير صحيح - بالاعتماد على القرآن - ذاك الذي غرسوه في عقولنا في أن الله تعالى يستجيب لنا حتى وإن لم يستجب ظاهرياً، أي أن الدعاء الذي لا يستجاب في الدنيا فإنه يُبدّل بثواب في الآخرة. كيف كنا نفهمها هكذا وهو بجلاله العلية يعدنا بالاستجابة (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )) البقرة، أية86؟  كيف استطعنا أن نتجاهل الحقيقة؟ الحقيقة في أن الله يستجيب لنا دوماً كما تبين الآية؛ وأي دعاء غير مستجاب فيعني أنه لم يدخل أصلاً ضمن نطاق الدعاء المستجاب، أنّ الدعاء الذي أطلقه هذا العبد يحمل تردد خاطئ لم يستطع الدخول في المستقبلات الإلهية..

 وليس صحيح أيضاً أن عدم استجابة المولى لنا هو بسبب ضعف إيماننا.. فإبليس ليس بأحسن وأفضل مننا لكي يُستجاب له ولا يُستجاب لنا.. إبليس بالمناسبة قد أُستجيب له بعد معصيته ووقاحته أمام الله تعالى.. لنسمع ما فعل: (( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ* قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ* قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ* قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ* قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ* قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ* ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ* قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ* )) الأعراف، أية10-18، صفحة152... كيف تجرأ وفعلها إبليس؟  لا أقصد كيف تجرأ وفعل وقاحته فهذا من بشاعته صعب جداً أن نتخيله، بل أقصد كيف تجرأ ودعى الله بعد أن عصيه بهذا الشكل العلني الواضح وبعد أيضاً أن قال الله تعالى له (إنك من الصاغرين)؟
لماذا المولى تعالى استجاب له؟ وهو – أي إبليس – توعّد بغواية عباده كلهم؟ لماذا لم ينهي تعالى المسألة بوقتها ولا يستجيب لدعاء إبليس؟ أكيد هناك حكمة لذلك، لكنها قد تكون بعيدة تماماً عن الحكمة التي نعتقد بها في أن ذلك حدث لكي يجعل الدنيا ويختبر البشر، بل لحكمة أكثر عمقاً أراد المولى إيصالها لنا في أ
نه يستجيب لجميع خلقه من المؤمن الطائع إلى العاصي؛ أي باب الاستجابة مفتوح لكل البشر مادام الله هو رب العالمين ومادامت أيضاً المحاسبة ستشمل نتائج دعائهم.. وقد تكون أيضاً الحكمة من ذكر المولى دعاء إبليس في القرآن هو لكي يُعلمنا أنه استجاب لدعاء أفجر حالة، أفلا يستجيب لنا؟ لكن للأسف، أخذت منا الوقت الكثير لكي نفهم..

لذلك استجابة الدعاء ليست مقتصرة على المؤمن الطائع الملتزم كما نعتقد، بل سارية لكل عبد: مثلما كتب سبحانه على نفسه الرحمة لكل عباده، كتب أيضاً أنه يستجيب لجميع خلقه..
لكن مثلما هناك فئة ظالمة تخرج من رحمة الله، فإن هناك فئة تخرج من دائرة القبول الإلهي لدعائهم: لكن الحالة العامة أن الرحمة وسعت كل شيء، وإجابة الدعاء مفتوحة لأي أحد..

 لذلك ما يجب أن نبحث عنه هو أن نعرف التردد الصحيح للدعاء الذي يقبله الله تعالى من عباده لكي يستجيب..

 السؤال الذي يطرح نفسه عند قراءة الآية: (( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ )) البقرة، أية186... هو لماذا أضاف الله تعالى كلمة (إذا دعان) في الآية؟ أليست كلمة "الداعِ" تعني أن الشخص قد دعى؟ فكلمة داعِ هي صفة مكتسبة للإنسان تصف ما يفعل.. كان المعنى واضح لو أن الله تعالى اكتفى بقوله: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون..  لكنه تعالى أضاف (إذا دعان) ليخصص ويوضح لمن سيستجيب..

الله تعالى لا يجيب دعوة أي داعي، أو دعوة الداعي بأي دعاء كما تبين الآية.. الله تعالى يجيب دعوة الداعي الذي يدعو (إذا) دعان بالشكل الصحيح..

 بحثنا وتحرينا كثيراً عن الأوقات المستجابة، عن الأيام المستجابة فيها، وعن المكان الذي يستجاب فيه، لكننا للأسف لم نتحرى عن السبب الجوهري الذي يستجاب له: اهتممنا بأن نضبط المظهر وتناسينا أن نضبط الجوهر..

الله سبحانه وتعالى بالتأكيد قد ترك لنا في قرآنه المفتاح الذي سيساعدنا على فهم آلية ضبط لترددات الدعاء.. هذا المفتاح غير متوفر في آية واحدة، بل مجزأ وموزع على كل آيات الدعاء في القرآن.. مع كل آية نحللها ونفهمها نقترب خطوة ونعدل ونضبط بشكل أدق الدعاء..

آيات الدعاء تنقسم في القرآن إلى ثلاثة أصناف: الصنف الأول، الأدعية المستجابة. الثاني، الأدعية التي لم تستجاب لكن رد عليها الله تعالى لكي يصححها. والصنف الثالث، التي لم تستجاب ولم يرد عليها المولى. وكل منها تقدم لنا درس ومعنى..

الشيء الجوهري الذي سنستخلصه من آيات الدعاء هو أن الدعاء ليس الطريق المختصر للوصول لما نريده.. أن الله تعالى لم يضع الدعاء ليريح عباده المؤمنين ويختصر عنهم أجزاء كبيرة من مهماتهم كما قد نعتقد.. الدعاء ليس عصا سحرية نطلب عبرها ما نريده.. الدعاء ليس هو المصباح السحري الذي يحقق أمانينا ونحن جالسين.. بل الدعاء لا يستجاب إلا إذا دفعنا مهره بشكل كامل مقدماً.. ومهر الدعاء هو العمل..

 أول درس يقدمه القرآن لنا هو متى بالضبط يجب أن ندعوا.. بالطبع ليس المقصود التوقيت الحرفي للكلمة في أن نتحرى الدعاء قبل الغروب مثلاً.. فالدعاء حقيقة مرتبط بما هو أهم، بالشيء الذي يسبقه ويمهد الطريق له: بعملنا.. أول درس يعلمنا إياه القرآن فيما يتعلق بالدعاء هو أن نربط الدعاء بالعمل ونتعلم أين وكيف نربطه..

(( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ* اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ* )) الفاتحة، آية5-6... أفضل الوقت لكي ندعُ فيه كما يدلنا إليه الخطاب القرآني هو بعد أداؤنا للعمل: ليس قبله ولا أثناءه، بل فقط بعده. فالآية صريحة: أول شيء يكون العمل (إياك نعبد) ممارس بشكل عملي دائم ومستمر، ثم بعدها تأتي الاستعانة في متلازمة مع العمل في نفس الآية (حتى الاستعانة سيكون لها معنى حقيقي حين نطلبها بعد البدء بالعمل)، ثم بآية منفصلة لاحقة يأتي الدعاء بعد العمل والأخذ بالأسباب.. هكذا التنظيم والترتيب الإلهي، كل شيء عنده بمقدار ومضبوط بإحكام، وما علينا إلا أن نتعلم من هذا الانضباط، ونضبط الدعاء..

لكن ما فائدة الدعاء إن قمنا بالعمل، إن أخذنا بجميع الأسباب؟

البشر يدعون لسببين: الأول، الدعاء من أجل الآخرة: وهذا يتطلب منا أن نكون قد قمنا بالعمل، فلا معنى من دعائنا بأن نكون من أهل الجنة ونحن في أساسيات وأبجديات الإيمان (العبادات) نتعثر ونتلعثم بها.. ولقد أكد القرآن على هذه النقطة، لم يتساهل الله تعالى في قرآنه في هذا الموضوع. صحّح دعاء فئة من البشر ونبّههم على التردد الصحيح للدعاء، فلنسمع: (( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ* رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ* رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ* رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ* فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ* )) آل عمران، آية191-195، صفحة76.... لا واسطة في الدعاء، الآخرة لن ننالها بكثرة دعائنا – على الأقل المراتب العليا فيها.. هذه الآية هي من صنف الثاني، أي أنّ الله تعالى لم يستجب للدعاء (لم يقل مثلاً لقد غفرت لكم وعفوت عن ذنوبكم كما طلبوا) لكنه تعالى ردّ عليها وصحّحها: علّمنا أن عملنا هنا واجتهادنا وتعبنا في الدنيا هو ما سيحدد مكاننا هناك "في الآخرة"..

السبب الثاني الذي ندعو من أجله هو من أجل تحقيق حاجة دنيوية. لكن يبقى السؤال: إن كان يتوجب علينا أن نقوم بالعمل كاملاً فما فائدة الدعاء لنحصل على ما نريد؟

أحياناً ما نقوم بكل ما بوسعنا ويبقى هناك نقص، يبقى هناك عيب وتقصير لا يمكننا جبره ضمن المعطيات المتوفرة لدينا حينها.. الدعاء ببساطة خُصص من أجل هذا الجزء الصغير الذي يعجز الإنسان على جبره..

كل الآيات التي استجاب لها المولى تعالى في القرآن كانت ضمن هذا الحيز من المجال:

(( إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً* قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً* وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً* يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً* يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً* قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً* قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً* )) مريم، آية3-9، صفحة305... حتى وأن إمرأته عاقر لم يدع سيدنا زكريا وهو شاب.. كان يسعى ويحاول، يسأل الحكماء ويجرب كل الوصفات، لم يترك طريقة سمع بها أنها قد تفيد إلا وجربها.. لكن لم يستفد بشيء، كبر واشتعل رأسه شيباً ووهن عظمه.. وصل إلى المجال الذي يعلن فيه استسلامه، وصل إلى المكان الذي يستطيع بكل وجه أبيض أن يوكل أمره إلى الله بدون أدنى إحساس بالتواكل وبعدما عمل كل ما بوسعه.. هنا بالتحديد يجيبه المولى أنه وصل إلى المجال الذي يستطيع فيها أن يطلق دعائه.. الأمر هين على الله عندما تأخذ بجميع الأسباب وتعجز بعدها بشيء ما، لكن أن تأخذ نصف حلول، أن تسير نصف طريق، فلن يستجيب الله لك مهما بكيت.. الدعاء لم يجعله الله تعالى وسيلة لتريحك من القيام بمهامك، بل وجدت لكي يعطيك جل جلاله رسالة كم هي عظيمة قدرته حين يجيبك وأنت تعلن استسلامك بعدما أخذت بجميع الأسباب، جميعها بدون استثناء.. هنا الدعاء يصبح وسيلة اتصال بين العبد والرب، وسيلة اتصال لجبر ما لا يمكن جبره من البشر.. هنا بالضبط يعلن الله أن الأمر أصبح عنده وأن الأمر إن عجزنا عليه نحن، فإنه عليه هيّن وبسيط..

المجال الذي يتوجب علينا أن ندعوا فيه ضيق، نعم.. لكن لسبب أيضاً.. الله تعالى كتب أن لا يستجيب لأي مضطر إن لم يأخذ بجميع الأسباب لأنه جلا وعلا يريد منا أن نبتدع حلول، أن نبتكر طرق جديدة، أن نقوم باكتشافات براقة وخلاقة.. يعلم أنّ الحاجة هي أم الاختراع، ويريد منا أن نتعلم ذلك.. الله تعالى كتب أن لا يجيبنا إلا في ذلك المجال الضيق، لأنه يريدنا أن نفكر من خارج الصندوق.. يريد منا أن نحاول أن نبتكر، هذا الابتكار سيتطلب منا أن نكتشف المزيد من قوانينه جل وعلا في الطبيعة وبالتالي نُسخّر ما خُلق من حولنا كما أراد تماماً.. أن لا نلجأ إليه ما دام هناك طرق لم نجربها.. يريد جل جلاله من أمته أن تكون خلاقة مبتكرة ومخترعة للحلول للتخلص من مشاكلها، أن تعتمد على نفسها لأنها تستطيع فعل ذلك، وعطاها تعالى كل الأدوات التي تساعدها للوصول إلى ذلك..

  (( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ* وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* )) الأنفال، آية9-10، صفحة178... النصر هو أيضاً يخضع كغيره لفكرة المجال.. أغلب الأدعية التي أستجيبت في القرآن وصل صاحبها – أو أصحابها - إلى المجال التي يقبل فيها الله الدعاء.. جميعنا يعلم كيف حدثت غزوة بدر، مثلما جميعنا يتمنى الآن أن يتحقق لنا ما تحقق آنذاك: أن يممددنا المولى بملائكة مردفين وينصرنا.. غزوة بدر لم يكن للمسلمين يد فيها، أي أنهم لم يشعلوها ويسعوا لها، وضعوا تحت الأمر الواقع، لم يكن لهم أي خيار سوى المواجهة ولم يعلموا أو يتوقعوا حدوثها قبل فترة لكي يجهزوا أنفسهم بشكل أفضل، بل جاءت لهم على حين غرة.. هم حديثي الديانة، حديثي التنظيم، حديثي العهد بالفكر الإسلامي الشمولي، حديثي الاعتقاد والإيمان بالإتقان كواحدة من أهم ما قد يميز الإسلام، لكن مع ذلك كانوا قد فعلوا كل ما يمكن أن يفعلوه قبل مجيء الغزوة، فعلوا كل ما يستطيعون، فعلوا كل ما يمكن لبشر مع تلك الإمكانيات أن تفعل بالرغم من عددهم القليل.. جاءت الغزوة، وأصبح الإسلام برمته على المحك، لدرجة أنهم لم يدعوا المولى بل استغاثوه.. والله تعالى عندما تصل إلى ذلك المجال وتعلن عجزك بعد أن أخذت بكل الأسباب، فإنه سيدهشك بروعة وإبداع الإجابة، الله تعالى يتفنن ويبدع في كل إجابة.. ربما لذلك وضع لنا الدعاء: ليكشف لنا من بعض إبداعه حين نعجز..

بالمقابل، نحن الآن في القرن الواحد والعشرين بكل هذا التراكم العلمي. يعلم تقريبا كل فرد فينا مدى أهمية العلم والإتقان والإحسان في الإسلام، أصبح تعدادنا يقترب ليكون المليارين، لدينا من الأموال والثروات ما نستطيع أن نعمر نصف الأرض بأحسن ما يمكن.. بعد كل هذا نتجرأ وندعو الله بأن يهزم الظالمين أو أن ينصرنا بسبب ضعفنا؛ بعد كل هذا نتجرأ ونعلن عجزنا ونحن نملك كل ما يستطيع أن ينصرنا.. ولنزيد الأمر سوءاً فإننا لا نتعلم بعد كل فشل نقع فيه بأنه يتوجب علينا نحن الأخيار أن نتحد، أن نتضامن، أن نخطط ونبدأ بالأخذ بجميع الأسباب لكي لا نقع غداً في نفس المطب.. نأبى إلا أن نقع في نفس المطب، مبددين الوقت الذي كان متوفر لكي نجبر ضعفنا ونستغل إمكانياتنا الكثيرة لنتطور ولنأخذ بالأسباب.. فنقع من جديد بسبب تقصيرنا وسلبيتنا فلنجأ إلى الله داعين بأن ينصرنا.. من أين أن يسمع لنا ونحن أبجديات سنن الحياة لم نفقهها بعد، ونحن بعيدين عن ذلك المجال أميال وأميال، ونحن كل ما فينا يحتاج لأن يُجبر، ونحن ملكنا كل الوقت وكل الوسائل التي تنصرنا لكننا بددناها بجهلنا معتقدين أن الجهاد على الظالم هي بحمل السلاح والالتزام بالشعائر وترديد الله أكبر فتنزل الملائكة فننتصر؟ متناسين الأمر الإلهي لنا بأن نعد ما نستطيع من قوة (( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ* )) الأنفال، آية60.... هنا السر: ما نستطيع من قوة، كل ما نستطيع، أن نصل إلى ذلك المجال الذي يفتح فيه الباب لنا لكي نتصل مع ملك الملوك جل جلاله فيجبر ما عجزنا عليه.. غير ذلك سنكون خارج نطاق التغطية لنقوم بالاتصال، أي دعاء لن يُستجاب لنا ونحن خارج النطاق.. ما أسخف ما كنا نعتقد بأنّ عدم استجابة الدعاء هو نتيجة حب المولى في سماع صوتنا ونحن بهذه الشرذمة والضعف..

 كل الآيات التي استجاب لها المولى في القرآن تخضع لفكرة المجال: قد وصل أصحابها إلى المجال..

 الآيات التي لم يستجب لها الله تعالى ولم يرد عليها تعطينا درس مهم: في أن الله تعالى بعد أن علّمنا الدرس الأول من الآيات المستجابة بأن نفهم أنّ الدعاء لن يُستجاب إلا إذا كنا ضمن المجال: إلا إذا بذلنا كل ما نستطيع ولم ننجح؛ وبعد أن صحح لنا أيضاً بعض الأدعية وأرجعها إلى عملنا؛ حان الوقت لنفهم الدرس الثالث في أنه جل وعلا لن يستجيب لنا ما دام الدعاء يعتمد على عملنا في الدنيا.. جميع الآيات التي لم تُستجب في القرآن تعتمد على خلاصة عملنا نحن في الدنيا.. أي عدم الاستجابة ليس نابع من محبة الله لنا في سماع صوتنا أكثر، بل لأنها تعتمد على خلاصة ما نفعله هنا "في الأرض"..

فمع كل آية فيها دعاء غير مستجاب، هناك آية أخرى فيها قانون: استجابة الدعاء مرهون بطريقة تفاعلنا مع هذا القانون، استجابة الدعاء متعلق ومتوقف لحين يتبين خلاصة تفاعلنا مع هذا القانون:

(( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ* آل عمران، آية8، صفحة50 )) = (( وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ* الصف، آية5 ))... إزاغة القلوب هي من فعلتنا وبسبب ما اقترفناه: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم..

(( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً* الفرقان، آية74، صفحة366 )) = (( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* السجدة، آية17، صفحة416 ))... قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون..

 الآن نستطيع أن نفهم لماذا الدعاء هو مخ العبادة: لكي ندعوا يتوجب علينا أن نراقب ما أنجزناه إلى ما قبل الدعاء، يتطلب منا أن نبحث عن أي طريق محتمل من الممكن أننا لم نسلكه بعد والذي سيؤثر على استجابة دعائنا، أي أننا سنأخذ بكل الأسباب: هذا يعني أنّ الأخذ بالأسباب لا يمثل العبادة فقط، بل يمثل مخ العبادة: تطورنا في الدنيا عبر ابتكار حلول لمشاكلنا وتسخير الطبيعة لحلها هو مخ العبادة..

الدعاء مخ العبادة ليس من أجل ذلك فقط.. بل الدعاء يعلمنا أيضاً أن نعد للألف قبل أن ندعوا، قبل أن نجري الاتصال مع ملك الملوك الخالق جل جلاله عبر الدعاء.. لأنّ دعاءنا للمولى بشيء نريده لكن لم نسعى له بالشكل الكافي فيه استخاف كبير بحقه جل وعلا: فيها تكبير وتعظيم لنا وتصغير لجلاله العلية حين نطلب منه أن يقوم بما نحن نستطيع القيام به.. الدعاء يحتاج منا أن نستعمل "المخ" كله لنتأكد من صحة كل شيء قبل أن ندعي..


براء أصفري
03.07.2012

المصدر: 
Dar Al-Fikr
موضوع المقالة: 

إضافة تعليق

8 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.